مقالات الرأي

في بيروت: قمة اللا قمة

تتابع العواصف التي تحمل الأسماء الأنثوية الجميلة حملاتِها على لبنان، مُغرِقةً تارةً أنفاق السير في عاصمته، ومساهمة تارة أخرى في تفجّر ينابيع المياه المستعملة من عواميد الكهرباء (…)، ومتسرّبة في أحايين أخرى من تشققات الجسور الآيلة للانهيار، في “سويسرا الشرق” التي جرى خلال عقود طويلة التعامل معها، وكأنها بقرة سويسرية يجب حلبها حتى يحلّ الدم مكان الحليب.

عندما يسمع القادم من أوروبا أو أي مكان “طبيعي” أن في لبنان عاصفة، فمن المنطقي أن يحمله مخياله نحو ظواهر ألفها في الأخبار، تتحدث عن عواصف، فيها سرعة رياح عالية وفيضانات عاتية وثلوج ساحقة تخفي المنازل، وأمطار تقلع الزرع والضرع، وبرودة تُجمّد الحياة، لكنه سرعان ما يلحظ أن ما يعيشه البلد هو حالة من الطقس السيئ فحسب، بالمعايير الطبيعية حتمًا، وليس في المبالغات الإنسانية التي تجعل من “الحبّة قبّة”.

التميّز اللبناني لا يأتي من السماء بل يأتي من الأرض التي تحمل فسادًا مركّبًا ومحاصصة معقّدة، وبالتالي، جميع المركبات التي تسمح بأن تغرق البلاد مرة ومرتين وثلاث، دون أن يرف جفنٌ واحد لمن هو مهتم بتحضير “القمة” العربية الاقتصادية الواعدة التي بدأ توافد … ممثلي الوزارات العربية إليها، ليس للتحضير الذي يسبق جلساتها الرسمية، وإنما لتمثيل دولهم وقادتهم أيّما تمثيل. وقد بدا جليًا أن الدول العربية غير متحمّسة لرفع مستوى التمثيل إلى أعلى من وزير، في أحسن الأحوال، أو نائبه في أوسطها. وبدأت الصحافة اللبنانية تحليل أسباب العزوف، فمنها من اعتبر أنها أمنيّة، أو أنها مرتبطة بحرق العلم الليبي في بيروت، أو أنها متعلقة بمكانة لبنان المتراجعة طردًا مع عجز سياسييه الأبديين عن تشكيل حكومة تدير شؤون البلاد، منذ أشهر طويلة.

من الأجدى أن يسعى المراقبون لتبرئة البلاد من التهمة، ويمنحوها الأسبابَ التخفيفية التي تصل إلى درجة البراءة ربما. فالتعبير الكلامي المركّب الذي يتحدث عن “قمة عربية” هو تعبيرٌ خاطئ، في الشكل وفي المحتوى. فالنظام الإقليمي العربي وُلد ميتًا سريريًا، وهو غير قابل للإنعاش بأي طريقة أو حيلة أو معجزة، لأنه رافق أساسًا ولادة دول “وطنية” فاشلة. دول عجزت عن إخراج شعوبها من مرحلة الاستعمار أو الانتداب، وأدخلتها في مرحلة الاستبداد والاستعباد واستلاب الإرادة.

نظام إقليمي عربي عجزت قممه، بدءًا من سنة 1946، التي بلغت حتى اليوم أربعًا وأربعين قمة سياسية وأربع قمم اقتصادية، سواء أحضرها القادة أم أزلامهم، في أن تُخرج قرارًا واحدًا “عليه القيمة” كما تقول الدارجة، يمكن أن يُمثّل نقطة تحوّل في المشهد السياسي أو الاقتصادي الإقليمي، حتى لا نقول بتعجرف شيئًا عن العالمي الذي لا يرى العرب، سياسيًا. فمن القضية المركزية، قضية فلسطين، التي تلاعَب بها القادة العرب كقميص عثمان لقمع شعوبهم وتثبيت مُلكهم، مرورًا بمقاربة الاقتصاد العربي المشترك الذي لم يرَ يومًا أيّ صيغة للتواجد في أدنى مقوماته، وصولًا إلى معالجة الانتفاضات الشعبية والثورات والحروب الأهلية، التي وجد جُلُّ القادة العرب أنها تمثل تهديدًا “صهيونيًا” أو فضائيًا لحكمهم ومكوثهم الأبدي في الكرسي، فواجهوها بوقاحة تارةً، أو التفّوا عليها بمعسول الكلام وزُعاف الفعل تارة أخرى.

في تصريح مرّ مرور اللئام، عبّر أمين الجامعة العربية العام أحمد أبو الغيط عن رأي كل من يمثلهم من قادة وملوك، حين قال إن “الربيع العربي كان كارثة”. إنه تعبيرٌ صريحٌ عن موقف النظام الرسمي العربي، بتلويناته كافة، من مسألة التغيير السياسي. وبما أن السيد الأمين العام، هو وزير خارجية سابق لدولة مصر التي لم تعرف تغييرًا سياسيًا حقيقيًا، منذ انقلاب “الحركة المباركة” التي قادها جمال عبد الناصر ورفاقه سنة 1952، كما أنه عاصر نظامًا مُباركيًا كان الفساد شعار بقائه؛ فلا بد من أن يكون متجانسًا مع منبته “العقائدي”.

تُعقد قمة بيروت الاقتصادية بمن حضر، ومن المؤكد أن لن ينتج عنها أي نتيجة تُذكر كسابقاتها، وسيسيل حبرٌ كثيرٌ لتفنيد مخرجاتها، وهي لا تساوي قيمة الحبر نفسه. كما سيكتب البعض مشيدين بنتائج ليست كالنتائج، ومادحين الظل العالي لرعايته واستدامته.

في مشهدٍ يترجم الواقع، على طريق مطار بيروت، تنتشر أعلامٌ عربية مزّقتها “العاصفة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق