مقالات الرأي

السلطان ترامب

منذ انتخاب دونالد ترامب قبل عامين رئيسًا للولايات المتحدة، تسكن في مخيلتي صورة يتقارب فيها ترامب مع ما كان عليه الطاغية الراحل معمر القذافي، من مزاجية مُثلى ليس في شؤون حياته اليومية العامة فحسب، بل في القضايا الاستراتيجية التي يُفترض أن تخضع صناعة القرار فيها لجملة من المعايير، أهمها المصالح العليا، بكل ما تعنيه هذه العبارة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا. لكن كل شيء -في الغالب- كان يجري وفقًا لوجهة نظر أحادية ناجمة عن ظرفٍ، أو حدثٍ معين، أي كردة فعل مباشرة، وكانت تلك الآلية جالبة للضرر وموّلدة للمصائب والأزمات التي تراكمت واستعصت على الحل فيما بعد.

كانت مزاجية القذافي هي التي تحكم وتدير الدولة، بمنطق السيد المالك وعبيده، ولم يكن أحد من مستشاريه، أو دائرته الضيقة، يجرؤ على تقديم النصح في غير ما يريده القذافي، وبالطبع ليس ثمة من يشير إلى الخطأ أو ينتقد. كان مفرطًا في التفرد باتخاذ القرار، وفي إلغائه، وفي التقلّب، وسرعة الأمر بنقيضه، من دون حساب للنتائج.

ترامب ليس ببعيد من هذه المزاجية، فقد سجل عليه الأميركيون عشرات الأخطاء في اتخاذ القرار، وفي تجاوز أسس ذلك والدوائر المختصة، بمن فيهم المديرون والمستشارون المعنيون، ويسجل  عليه -سوى آلاف الكذبات– أنه سرعان ما يغير رأيه، أو قراره، دون مشورة، ولا يحتاج في ذلك، إلا إلى إعادة التغريد، وفي أحسن الأحوال، إلى حذف تغريدة وإطلاق أخرى.

لا يتصل الأمر بالسياسة الخارجية، كما نلحظ في المسائل المتصلة بالشأن السوري فحسب، ولكن الأمر يتعدى ذلك، فتبدو وكأنها واحدة من سمات شخصية دونالد ترامب، الرئيس الأميركي، الذي يريد على الدوام إثبات مقدرته، كشخص عصامي، في مجال الأعمال والمال، في إدارة شؤون “أكبر أو أعظم” دولة في العالم. لكن الأمر ذاته ينسحب على المسائل المتصلة بالسياسات المحلية، والشؤون الداخلية للولايات المتحدة. لا يجد حرجًا في الحديث عن قضية والتغريد بجوهرها، ثم التراجع عنها، من دون أن يكون هناك أي تبرير. اعتاد ترامب أن يُوجِد مبرراته الخاصة، لكل تغيّر/ أو تغريدة: يتراجع بسهولة، ويتنصل من المسؤوليات، كما أنه ينتهز أي فرصة أو حدث لمصلحته!

بطانة القذافي كانت تجهد نفسها، في البحث عن تفسيرات ومبررات، وتتسابق فيما بينها إلى نيل رضا زعيمها، فيما يزداد غرورًا وصلفًا. ترامب، على الرغم من غروره إلى درجة الحماقة، كغول في السوق العام، لا تعبأ بطانته بإيجاد أي مبرر للإشكالات التي يثيرها، أو القرارات التي يتخذها، أو يغير رأيه فيها. أرى بالفعل أن ثمة قرابة شديدة بين هذين الحاكمين، في نظرتهما إلى الجمهور العام، وإلى “الآخرين”: الشعوب، وحكام العالم. كلاهما مقتنع تمامًا بأنه الضرورة التي لا غنى عنها في الكون، ومن أجله، وأن العالم بلا حيلة، ويقع عليه واجب التفكير والتدبير والحل، وما على “الآخرين” سوى الاتباع!

الفرق بينهما أن القذافي كان يغرّد عبر الخيمة، في فضائه الصحراوي الوسيع. أما ترامب، فيغرد عبر (تويتر)، ويريد أن يحكم العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الفضاء الأزرق المديد. وفي كلتا الحالتين، هما شخصان معزولان تمامًا. لم يكن القذافي يعتبر أي قيمة لمؤسسات الدولة، هو المؤسسات والدولة وهو صانع القرار، وواهب الحياة. أما ترامب فهو يدير ظهره لشركائه في إدارة الدولة، ويريد أن يعمل بمفرده، كما لو أنه راعٍ في الفلاة. وهكذا يتصرف -كما يبدو لنا- غير آبه بالمرجعيات، ومن يعترض فدونه باب البيت الأبيض مفتوحًا لمن يشاء أن يغادره، وإلا فإن ترامب لن يتورع عن طرده من فريق الإدارة، كما حدث مع جيمس كومي قبل نحو عام ونصف، وأخيرًا مع  جيم ماتيس، وزير الدفاع الذي استقال احتجاجًا على طريقة إدارة الملف من قبل ترامب، بشأن الانسحاب العسكري من الشمال السوري.

هذه هي العقلية التي تُدار بها ملفات الشرق الأوسط، بخاصة الملف السوري. ترامب يعطينا مثالًا حيًّا للكيفية التي تتم بها معالجة قضايانا، ومدى الاهتمام بأبعادها الإنسانية والأمنية على حدّ سواء، وإن كان المعيار الأهم هو مصلحة الولايات المتحدة. لكن الرئيس الأميركي يتصرف بأسلوب حكم، هو أقرب للتجريب، وللمزاجية معًا، وليس كسياسي محترف، رجل دولة، تقع على عاتقه مسؤوليات كبرى، في مقدمها المسؤوليات الأخلاقية عمّا يحدث في العالم، تأسيسًا على مبادئ الدستور الأميركي، وقواعد الشرعة الدولة لحقوق الإنسان، في الحدّ الأدنى.

كما لو أنه سلطان الزمان والمكان، يتصرف ترامب. يترك المنطقة تتقلب على نيران من جحيم لا حدود له، بين تطورات دامية على الأرض، بسبب استمرار الجرائم التي ترتكبها عصابات الأسد – بوتين – روحاني، من جهة، والمنظمات الإرهابية من جهة أخرى، ممثلة اليوم بـ “هيئة تحرير الشام”، وبميليشيا صالح – قنديل التي تحتل مناطق الجزيرة السورية، وترتكب انتهاكات جسيمة، برعاية أميركية.

التردد الواضح في سياسة ترامب، إضافة إلى مزاجيته، يمنح الجحيم السوري مزيدًا من الحطب لتأجيج الاشتعال، والإبقاء على الأوضاع الأمنية والعسكرية، في حال التشابك، وهو الأمر الذي يحول دون خروج أي طرف من عنق الزجاجة. وبلا شك فإن الخلافات داخل الإدارة الأميركية تعقد المسائل المتصلة باتخاذ خطوات حاسمة بشأن المنطقة، وبخاصة الدور التركي الذي طالما تمّ الاتفاق عليه، بين ترامب وأردوغان، ثم لا يلبث الرئيس الأميركي أن ينكفئ، ثم يعاود التأكيد على الالتزام به. هذه الحال -في الحقيقة- لن تقود إلى تسوية الوضع في الشمال السوري، طالما أن كل الخطوات تعرقلها مزاجية قلقة هي أقرب إلى المرَضية منها إلى حماية مصالح أي طرف من أطراف التدخل في الملف السوري. هذا الوضع سوف يدفع تركيا إلى مزيد من التفاهم والتنسيق مع موسكو، في ظل التذبذب والتلكؤ والإرباك الذي تتسبب فيه سياسة ترامب، بدوافع غير حقيقية، أو بشروط غير موضوعية، خاصة في ما يتعلق بحماية “قوات سوريا الديمقراطية” كمثال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق