تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

بومبيو والتحالف الشرق أوسطي الجديد والمصداقية

بالتزامن مع جولة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى المنطقة، وسعي الإدارة الأميركية لتعزيز مفهوم (تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي لمواجهة نفوذ إيران) في المنطقة، على غرار حلف شمال الأطلسي (بحسب وكالة الصحافة الفرنسية) يأتي تأكيد بومبيو للصحافيين بأنه “ائتلاف لدرء التهديدات الكبرى -الإرهاب وإيران- وهي أمور ينبغي لنا العمل بها بشكل مشترك، وسنعمل من خلالها على جمع كل الموارد”.

السؤال الذي يبقى قائمًا هو إلى أي حد يمكن لهذا التحالف أن يُبصر النور عمليًا؟ وهل الإدارة الأميركية جادة في ذلك فعلًا لا قولًا؟ وما مدى تجاوب دول المنطقة مع هذا التحالف الجديد؟

الباحث السوري منير الخطيب أكد لـ (جيرون) أن دعوة الولايات المتحدة لإقامة تحالف (شرق أوسطي) جديد “قد أفل نجمها، وفقدت المصداقية، إضافة إلى فقدان شروط إنتاج مثل هذا (التحالف)، وذلك لجملة من الأسباب، من أبرزها: أولًا، لم تشكل مرحلة ترامب قطيعة، على مستوى السياسة الخارجية، مع مرحلة أوباما، خاصة في المنطقة العربية، إذ حافظت على سيرورة الانكفاء والانسحاب، وإن بأشكال مختلفة، حكمتها شهوة ترامب العارية والمفضوحة لفرض (خوّات) على أنظمة الخليج. فهذا المضمون الانسحابي للسياسة الأميركية يبطل أي توجه جديد لإنشاء تحالفات. ثانيًا، (أميركا أولًا) هو الشعار الذي رفعه ترامب في حملته الانتخابية، ويطبقه حاليًا تنفيذيًا، والرأي العام الأميركي يدعم هذا التوجه، وبالتالي فإن التكّور على الشأن الداخلي الأميركي يضع قيودًا على سياسة التحالفات الخارجية، ويخضعها لمنطق (أميركا أولًا) في كل الاتجاهات. ثالثًا، تبدو فكرة إنشاء تحالف (شرق أوسطي) جديد، تقوده الولايات المتحدة الأميركية، مضحكة في سياق الاستهتار الأميركي المذّل بأحلافها التقليدية: كحلف شمال الأطلسي، وبعلاقاتها مع الدول (الحليفة) لها كدول الخليج وتركيا، فقد استخفت في السنوات الأخيرة بكل حلفائها الأوروبيين والعرب، وعاملتهم بازدراء، وهذا لن يمر من دون أن يترك آثارًا على مدى جدية أميركا التحالفية. رابعًا، صار واضحًا أن السياسة الخارجية الأميركية في المواقف الكبرى يحددها ترامب بواسطة (تويتر)، وكثيرًا ما ضرب عرض الحائط عبر (تويتر) بمواقف لوزراء خارجيته ودفاعه، فعندما تقاد السياسة الخارجية للدولة العظمى في التاريخ والعالم عبر (تويتر) أسوة بأخبار الراقصات وبائعات الهوى، تفقد احترامها وهيبتها ووظيفتها الكونية، وتنحدر إلى مستوى (الولدنة) والرعونة، وتدفع السياسيين والمراقبين إلى التساؤل المشروع: هل تصريحات بومبيو في القاهرة هي بموافقة ترامب أم لا؟ وهل سنصحو على (تويت) جديد يلغي ما قاله وزير الخارجية الأميركي؟”.

وأضاف الخطيب: “المشكلة الفعلية ليست بإقامة تحالف (شرق أوسطي) جديد، بل تكمن في تخلي الدولة العظمى عن مهامها الكونية، وانحدار سياساتها إلى الميكافيلية العارية والوقحة، فعندما لا يرى ترامب الكارثة السورية، ولا يرى سورية إلا بلدًا (للموت والرمال)، فهذا موات أخلاقي وإنساني في سياسات الدولة العظمى، لا ينقذه أي تحالف جديد، لن يكون ذلك إلا تكرارًا للتحالف الدولي شرق الفرات، أو للتحالف الدولي في اليمن، مجرد إعلان أسماء من دون مضامين ودون فاعلية. وأنا أخشى أن يكون مؤتمر بومبيو الصحفي في القاهرة مظهرًا من مظاهر الصراع بين (الدولة العميقة) والبيت الأبيض ليس أكثر! وأعتقد أن (حلفاء) أميركيا العرب أدركوا، في السنوات الماضية، مرارة (صداقة) أميركا في عهدي أوباما وترامب. أوباما قال بوضوح أنا سأنسحب من الشرق الأوسط، وترامب أكد ذلك وأضاف أنا مستعد للحماية مقابل المال! هذا ليس منطق أحلاف وتحالفات ومصالح دول وأمم، هذه (بلطجة) رخيصة، تصبح معها فكرة أي تحالف جديد على المحك”.

وختم مشيرًا إلى أن قول بومبيو: (إن من أهداف التحالف الجديد تحجيم إيران والقضاء على داعش)، “أصبح فاقدًا للمصداقية بعد كل ما فعلته أميركا موضوعيًا وذاتيًا، في دفع التمدد الإيراني في المنطقة وفي انطلاق الإسلام السياسي. إن التصدي لإيران و(داعش) يحتاج إلى سياسة أميركية كونية أبعد من مجرد (أحلاف) هدفها الابتزاز المالي أولًا، وتغطية الخلافات الداخلية الأميركية ثانيًا، واستخدامها كـ (ترانزيت) مؤقت في صراع أميركا الأساس مع الصين وروسيا ثالثًا”.

أما الكاتب السوري موفق زريق فقال لـ (جيرون): “أطلقت أميركا الثورَ الايراني، لنطح السنّة وتفجير الفوضى الخلاقة، وبعد أن تمّ ما تريد؛ لجمته، كما فعلت مع صدام. والغرب يدرك تمامًا حجم التناقضات في المنطقة، ومن ثم فإن الاستراتيجية الكبرى هي تفجير هذه التناقضات، وإحلال الصراعات الداخلية بديلًا من الصراع مع إسرائيل/ الصراع الحقيقي، وأخطر تناقض معروف في تاريخنا هو التناقض السني/ الشيعي هذا أولًا، وثانيًا هم يعرفون -من تاريخ المنطقة وبنيتها- أن البنى الطائفية والعرقية هي البنى الأساسية الحقيقية، وهي العوامل الأكثر قوة وتأثيرًا، ويعلمون حجم وقوة العامل الديني والطائفي. وفي هذا السياق كانوا مع قيام الثورة الشيعية، وأعتقد أنهم لعبوا دورًا في انتصار الثورة الشيعية في إيران، وأيضًا إطلاق (كما اعترف محمد ابن سلمان) الطاقة السلفية والمشروع السلفي السنّي، وهكذا تستكمل الفوضى الخلاقة عناصر انفجارها”.

وأضاف: “بهذا المعنى لإحداث هذه الفوضى، كان لا بد من التخلص من نظام صدام اللاطائفي، حقيقة هو استبدادي نعم، لكن غير طائفي، والتخلص من العراق لإطلاق الدور الشيعي الإيراني، حتى يشتبك مع نطح السنة أو حركة سنية سلفية، وهذا ما تم وأنجز، وأعتقد بأن المطلوب الآن إعادة التوازن في المنطقة، وردّ إيران، كما ردّوا صدام عن الكويت، وهم يعملون على رد إيران وتحجيمها وإعادة رسم المنطقة من جديد، وأعتقد أنهم نجحوا، وعناصر هذا التحالف أصبحت واضحة: مصر السعودية، وأعتقد أن تركيا هي جزء من هذا التحالف، على الرغم من كل ما يجري بين تركيا وقطر والسعودية، ولكن هذه تناقضات صغيرة في إطار المشروع الأكبر”.

الدكتور خليل سيد خليل نبّه إلى أن هذا التحالف الدولي ضد إيران الذي تسعى إليه الولايات المتحدة وتحدثت عنه المتحدثة باسم وزارة الخارجية، ووزير الخارجية مايك بومبيو، ويضم مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى مصر والأردن، هو “تقوية للكيان الصهيوني بالدرجة الأولى، بتصفية قضية فلسطين ووضع أموال العرب التي يتحكم فيها حكام الخليج تحت تصرف (إسرائيل)، لنهبها واستخدامها لتمويل خططها لضرب إيران وارتكاب المجازر ضد أبناء الأمة العربية”.

من جهة ثانية، قال الطبيب السوري معتز زين لـ (جيرون): “تدفع الكثير من الأحداث التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة، سواء على المستوى الإقليمي أو على المستوى الداخلي لكل دولة، إلى الاعتقاد بأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة مليئة بالمفاجآت والأحداث المفصلية التي ستغير وجه المنطقة. الأمر الذي يقتضي حدوث ترتيبات وتفاهمات وإعادة هيكلة للتركيبة السياسية وربما الديموغرافية والثقافية للمنطقة. ضمن هذا السياق، ربما يكون هذا التحالف مطروحًا بشكل جدي”.

وشكك زين في أن يكون التحالف -إذا حصل- موجهًا ضد إيران، وأوضح: “لقد أثبتت العقود الماضية أن كل ما فعلته أميركا في المنطقة كان يصب عمليًا في خدمة إيران. وأن أميركا وإيران تقبضان من تحت الطاولة ثمنًا كبيرًا لعدائهما المعلن فوقها. هذا التحالف، إن شهد النور؛ فهو يستهدف تركيا العدالة والتنمية. إنه سيحاول تحقيق ما فشلت الانتخابات والانقلاب في تحقيقه”.

أما السياسي السوري المعارض محمد عمر كرداس فقد رأى في حديثه إلى (جيرون) أن “أميركا تسعى لتشكيلة عسكرية، على غرار حلف الأطلسي وعلى غرار الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، من جنود حلفائها، بل عملائها، ومن المرتزقة الممولين من هؤلاء الحلفاء لتنفيذ أجندتها الخاصة، التي هي منافية لمصالح المنطقة وشعوبها. فأميركا عدوة الشعوب وما تسعى له حاليًا، بعد ملء الفراغ بغياب (الاتحاد السوفيتي)، هو دعم حلفائها من الأنظمة المستبدة والمستأثرة بالسلطة والثروة لمصالح عوائل ومجموعات لا علاقة لها بمصالح شعوبها. ولقد لجأت كل الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة إلى هذه الأشكال مع اختلاف التسميات. فرنسا احتلت سورية بالفرقة الأجنبية المشكلة من جنود المستعمرات الأفريقية، وبريطانيا كان لها أيضًا جيوشها الأجنبية”.

وأضاف: “إن هدف هذا التحالف -كما صرّح بومبيو نفسه- هو حماية (إسرائيل) ومحاصرة إيران، وتركيا التي هي شريكة أميركا في الحلف الأطلسي، وذلك بتمويل خليجي، وأيضًا لتشكيل المنطقة من جديد بخلق كيانات طائفية وثنية، تكون بؤرة للصراعات المستمرة، إن هذه التحالفات محكوم عليها بالفشل، فالتحالف في اليمن منذ عام 2015، مع تجنيده للأطفال السودانيين والأفارقة وحشد الجيوش والقوى الجوية والبحرية والمليارات لهذا التحالف، لم يحقق لليمن إلا الخراب والدمار في بنيته التحتية والإنتاجية، وقتل وتشريد وتجويع أهله، ولن يحقق أكثر من ذلك، إلا المليارات لأميركا المزودة بأدوات القتل”. ثم أضاف: “أميركا ليست جادة بما تقوم به إلا بما يحقق مصالح (إسرائيل)، وحصار إيران غير مجد بعد استمراره لأربعين عامًا، وإيران تقوى وتتمدد، ولكن لا مانع عندها من تحالف يجلب لها المنافع المالية المكدسة في بنوكها والمنافع الإعلامية وحماية (إسرائيل). وأتصور أن هناك ترددًا عند بعض الأنظمة للاشتراك في هذا التحالف، كالنظام المصري الذي تعول عليه أميركا، أما الشعوب التواقة إلى الحرية والعدالة، فمشروعها مختلف وطريقها معاكس. إن التخبط الظاهر في قرارات ترامب مرده إلى أجندات انتخابية، وإعلان أن (أميركا أولًا) مع حرصه على الهيمنة العالمية التي بدأت تتهاوى، بفعل بروز دول كبرى منافسة، وللزمن دورته التي لا يمكن معها التحايل”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق