مقالات الرأي

الرجعية من جديد.. من شاشات القائد المفدّى إلى الكرافات الحمراء

أعتقد أن كثيرين ممن قرؤوا العنوان انصرفوا عن قراءة المادة، فكلمة “الرجعية” أعادت لهم، بلا شك، صورة المذيع المُحنّط في قناة الرئيس المفدى، وهو يهاجم الرجعية العربية والأنظمة المتخلفة، ويمدح نظامه التقدمي والحداثي.. حسنًا في ما يلي هناك من هذا وذاك. لكن، مع الأسف، الرجعيون الذين نتحدث عنهم هنا هم مثلك كانوا يمقتون هذا الخطاب، ويقولون إنهم مناضلون في سبيل الحرية والديمقراطية، بل إن أكثرهم من تيارات يسارية أو اليمين المعتدل، ولطالما سخروا وسخّفوا ما سموه يومًا بالرجعية المتخلفة والأنظمة البائدة، إلا أنهم باتوا اليوم من أشد مناصريها، بل من المنظرين دفاعًا عنها.

اتخذ جزء كبير من الليبراليين والماركسيين والقوميين العرب موقفًا مفاجئًا من الثورات العربية، مع بدء انطلاقتها، وعلى الرغم من أن هذه الثورات تجسّد ما حلموا به ودخلوا المعتقلات في سبيله، فإنهم اختاروا الوقوف إلى جانب الطغاة، وفضلوا مناصرة الأنظمة القمعية على الاشتراك في حدث عظيم، يُعدّ الأبرز في تاريخ العرب الحديث، ومما زاد الأمر غرابة أن معظمهم، عدا الشيوعيين طبعًا، لطالما تغزلوا بالثورات الملونة في دول الاتحاد السوفيتي المنهار، على أنها انتصار لقيم الديمقراطية والحرية، وذلك على الرغم من أن تلك الثورات دُجّنت لاحقًا، بشكل من الأشكال، وتقاسَمت روسيا والولايات المتحدة ولاءَ هذه الدول التي سيطر في أغلبها تحالف من حرس الحكم القديم، مع أصحاب الثروات على مقاليد السلطة فيها.

اليوم، بعد مرور ثماني سنوات على انطلاق أولى ثورات الربيع العربي في تونس، تنتشر في صفوف الشباب العربي ظاهرة جديدة، ينسبها البعض إلى ما يسمى “الرجعية الجديدة” أو Neoreactionary، وتعتبر الرجعية الجديدة مذهبًا فكريًا وسياسيًا جديدًا نوعًا ما، في أوروبا وأميركا، وبعض المؤمنين به والمنظرين له، وللمفارقة، يأتون من خلفيات يسارية وشيوعية، إضافة إلى يمين الوسط واليمين المتشدد الذي يعتبر الأب الروحي لهذا التيار.

بينما تعبّر الرجعية الجديدة في المنطقة العربية -بمعنى من المعاني- عن اليأس وفقدان الأمل في تغيير حقيقي، والتخلص من الصيغة الحاكمة، وهو ما حدا بكثيرين إلى العودة لمنطلقات الفكر اليميني المحافظ، مع رشّة من قيم الديمقراطية والحداثة، بحسب فهمهم لها، فهم يعتبرون أن الديمقراطية -بصورتها الحالية- غير صالحة كنظام حكم.

يطالب أتباع هذا المذهب الفكري في الغرب بعودة السلطة المركزية للحاكم، وإعادة الاعتبار لحقوق الملكية، ويدعون لفرض قيود على الحريات، ولا سيّما حرية المعتقد، ولهم مواقفهم المتسقة مع اليمين المحافظ تجاه المثلية والحرية الجنسية، مع المطالبة بالحفاظ على الهوية الوطنية في وجه الهجرات، حيث إنهم يرون أن الحداثة والعلمانية المنفلتة لا تؤدي إلا إلى خراب الدول. ويشدد أتباع هذا المذهب على الفكرة الليبرالية القائلة بإعلاء الحرية الفردية، وتقييد سلطة الحكومة بالإجراءات التنفيذية فحسب، من دون التعدي أو التدخل في الاقتصاد أو الملكيات الفردية.

كان الكاتب دانيال ليندبيرغ قد تصدى للرجعية الجديدة في دراسة، نشرها عام 2003، قال فيها إن معظم من يُعرفون بـ “الرجعيين الجدد” في فرنسا كانوا “من رموز الثورة الطلابية التي هزت باريس في ربيع 1968، وكانوا من أشد المدافعين عن الفكر الماركسي واليساري بصفة عامة، ولكنهم تراجعوا عن ذلك، عقب انهيار جدار برلين وسقوط الشيوعية، ليصبحوا من أنصار الفكر اليميني والرجعي”. ويتهم ليندنبيرغ هؤلاء بأنهم في نقدهم لماضيهم الثوري وللإسلام والشيوعية وغير ذلك “تجاوزوا حدود الأفق الديمقراطي، وسقطوا في حبائل (الرجعية الجديدة)“.(*)

وبالعودة إلى منطقتنا العربية، نجد أن النتائج التي آلت إليها ثورات بلدان الربيع العربي دفعت كثيرًا من الشباب العربي إلى الانقلاب على أحلامهم بالتغيير والديمقراطية والحرية، وأمام اليأس وما تبدى لهم من تحالف غير مسبوق لتدمير فكرة الربيع العربي، وإعادة الشعوب إلى حظيرة الأنظمة العسكرية والدكتاتورية؛ انقلب عدد غير قليل على قيم هذه الثورات، وبات مدافعًا عن صيغ الحكم السلطوية والفردية، طالما أنها تؤمن قدرًا، كما يقولون، من الاستقرار والأمان إضافة إلى هوامش معينة من الحرية ولا سيّما الاجتماعية.

لطالما راهنت الأنظمة العربية ومؤيدوها، في دعايتها -وهم كثر، وفي صدارتهم الدول الغربية الديمقراطية، كما كشفت الثورات- على أن بقاء الأنظمة بشكلها الحالي هو الشيء الوحيد الممكن لمنع الإسلام السياسي من الوصول إلى الحكم وتطبيق سياساته المتطرفة، كما تسميها هذه الدعاية.

ولما كانت الحركات الاسلامية قد تمكنت من تصدر مشهد الثورات العربية بالفعل، لعدة عوامل لا مجال لذكرها الآن، بل وصلت في مصر فعلًا إلى الحكم، كانت ردة فعل العالم هي التواطؤ على إفشال الثورات وإحباط الشعوب، ومن هنا نفهم، ربما، المسارعة إلى الاعتراف بانقلاب العسكر في مصر ومباركته، على الرغم من كل القرارات الدولية بعدم الاعتراف بسلطة الانقلابات العسكرية على نتائج الانتخابات الديمقراطية، ولا بد من الإشارة إلى أن أميركا اعترفت من قبلُ مرارًا بالانقلابات العسكرية في بلدان أميركا الجنوبية، كما عرف العالم اعترافات أخرى، تحت مختلف الحجج في عدة مناطق أخرى، إبان الحرب الباردة.

المنطق الذي يدافع به العائدون لحظيرة الحكم المستبد يعتمد كثيرًا على جدلية المقارنة بين حكم ديني وحكم مدني، مدني أو علماني كما يسمونه، ويجدون في أدبيات الحركات الإسلامية، ولا سيما المتطرفة منها، أمثلة وشواهد لتبرير نكوصهم وانقلابهم، وهم هنا يتناسون الحقيقة البسيطة أن من أوجد وموّل وقاد الحركات المتطرفة الإسلامية هي الأنظمة العربية نفسها، فمن المعروف دور السادات، وبعده مبارك، في ما خصّ الإخوان المسلمين والجماعات الأخرى التي نشأت في مصر، وتشجيع الأخير إرسالها إلى أفغانستان إرضاءًا لأميركا، فيما لعب بشار الأسد دورًا كبيرًا وأساسيًا في دعم وإنشاء فرع القاعدة في العراق، الذي تطور إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ظاهرة النكوص أو الانقلاب على المبادئ ليست خاصة بالربيع العربي، بل إن هذه الظاهرة بدأت بشكلها الجلي منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأ بعض منظري القومية العربية الحديثَ عن مزاوجة بين القومية والإسلام، في محاولة لكسب الإسلاميين، وليتبعهم بعد ذلك كثير من الماركسيين والشيوعيين العرب، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في التحول إلى الأفكار الأكثر يمينية، قومية كانت أم دينية، كما رأينا مع بعض شيوعيي لبنان وتونس، في موقفهم الداعم لميليشيا “حزب الله” الطائفية. ومن هنا؛ لم يكن غريبًا كثيرًا موقف الشاعر السوري أدونيس وبعض المثقفين والمفكرين السوريين، في دعم صيغة الحكم الأسدي والتنكر للثورة السورية، فهم يرون أن نظامًا ديكتاتوريًا قمعيًا أفضل من الفوضى أو الحكم الإسلامي، حيث إنهم لا يرون إلا هذين المصيرين لسورية، في تنكر واضح لما اعتادوا قوله عن مناهضة الدكتاتورية والعسكر، بل كسبوا مكانتهم من خلاله، ويدل أيضًا على طبيعة نظرتهم المشككة في قدرات السوريين على التغيير.

في النهاية، فالرجعيون العرب الجدد لا يقدمون تنظيرًا فكريًا مماثلًا للغربيين، ولا يقولون عن أنفسهم أساسًا إنهم رجعيون، بل على العكس يصرون على حداثتهم، ويدعون أنفسهم بالتنويريين، على الرغم من دعمهم لأكثر أشكال الحكم تخلفًا ودموية، وعلى الرغم من أن تبريراتهم لا تعتمد على أساس فكري أو فلسفي مثل أوروبا وأميركا فإنهم يلتقون معهم في محاربة الديمقراطية، على الرغم من قولهم عكس ذلك، وتفضيل الحكم الاستبدادي.

______

(*) انظر (كتاب فرنسي ضد “الرجعيين الجدد” وحلم شيبون في كتاب بريطاني) صحيفة الشرق الأوسط. http://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=8800&article=146473#.XDFDUtIzZdg

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق