تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الخوف من الثورات المضادة وسياسة حفر القبور

على الرغم من حرص أطراف الثورة المضادة -في الداخل والخارج- على تصوير أن الثورة السورية تعيش نهاياتها هذه الأيام، فإن هاجس الترقب والخوف من القادم يبقى سيّد الموقف، حتى إنه يمكننا تفسير بعض السلوكات والقرارات غير المتوقعة في الآونة الأخيرة، بالعودة إلى تلك الهواجس.

يمكن للمرء أن يتساءل: ما هي مصلحة الرئيس السوداني عمر البشير بزيارة بشار الأسد، وهو المدان من محكمة العدل الدولية بجرائم حرب؟! وما هي المصالح الإماراتية التي تقف وراء إعادة افتتاح سفاراتها في دمشق، مع أنها تحارب، منذ سنوات، حلفاء إيران في اليمن، وإيران هي الصديق الصدوق للنظام السوري، وما مصلحة بعض العواصم العربية في استقبال علي مملوك، المسؤول الأبرز في جهاز الأمن السوري، خلال الأسابيع القليلة الماضية، على الرغم من أنه مطلوب دوليًا.

يُدرك حكام المنطقة أكثر من غيرهم أن احتمالات اندلاع هبّات شعبية أمرٌ يمكن أن يحدث في أي لحظة، ولا يمكن التكهن به بدقة، طالما أن الأسباب التي تقف عادةً وراء الانتفاضات متوفرة بكثرة في منطقتنا، بل إنها تزداد يومًا بعد يوم، فاليوم لا يمكن لأحد أن يتحدث عن منطقة آمنة، من اندلاع تحركات شعبية احتجاجية.

في بداية عام 2018 اندلعت هبّة شعبية محدودة في إيران، شملت أكثر من ثلاثين مدينة، وما يزيد الأمر تعقيدًا هناك أن علي خامنئي قد يتحول قريبًا إلى النسخة الإيرانية من بوتفليقة. ومنذ 19 الشهر الماضي ما تزال التحركات الشعبية التي اندلعت في السودان مستمرة، وأسفرت عن عشرات الضحايا. وفي المغرب يبدو أن “حراك الريف” بدأ يثير قلق السلطة هناك، حيث بدأت بالضغط على الاحتجاجات من خلال الحكم على زعيم الحراك علي ناصر الزفزفافي، قبل عدة أشهر، بالسجن 20 عامًا، مثلما لجأت إلى تحريض خطباء المساجد على فعاليات الحراك.

في الأردن، يعمل الملك عبد الله جاهدًا لإبقاء حراك الشباب الأردني في حدود يمكنه السيطرة عليها، ويبدو أن “حكومة الإنقاذ الوطني” التي عيّنها لهذه المهمة تواجه صعوبات كبيرة، وأن القبض علي رجل الأعمال الأردني الثري عوني مطيع (الذي يبدو أنه واجهة اقتصادية لعدد من كبار المسؤولين الأردنيين) فتح باب مكافحة الفساد بدلًا من أن يغلقه، وأن تضحية المسؤولين الأردنيين به يبدو أنها لا تكفي لوقف الحراك، الذي أخذ يطالب الحكومة بالكشف عن أسماء شركائه، أما في العراق، فإن الاحتجاجات تكاد لا تفارق مدنه، دون أن ننسى لبنان والاحتجاجات الشعبية التي لم تتمكن من فعل ما تريد، بسبب الوضع التراتبي المعقد.

المهم أن ما يثير قلق القلقين من هذه الاحتجاجات أن شرارتها اقتصادية، تعود إلى تدهور الأوضاع المعيشية التي تزداد سوءًا، في ظل فساد يكاد يخنق كل شيء. المقلق في الأمر أن أوضاع السودان والعراق وإيران ولبنان والمغرب والأردن الاقتصادية شبيهة تمامًا بأوضاع باقي دول المنطقة. أما الفساد في كل دول المنطقة فهو نوع من أنواع “الاستنساخ”.

الاستراتيجية الجديدة للحكام العرب المتعاطفين مع بشار الأسد، وهم كثر للأسف، تقوم هذه الأيام على تقوية شعور الإحباط وخيبة الأمل، لدى معارضي النظام السوري أولًا، وتشجيع ما يسمى بالرماديين ثانيًا، على حسم موقفهم لصالح النظام، ولعل هذا ما يفسر ازدياد حالات إعلان التأييد للنظام السوري من قبل شخصيات سياسية وثقافية، لم تكن تجرؤ على إعلان ذلك من قبل بشكل علني، ووقح في بعض الأحيان. طبعًا دون أن ننسى حرص أولئك الحكام على تفعيل عملية إعادة تأهيل النظام السوري لأقصى درجة ممكنة، بغية طيّ صفحة الثورة السورية التي أرقت الجميع سنوات طويلة، مثلما حاول ملوك أوروبا طي صفحة الثورات الأوروبية في القرن التاسع عشر، لسنوات طويلة أيضًا.

الأمر المفيد والمرجو، بالنسبة إلى هؤلاء الحكام، هو أن هذا الشعور بالإحباط لمعارضي النظام السوري، ولسكان المنطقة عمومًا، ينعكس على شعوبهم أيضًا، هذه الشعوب التي تراقب الأوضاع، وتفكر في كيفية إنشاء نوع من الحراك ضد أنظمتها الغارقة في الفساد والطغيان.

تزايد الشعور بالإحباط يخفض مستوى طموحات الناس، ويجعلهم أقرب من القبول بالأمر الواقع، وبقيت قضية نسيها الداعمون الجدد للنظام الأسدي، وهي أن شعور الناس بالإحباط يقترن بأوضاع اقتصادية في انحدار مستمر، تعد وصفة ذهبية لاندلاع الانتفاضات من جديد، وهكذا يصير وضع أولئك الحكام مثل من يحفر قبره بيديه.

يبقى هاجس اندلاع موجات شعبية من الاحتجاجات، الهاجسَ الأكبر للمنطقة عمومًا، ولا يمكن فهم سلوكات أنظمة المنطقة، ومحتوى وسائل أعلامها، وحروبها، وسياساتها الاقتصادية، إلا في ضوء تلك الهواجس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق