مقالات الرأي

كرنفال الموت في سورية

على طول الشوارع الممتدة من عواصم العالم إلى دمشق، تسير المواكب مدججةً بـ “الطبل والزمر” وتحمل الأعلام واللافتات التي تُنادي بالفضيلة، وتحض على الأخلاق وتنادي بالعدالة، مواكب مهيبة تبعث الرهبة في النفوس.

ترصد الأقمار الصناعية لنا أماكن المقابر الجماعية في سورية، وتحدد لنا أبعاد تلك المقابر، طولها وعرضها وعمقها والعدد التقريبي للجثث المدفونة فيها، وربما يمتلكون أسماء الضحايا أيضًا.

محرك البحث (غوغل) أرسل إليّ، قبل أيام، رسالةً في البريد الإلكتروني، يخبرني فيها عن تحركاتي خلال العام الفائت، كما أخبرني أنني زرتُ سبع دول وسبع عشرة مدينة، وسرتُ مئة وثماني وسبعين ساعة فقط، واستخدمت السيارة ألف كم، واستخدمت الطائرة عشرين ألف كم، بل أخبرني أنني زرت مقهى (سفرطاس) سبعًا وعشرين مرة، ومطعم (سلورة) ثلاث مرات.. إلخ، وكانت إحصائية مذهلة الدقة.

بالعودة إلى الكرنفال، يتقدم الحشود حشدُ الولايات المتحدة، حيث يُعلن رئيسها أن سورية عبارة عن “رمال وموت”، وربما خجل الرجل بسبب طبيعته “الخجولة” أن يخبرنا من هم الموتى! ويتبعه وزير خارجيته ليؤكد أن المرتزقة الأميركيين لن ينسحبوا، وسوف ينسحبون، وسوف يحمي الأكراد، بل يطالب بضمانات لحمايتهم!

نعم، لقد أرسل الزعيم الأميركي كبارَ قادته إلى المنطقة، ليؤكد لهم أن القوات الأميركية التي لن تنسحب، سوف تنسحب لكنها ستبقى! إنه الجزء الأميركي من الكرنفال المتحالف الداعم للمشروع العربي والحامي للمشروع الكردي المُغازل للمشروع الإيراني، داعم الديمقراطيات وحامي الطاغية الأسد، ومُغمض عينيه عن الجولاني، وربما اعتقد البعض أن الكتابة هنا مصابة بالحمى، لكن ليدقق الجميع في الصورة، ويشاهد بأم عينيه كل تفاصيل مشهد الكرنفال الأميركي، ليكتشف دقّة الوصف.

في الشارع الممتد من موسكو إلى دمشق، نشاهد كبير البطاركة في الكنيسة الروسية يبارك ويقدّس الطائرات والصواريخ، ويرشها بالماء المقدّس كي تحلّ فيها بركة الموت، ويصبح القتل شرعيًا، حسب الأصول المرعية في كنيسة بوتين، فالسيد البطريرك يهمه قيام دولة علمانية مدنية في سورية، حتى لو كانت الكنيسة ضد العلمانية والمدنية، فكنيسة بوتين لا تختلف عن ولاية الفقيه الذي يُقاتل من أجل الديمقراطية في سورية.

يسير خلف البطريرك كلّ من الرئيس بوتين ووزير خارجيته ومعاونيه، ويُعلن زعيم الكرملين للعالم أنه جرّب في سورية مئتين وخمسين نوعًا جديدًا من السلاح، ودرّب ثمانية وستين ألف جندي بالذخيرة الحية، على أهداف حية وحقيقية في سورية، ويُصرّح وزير خارجيته -صباح مساء- بأن القرار في سورية للشعب السوري، ويرفض اللجنة الدستورية، ويدفع المبعوث الأممي إلى الاستقالة، ويقول إن القرار للشعب السوري، وتحتل الشرطة العسكرية الروسية المدن، ويقول القرار للشعب السوري، وتقصف طائراته كل من يقول “لا للأسد”، ثم يقول إن القرار للشعب السوري، ويجتمع مع التركي والإيراني بغياب السوري، ويقول أيضًا إن القرار للشعب السوري، وتحضر طائرة مدنية إلى مطار القامشلى وتنقل مقاتلي “تنظيم الدولة الإسلامية” إلى موسكو بعد فرارهم من الرقة، برفقة عضو مجلس الدوما زياد السبسبي، ويقول حضرة الوزير إن القرار في سورية للسوريين، وأخيرًا يحاصر المدن السورية ويُجبر أهلها السوريين على الرحيل، ثم يقول إن القرار للسوريين!!

أما الشارع الممتد من طهران إلى دمشق، مرورًا ببغداد وبيروت، فيتقدم فيه الولي الفقيه حاملًا لواء العروبة والحرية والديمقراطية والدولة المدنية، يتبعه “الرفيق” قاسم سليماني، والمُفكّران قيس الخزعلي ومهدي العامري، وفي ذيله حسن نصر الله، ليستقبلهم على الحدود الشيخ نواف البشير ودريد لحام وخالد عبود و”كوكبة” من المفكرين والفنانين السوريين الديمقراطيين، ليبدأ العمل سريعًا على فتح الطريق نحو القدس، بدءًا من احتلال القصير وقتل وتهجير أهلها، وتنظيف القلمون كلها من أهلها وزرع الدواعش مكانهم، ثم ترحيل أهل مضايا والزبداني ووداي بردى وداريّا والغوطة، كل هؤلاء هم من كان يقف عثرةً في وجه تحرير القدس والانتصار الأكبر، وقد استطاع الولي الفقيه وزبانيته منع “سكان المريخ” من سبي “السيدة زينب” مرةً ثانيه، لكنهم بطريقهم سبوا سورية وأهلها، ليُعلن منشدهم من أمام الجامع الأموي انتصارهم التاريخي، وليُعلن من طهران قادتهم أن دمشق هي العاصمة العربية الرابعة تحت الاحتلال الفارسي، لكن ما إن وصلت الحشود إلى حدود الجولان المحتل؛ حتى أعلنت “إسرائيل” أنها لن تقبل بغير الجيش السوري حارسًا لحدودها، بضمانات روسية ووجود قوة روسية دائمة على الأرض؛ فعادت جميع القوات مكتفيةً بتحرير الجامع الأموي من أهله.

على طول الشارع الممتد من إسطنبول إلى دمشق، طوابير المهاجرين لا تنضب، والخطوط الحُمر لا تنتهي، تتنقل على الخارطة بطريقة انسيابية، تركيا حليفة الشعب السوري بشهادة ثلاثة ملايين سوري، لكنها صرّحت بأنها لن تقطع علاقتها مع إيران، وهي حليفة لروسيا بيدها اليسار، ولأميركا بيدها اليمين، وتغازل الغرب بعينيها، بحثًا عن مصالحها وأمنها القومي.

حتى فلسطين شاركت بوفد رفيع في موكب الموت، فبعد أربعين عامًا، اكتشف “الرفيق” أحمد جبريل، القائد العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أن تحرير القدس يبدأ من حلب، فذهبت قواته إلى هناك، وبدأت معركتها قتلًا وتدميرًا، ومن حلب بدأت تجوب كل المدن السورية بحثًا عن طريق القدس، ورافق هذا الهجوم “كوكبة” من أبناء فلسطين، من عبد الباري عطوان إلى نضال السبع وباقي (رموز الممانعة) المنتشرين في عواصم العالم، وليس غريبًا -في هذا الكرنفال- أن يلتقي عطوان والسبع مع حماس والجهاد وصابرون في الهدف نفسه، طالما أن الممول واحد، فوحدة التمويل تسبق وحدة المبدأ وتتغلب عليها.

من عواصم العالم المختلفة، من تونس ومصر وبغداد والرياض وعمان وطهران والجزائر وباريس وبروكسل وغيرها، كان الحضور المهيب لموكب الخلفاء والأئمة الصالحين من الخامنئي إلى سليماني إلى الخزعلي إلى الجولاني والبغدادي واليقظاني والمحيسني وأبو عمر التونسي وأبو خولة البلجيكي وأبو الطاهر الباريسي وأبو جلبيب الأردني وأبو شأبوب الجزائري غيرهم، جاء الجميع لينصروا “الرفيق” هلال هلال، الأمين القطري لحزب البعث، وليبايعوا “إمام الأمة” بشار الأسد، قائدًا تاريخيًا لحزب البعث الفارسي الملالي، وأمينًا عاما للشيوعيين العرب، حاملًا سيف محمد الفاتح، مدججًا بنظريات ماركس ولينين، وحاملًا روح الثائرة جميلة بوحيرد، وعزيمة صلاح الدين، وتقوى علي، وعدل عمر، مرتديًا (بيريه) غيفارا وعباءة عثمان ومستعينًا بـ “أولياء الله الصالحين” من أمثال رامي مخلوف وسامر فوز.

وبطبيعة الحال، لن نهمل حتى الوفود الصغيرة المشاركة في كرنفال الموت السوري، ففي ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولندن، كان هناك موكب عظيم، حيث اجتمع اليمين الأوروبي مع اليسار مع النازيين الجدد، في موكب واحد وهتاف واحد، وهو: “الموت للشعب السوري، والحياة لطبيب العيون الذي قتل هذا الشعب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق