تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أضواء على سلاح نظام الأسد البدائي الفتاك الأقل كلفة

26,577 برميلًا متفجرًا ألقاها الطيران الحربي منذ التدخل الروسي

منذ بدايات الثورة السورية، اعتمد نظام الأسد البراميلَ المتفجرة التي يُلقيها الطيران الحربي على تجمعات ومنازل المدنيين العزل، كسلاح أوّل في قصفِ البلدات والمدن السورية المنتفضة ضدّه.

اللجوء إلى هذا النوع من السلاح الهمجي تم نظرًا إلى تصنيعه المحلي بتكلفة زهيدة، ولسهولة وسرعة إنتاجه، ولتأثيره الكبير في إيقاع أكبر عدد من الضحايا، وتدمير واسع للمراكز الحيوية المدنية في مناطق سيطرة المعارضة؛ الأمر الذي جعل منه عمادًا أساسيًا في الترسانة العسكرية الأسدية، على الرغم من أنه محظور دوليًا، ذلك أنه لا يميّز بين مدنيين ومسلحين، ويسقط عشوائيًا ويؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة.
(الشبكة السورية لحقوق الإنسان) المعارضة، قالت في تقريرها الشهري الخاص بتوثيق استخدام قوات النظام للبراميل المتفجرة، إنها وثقت منذ بداية التدخل الروسي، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015 حتى صدور التقرير يوم الاثنين 7 كانون الثاني/ يناير الحالي، ما لا يقل عن 26577 برميلًا متفجرًا ألقاها طيران النظام المروحي وثابت الجناح، أي بمعدل 23 برميلًا متفجرًا يوميًا. مبينة أنّ 3601 برميلًا منها ألقيت في عام 2018.

(جيرون) تسلط في هذا التقرير الأضواء على هذه البراميل المعروفة باسم سلسلة قنابل FAB، التي أسماها السوريون “براميل الموت”، بعدما أحالت أجساد من استهدفتهم من المدنيين إلى أشلاء. فما هو البرميل المتفجر الذي يوصف بالسلاح البدائي الفتاك، وبأنه “أقذر الأسلحة المستخدمة في الحروب”؟

  • سلاح همجي شبيه بالقنابل الفراغية

تقارير صحفية سورية صادرة عن مؤسسات وهيئات تابعة لقوى المعارضة، وأخرى إعلامية عربية وغربية، قالت إنّ البرميل المتفجر هو عبارة عن خزان معدني أسطواني، طوله أكثر من متر وقطره حوالي 70 سم، غير أنّ نظام الأسد استخدم أحجامًا مختلفة من تلك الأسطوانات التي تُحشى عادة بمادة “تي ان تي” TNT المتفجرة مع خليط من الشظايا المعدنية والمسامير، ويراوح وزنها بين 300 كيلوغرام و1000 كيلوغرام، ويتم إشعالها قبل إسقاط البرميل من المروحية على الهدف، وهو مزود بمروحة دفع من الخلف، وبصاعق ميكانيكي في المقدمة، وله محامل على الأطراف، للمساعدة في رفعه ووضعه في الطائرة، وتصل سماكة معدن الغلاف الخارجي إلى 10 ملم، وله فتيل بدائي يتم إشعاله بعود ثقاب، ويُختار طوله بحسب علو إلقاء البرميل، وأحيانًا يرتطم بالأرض ولا ينفجر نتيجة تحطمه، وأحيانًا أخرى ينفجر في الجو، قبل وصوله إلى الأرض، ويستغرق زمن سقوط البرميل قبل وصوله إلى الأرض وانفجاره، من 20 إلى 30 ثانية.

تُحدث هذه البراميل في أثناء الانفجار ما يشبه الفراغ من الأكسجين، وعندما ترتطم بالأرض تشكل سحابة قطرية دخانية، على ارتفاع عشرات الأمتار في الجو، ومن خلال إضافة المواد الحارقة والزيوت والوقود؛ تُحدث دمارًا هائلًا، وهذا ما يجعلها قادرة على تأدية دور شبيه بالقنابل الفراغية، وكلما زادت كمية المادة المتـفجرة ووزنها؛ زاد تأثيرها، ويكون ضرر البرميل بحسب وزنه ومكان سقوطه، إضافة إلى ارتفاع الطائرة.

هذا النوع من الأسلحة الهمجية، بحسب خبراء عسكريين، سلاح غبيّ، لكونه غير موجه، كما أن استخدامه بطريقة دقيقة غير ممكن عمليًا، وترتفعُ فيه نسبة الخطأ، حيث يقع بشكل عمودي فوق المكان الذي يلقى عليه، ولا يمكنه تحقيق إصابات دقيقة، وهو مناسب في حال واحدة هي ضرب الأبنية السكينة والتجمعات الإسمنتية، والفائدة من هذه البراميل تأتي في إطار إحداث أكبر قدر ممكن من الدمار، وإلحاق الأذى بالمدنيين، فقد أكدت تقارير طبية -صدرت في أوقات سابقة عن منظمات طبية تابعة للمعارضة- أنه نتيجة استهداف التجمعات المدنية تكون النسبة الأكبر من المصابين من المدنيين، ونسبة 60 بالمئة من الأطفال، وأنّ أغلب الإصابات تكون خطرة، ويمكن أن تودي إلى الموت أو بتر أحد الأطراف؛ نسبة 75 بالمئة من إصابات الأطفال بالأطراف و15 بالمئة إصابات تودي إلى الوفاة، والباقي إصابات متعددة يمكن السيطرة عليها.

براميل الموت البدائية الصنع تفتك بالسوريين

خبراء عسكريون قالوا، في تصريحات صحفية في وقت سابق، إنّ طيران النظام الحربي كان يلقي في بدايات الثورة البراميل المتفجرة على التجمعات السكانية من مسافات منخفضة، ولكن تطور نوعية الأسلحة بيد الثوار أدى إلى اسقاط عدد من المروحيّات، فلجأ النظام إلى إلقائها من علو مرتفع، يصعب فيه إصابة المروحيّات بالمضادات؛ فانخفضت دقة إصابتها هدفها على الأرض. ولفت الخبراء إلى ضرورة التمييز بين البراميل المتفجرة التي تصنع محليًا، وبين القنبلة الفراغية الروسية التي تلقى من مروحيّات روسية مخصصة لها، وهي من نوع Mil Mi-2، مبينين أنّ لهذا النوع من القنابل قدرة تدميرية عالية، ويستعملها نظام الأسد في حربه الوحشية الشاملة ضدّ شعبه الذي ثار على حكمه، وهي تشبه بالشكل البراميل العادية المصنعة.

تقارير صحفية، نشرت في مواقع إعلامية معارضة العام المنصرم، كشفت أن تصنيع هذه البراميل وتعبئتها يتم في الشركة العربية للحديد (بين مدينتي جبلة وبانياس)، وكتيبة الهندسة على طريق جبلة القديم، وكتائب الهندسة في القطعات القريبة من المطارات، وفي بعض المطارات العسكرية والمدنية. مؤكدة أنّ النظام سخر مراكز البحوث العلمية في حلب (السفيرة)، ودمشق (تل منين)، (مساكن برزة)، وفي (دريج) شمالي العاصمة، وحماه (مصياف) لتصنيعها.

وأشارت التقارير إلى مساهمة إيرانيين وروس في تطوير سلاح البراميل، بعد ظهور أخطاء تمثلت في انفجار برميل في مروحية قبل إلقائه، وانفجار آخر قبل وصوله إلى الأرض، أو السقوط على الأرض دون انفجار.

وكشفت تقارير استخباراتية وصحفية فرنسية، نُشرت في (لوموند) و(ليبراسيون) و(ميديابارت) و(إنتلجنس أونلاين) المختصة بعالم الاستخبارات، في النصف الثاني من العام المنصرم، أنّ شركة (لافارج) الفرنسية، التي تمتلك أكبر مصنع للإسمنت في الشرق الأوسط في “الجلبية” البعيدة عشرات الكيلومترات من مدينة الرقة شمال سورية، متورطة في “جرائم ضد الإنسانية” في سورية، ومن هذه الجرائم تصنيعها لبراميل الأسد.

بقايا برميل متفجر

بحسب المعارض السوري العميد أسعد الزعبي، فإن هذه البراميل وضع فيها في الفترات الأخيرة مواد كيميائية استخدمت في أكثر من مرة، كما وضع النظام فيها عن طريق خبراء إيرانيين، كانوا قد نفذوا دورة في الصين خصيصًا لتطوير هذه البراميل، أسطوانات غار الكلور التي ألقيت في أوقات سابقة على قرى ومدن في محافظات درعا وحلب وإدلب وحماة.

كما طور النظام في إحدى المراحل، طائرات (أنتونوف 26) كي تحمل 4 براميل، وليس كالمروحية تحمل برميلًا واحدًا أو اثنين. ولفت الزعبي إلى أنّ نظام الأسد استخدم طائرات “اليوشن” التي تستطيع أن تحمل 20 برميلًا تلقى في آنٍ واحد على ارتفاع أكثر من 7000 متر، وذلك عندما قام بتدمير حلب للمرة الأولى.

وكان الضابط السوري المنشق عن قوات النظام محمد عمر، قد تحدث في خريف العام 2014، عن تصنيع هذه القنابل في مركز “الدراسات والبحوث العلمية” في مصياف، تحت إشراف الدكتور عزيز إسبر، أبرز الشخصيات ذات العلاقة بالملف الكيميائي السوري، وهو الذي اغتيل في آب/ أغسطس الماضي، وكان يتم ذلك بمساعدة مهندسين آخرين في المركز الذي تعرّض مرات للقصف الإسرائيلي.

وخلصت (منظمة حظر الأسلحة الكيميائية) في أحد تقاريرها، إلى أنّ الكلور استخدم ثلاث مرات في براميل متفجرة، في نيسان/ أبريل 2014، مصيبًا ما بين 350 و500 شخص بعوارض، ومسببًا مقتل 13 شخصًا.

وأشارت (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) في تقريرها الأخير الصادر قبل أيام، إلى أنها وثقت، في بعض الحالات، استخدام قوات الأسد براميل متفجرة تحوي غازات سامة، مبينة أنّ ذلك يُعدّ خرقًا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي صادقت عليها الحكومة السورية في أيلول/ سبتمبر 2013، وتقضي بعدم استخدام الغازات السامة وتدميرها، ولجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وبخاصة 2118، و2209، و2235. وأضافت الشبكة أنها سجلت إضافة مواد حارقة، يعتقد أنها “النابالم” إلى بعض البراميل المتفجرة؛ وقد تسبَّب ذلك في حرائق كبيرة بعد تنفيذ الهجوم”.

  • تاريخ البراميل المتفجرة

يعود أوّل هجوم موثق بهذا السلاح، بحسب أرشيف (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) إلى تاريخ 18 تموز/ يوليو 2012 في مدينة “داعل” شمال محافظة درعا، وقد تسبب في مقتل خمسة مدنيين، بينهم طفلة واحدة، وثلاث سيدات وإصابة نحو ثمانية آخرين.

إيليوت هيجينز، الكاتب البريطاني الذي لاحق أدلة الكيمياوي ليثبت مسؤولية نظام الأسد عن مجزرة الكيمياوي التي حصلت في الغوطة الشرقية في 21/ 8/ 2013، وصاحب مدونة (براون موزيس) Brown Moses، رصد تاريخ البراميل المتفجرة في سورية، وتطورها من سلاح بدائي إلى عماد في ترسانة الأسد العسكرية.

البراميل الأولى التي أثارت تساؤلات ظهرت، حسب هيجينز، في شريط في 22 آب/ أغسطس 2012 على موقع (يوتيوب)، وفيه بقايا ما وصف في حينه بأنه “قذيفة يدوية ألقتها هليكوبتر”. ولم يعرف وقتذاك، ما كانت تلك البقايا: مستوعب معدني فيه بودرة سوداء وحديد مسلح، مع مقابض ملحمة بالمستوعب من الخارج. وقد بدا غريبًا أن يلجأ سلاح جو مهني إلى إلقاء معدات خام كهذه.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ مزيد من هذه الذخائر الغريبة يظهر في البلدات والمدن المحررة على أنواعها. وفي 28 آب/ أغسطس 2012، أظهر فيديو من مدينة إدلب نموذجًا آخر، وصف ربما للمرة الأولى بأنه “برميل متفجر” أسقط من هليكوبتر.

في اليوم التالي، بثت قناة (العربية) تقريرًا تحدث عن براميل مملوءة بالمتفجرات ألقيت على حمص. وقال التقرير إنها براميل نفطية تحتوي على 200 كيلوغرام من مادة “تي ان تي”، وإن الفتيل يشتعل عندما تصيب أهدافها، غير أنه لم يثبت أنّ البراميل المتفجرة صنعت من براميل نفطية.

بعد إلقاء مروحيّات النظام براميل متفجرة على حلب

هيجينز، الذي يتابع ويحلل مقاطع الفيديو التي يرفعها السوريون على الشبكة العنكبوتية، منذ سنوات الثورة الأولى، نشر عدّة تقارير في الصحافة البريطانية عن البراميل المتفجرة، فقابله الإعلام الروسي بالسخرية من هذا الادّعاء، ووصفوه بـ “التافه”، إلا أنه قدّم لقطات واسعة وواضحة تشير إلى عشوائية هذه البراميل وآثارها التدميرية الكبيرة.

ويوم حاول النظام نفي استخدامه لهذا السلاح، واجهه هيجينز بقاعدة بيانات ما يقرب من 500 تسجيل فيديو توثق استخدامه للبراميل، إضافة إلى القنابل العنقودية.

الكاتب البريطاني، قال إنه رصد منذ أواخر 2013 تغيرًا لافتًا في استخدام البراميل المتفجرة. فأشرطة الفيديو والصور المحملة على وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل ناشطين سوريين بالميدان، بدأت تُظهر براميل متفجرة أكبر واستخدامًا أكثر كثافة.

القانون الدولي يحظر استخدام القنابل ضد المدنيين، وذلك ما ينطبق على البراميل التي تستخدم على نحو عشوائي. وكثيرًا ما نددت دول ومنظمات عالمية وغير حكومية تعنى بحقوق الإنسان، باستخدام نظام الأسد للبراميل المتفجرة ضد المدنيين، على اعتبار أنها أيضًا سلاح محرم دوليًا، وفي مقدمة الدول المنددة، الولايات المتحدة الأميركية التي استعملته في الماضي في حرب فيتنام.

وتأخر مجلس الأمن الدولي، قرابة عام ونصف العام، حتى استصدر القرار رقم 2139 في 22 شباط/ فبراير 2014، الذي دان فيه استخدام البراميل المتفجرة، وذكرها بالاسم، “يجب التوقف الفوري عن كافة الهجمات على المدنيين، ووضع حد للاستخدام العشوائي عديم التمييز للأسلحة في المناطق المأهولة، بما في ذلك القصف المدفعي والجوي، مثل استخدام البراميل المتفجرة”.

برميل متفجّر لم ينفجر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق