تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

روسيا والإرهاب… وجهان لعُملة

كثيرة هي الجرائم التي ارتكبتها القوات الروسية في حق الشعب السوري، منذ تدخلها عسكريًا بشكل علني لدعم جيش الأسد المتهالك، في أيلول/ سبتمبر عام 2015، ولم يكن الأمر مستغربًا، عندما استخدمت القوات الروسية سياسة “الأرض المحروقة”، كأسلوب منهجي للقتل في مناطق مأهولة بالسكان المنهكين بالحصار المفروض من قبل الأسد وميليشياته.

هذا الأسلوب الذي استخدمه الروس على مرّ التاريخ، للسيطرة على الشعوب بالقوة، لم يكن جديدًا ولا وليد الصدفة، بل كان تكرارًا لجرائم الإبادة الجماعية التي قام بها الروس، منذ القرن الثامن عشر حتى الآن، وفي كثير من الأحيان، كانت تتم هذه الجرائم تحت غطاء ديني، وهذا ما أكدته صور بطريرك الأرثوذكس الروسي، وهو يُبارك أول فوج من القوات الروسية المتوجهة إلى سورية، وأيضًا تصريحات وزير الخارجية الروسي التي أكد فيها أن روسيا لن تسمح للمسلمين السنّة بحُكم سورية، وهذا تأكيد للسؤال الذي طرحه كثير من الساسة والمفكرين والمهتمين في شؤون الشرق الأوسط، حول سرعة وقوة تدخل الروس في سورية، وعدم تدخلهم في العراق، إبّان الغزو الأميركي لهذا البلد والتغلغل الإيراني فيه، على الرغم من العلاقة المميزة بين صدام حسين والروس طوال مدة حكمه.

إن حروب الإبادة والمجازر التي قام بها الروس، منذ بروز القياصرة مرورًا بالحقبة الشيوعية حتى يومنا هذا، ضد المسلمين بالتحديد، لا يمكن وصفها إلا بالعنصرية، وقد كان النصيب الأكبر من هذه الجرائم لمسلمي القرم ودول القوقاز وأبرزها الشيشان، حيث تعرّض الشعب الشيشاني المسلم لأكثر من حملة إبادة، وقد مات خلال هذه الحملات نصف الشعب، أما المقاتلون منه فقد جُمعوا في إسطبلات الخيول، وسُكب عليهم البترول وأُحرقوا أحياء، وكان الهدف الأساس من هذه الحملات هو التهجير المنهجي لشعوب هذه المناطق، لتفتيت النسيج الاجتماعي فيها، وإحلال مواطنين من الروس بدلًا من المواطنين الأصليين.

خير مثال على ذلك ما قام به ستالين عام 1944، عندما أسس جمهورية الشيشان بحكم ذاتي، وفي الوقت نفسه نفى شعبها عام 1945 إلى سيبيريا ودول أخرى، إذ مات أكثر من نصف الشعب في أثناء عملية التهجير، نتيجة الظروف الجوية القاسية والمعاملة السيئة للمهجرين، حيث حُشر الناس في عربات القطارات المخصصة لنقل البضائع، من دون طعام ولا ماء ولا كساء، وكل من يرفض تنفيذ الأوامر يُقتل مباشرة أمام الناس، بوحشية تُرهب من يرى ويسمع، لكن ستالين عاد وسمح لهم بالعودة، لكن وفق مخطط لتذويب هويتهم، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه، وعندما أعلن الجنرال الشيشاني جوهر دوداييف استقلال الشيشان عام 1994م؛ رد الرئيس الروسي آنذاك بوريس يلتسين باجتياح الجيش الروسي للبلاد، لتبدأ معركة جديدة بأسلوب جديد، حقق فيها الشعب الشيشاني انتصارًا تاريخيًا على القوات الروسية؛ ما دفع الروس إلى محاصرة الشيشان في أسلوب قديم جديد، لخنق الشعب الشيشاني، لكنه لم يفلح، وهو ما دعا رئيس روسيا الجديد فلاديمير بوتين إلى شن حرب إبادة على الشعب الشيشاني، دمّر فيها عاصمة البلاد غروزني عن بكرة أبيها، وارتكب أبشع المجار فيها وحرقها وشرد شعبها، ونصّب أحد عملائه رئيسًا عليها، لكن الشعب الشيشاني لم يستسلم وتابع كفاحه، ليس كجماعة متمردة، بل كأمة آمنت بعدالة قضيتها وحددت هدفها، وابتعدت من محاولات إرضاء الزعماء أو التملق لهم، بل إنهم، على الرغم من العيش تحت قوانين جلاديهم، لم يستطع أحد إجبارهم على احترام قوانين محتليهم، واستطاع الشيشانيون، بعد كفاح أسطوري، استعادة غروزني عام 1996 وغادر الروس الأراضي الشيشانية، وما زالت روسيا، على الرغم من استقلال الشيشان وانسحاب الروس منها، قائمة على إيجاد سُبُل جديدة لاستعادة الشيشان وإلغاء استقلالها، وما زال بوتين يُصِر على أن الشيشان جزء من روسيا.

إن ما حدث في الشيشان مثال على ممارسات الروس الإجرامية، في المناطق الأخرى التي حاولوا السيطرة عليها، أو تدخلوا لحماية أحد عملائهم فيها، وكلنا يذكر مذابح سيربينتشا في البوسنة، وتهجير الشركس والداغستان في القرم وأفغانستان، وحربها المدمرة التي لم تسلم أي قرية في هذه المناطق من بطش وإجرام القوات الروسية.

يبدو أن الخطة ذاتها تُطبّق في سورية، من خلال استخدام الآلة العسكرية الروسية في حربها على الشعب السوري، بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية الطائفية وجيش الأسد، لتفريغ البلاد من سكانها الأصليين، لإحداث التغيير الديموغرافي في سورية، وتوطين الشيعة الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين، محل السكان الأصليين من المسلمين السنّة، وإخضاع من تبقى من الشعب السوري على أرضه لقوانين جديدة تذيبه في الواقع الجديد الذي فرضته قوات الاحتلالين الإيراني والروسي، لكن السؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى ذهن كل سوري: هل يستطيع هؤلاء المحتلون أن يفرضوا على الشعب السوري مخططهم الإجرامي؟ وهل الشعب السوري أقلّ كفاءة وإيمانًا وقوة من الشعوب التي هزمت الروس على مرّ التاريخ؟

هذه الأسئلة المشروعة ستجيب عليها الأحداث القادمة على الساحة السورية، وإذا أردنا أن ننتصر على هؤلاء القتلة؛ فإن علينا أن نعرف الطريق ونحدد معالمها، لنسير فيها، وأعتقد أن أهم ما يجب علينا أن نفعله هو القيام في ثورة على أنفسنا أولًا، لننفض عنا غبار الماضي الذي سرق منا ثورتنا، ولنتكاتف في مشروع يضم كل السوريين، ونعمل على إبعاد أصحاب المشاريع الحزبية الضيقة ذات التوجه المغلف بالدين، ومحاسبة الانتهازيين أصحاب المشاريع الفردية والعشائرية والمناطقية التي أوصلت شعبنا إلى ما نحن عليه، وإلا؛ فسنبقى مشردين في أصقاع الأرض عبيدًا عند الشعوب الأخرى، لا وطن لنا، ومن لا وطن له لا كرامة له ولا تاريخ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق