سلايدرقضايا المجتمع

السوريون والدولة “الدينية”

الاستبداد مرفوض من حيث المبدأ، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا، لكونه يعوق حركة التاريخ، مهما أخذ من لبوس ديني ودنيوي، والأصل رفض الاستبداد والتنديد به، وهو دنيوي وسياسي، ورفع راية الدين، ولنذكر أن محاكم التفتيش وحرق المسيحين لو كانت دينية لاحتاجت إلى أرباب عدة.

يجب اقتراح عبارة “حق الإيمان الديني والاعتقاد الفكري شأنٌ خاص، على الدستور والقوانين أن تصونه وتحميه”، وهذا أقربُ منالًا من الدعوة إلى “ركن الأديان في قلوب المؤمنين، وعدم دس الدين بالسياسة والسياسة بالدين”، كوننا أعلم بأمر دنيانا.

هل صدقت يا مسكين قول “الدين لله والوطن للجميع” الذي أطلقه الملك فيصل بن الشريف حسين؟ كان هدفه رسالة إلى الغرب وإلى مسيحيي الشرق، ليحكم بلاد الشام التي مزقها الحلفاء، فقبِل بحكم دمشق، وعندما دخلها غورو قبِل بحكم العراق، كما رضي أخوه عبد الله بشرق الأردن مرورًا بوعد بلفور، فالشعار كان رسالة إلى مسيحيي الشرق، وغسيل وجه الحلفاء الذين لم يسمحوا بحضور جلسة واحدة من اجتماعات قادتهم، بينما الجنرال ديغول دخل قاعة فرساي، مع أن دولته احتلت من الألمان.

لقد دعت الأديان كافة إلى مكارم الأخلاق، من شريعة حمورابي إلى الإسلام، وعلى الرغم من ذلك لم يشهد التاريخ دولةً دينيةً، الدولة دولة سياسية، يحكمها بشرٌ، بغض النظر عن نصوص شريعتها، وعلينا نحن أن نُفكّك عرى الوحدة الوهمية لعبارة “دولة دينية/ دولة إسلامية”، فالمأمون قتل أخاه الأمين، فالدولة سياسية، بغض النظر عن معتقدها ورايتها المرفوعة التي توظفها في خدمة وشرعية مشروعها السياسي، فلا نُحمّل الأديان والمذاهب والكنائس مسؤولية المجازر.

انتقلت يثرب إلى “المدينة” بدخول “طلع البدر علينا”، وغاب الصراع السياسي على حكمها، بين الأوس والخزرج، منذ مبايعة العقبة الأولى والثانية، وتبع ذلك عقد اجتماعي بعد توقيع الوثيقة مع يهودها، فمحمدٌ رسول وقائد سياسي، بحسب كتاب (الشخصية المحمدية) للرصافي، وضع أسس دولة بتوحيد شبه الجزيرة العربية عاصمتها المدينة، وآخى بين الأنصار والمهاجرين، ثم أعدّ جيشًا بقيادة مولاه أسامة ليفتح بلاد الشام، وتعني البلاد التي تقع شمال شبه الجزيرة العربية، قبل وفاته بثلاثة أيام، ومهّد لهذا حادثة تلقيح النخيل “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، وسؤال معاذ بتوليته على اليمن، وقول معاذ -بعد سؤال النبي بماذا ستحكم يا معاذ- “أحكّمُ عقلي”.

لم يحارب أبو بكر المرتدين من أجل عقال وجمل وزكاة وصلاة وصوم وحسب، بل من أجل الحفاظ على الدولة الموحّدة ومشروعها السياسي الذي أشاده محمد الرسول، لذا دولة المدينة عاصمة دولة سياسية بامتياز، ولا يغير من واقع المسلمين لو دخل دينهم الملايين أو ارتد مثلهم.

إن حادثة تأبير النخل وقول الرسول: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، هي دعوة للتعميم على الزراعة والصناعة والسياسة وحكم الأوطان، انطلاقًا من مبدأ: الشعوب هي المعنية باختيار شكل حكمها. (انظر كتاب أصول الحكم في الإسلام للشيخ الأزهري علي عبد الرازق، وكتاب حياة محمد لحسين هيكل، وإنسانيات محمد لخالد محمد خالد، ونحو ثورة في الفكر الديني لوليد نويهض)، فالقضية على الأرض وليست في السماء، واستغلال الطبقة العاملة كانت قضية ماركس.

“التاريخ أمامنا، الدولة الدينية سحقت البشر”، هذا ما صنعته الدولة الوضعية، وفعلته دولة الأيديولوجيات، والدول الاستبدادية لحجب الرؤية بالدولة الدينية، ونعيد التأكيد، لم يشهد التاريخ دولة دينية، الدولة هي من صنع البشر، فدولة معاوية دولة سياسية لبني أمية، وكذلك الدولة العباسية، فكيف نفسّر قتل المأمون للأمين، وهما أبناء الرشيد؟

أدعو إلى عدم تقديس الجدود والشخصيات الدينية التاريخية العسكرية، فلا شك في أن أي تقديس قد يجرّ إلى عمى البصر والبصيرة، مع أن احترام الرموز والشخصيات التاريخية هو احترام لمُثُلٍ عليا وعامة ولمكارم الأخلاق، فماذا تقول بقول السيد المسيح: “اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”؟ عندما اعتنق القيصر المسيحية، بقيت دولة روما دولة يحكمها القيصر، ووظفت المسيحية في خدمة إمبراطوريتها حتى انشقت كنيسة إسطنبول عن كنيسة روما، وأقدم منها كنيسة الأقباط في مصر.

الحروب الدينية هي حروب ظالمة للإنسان، الصليبية كما حروب الفتوحات الإسلامية، علينا -يا صديقي- أن نرفض الحروب، من حيث المبدأ، ولا يُغيّر من ظلمها للإنسان تسميتها دينية وغير دينية، فكل الحروب مُدمّرة للحياة وللإنسان الحضاري، وصفحة سوداء في تاريخ البشرية وللتقدم، وعسكرة الثورة السورية وأسلمة بعض الفصائل وصلت إلى درجة التطرف والإرهاب، و(داعش) كان لها عبء سلبي على الثورة.

لن يحتمل هذا العصر، عصر ثورة المعلوماتية والعلوم الإنسانية، دولة عقائد وأيديولوجيات، وسقط إلى الأبد الحكم المؤبد والقائد للدولة والمجتمع، ومبدأ التوريث والتهجير، وقتل الإخوة من أجل كراسي الحكم، فدولة البابا في الفاتيكان دولة سياسية بعلَمها وسفرائها، ولها على صعيد العالم دور ووظيفة.

إن الدولة في الغرب دولة حديثة تعتمد العلم والديمقراطية، دولة المؤسسات والمجتمع المدني والمواطنة وتبادل المسؤوليات والسلطات بانتخابات عامة، هي الدولة الوحيدة الممكنة في هذا العصر.

مرت الدعوة إلى الإسلام بثلاث مراحل: الأولى الدعوة في مكة، والثانية الدعوة على مستوى الجزيرة العربية، وأصبحت يثرب عاصمتها، فأنجز محمد رسالة النبوة، أما الثالثة فكانت تأسيس دولة سياسية في المدينة التي نسيت اسمها يثرب، وضع أعمدتها محمد الرسول، كرجل سياسي كانت تطلعاته تتعدى الدول المحيطة بشبه الجزيرة العربية، لذا انتقل خطاب الرسول إلى “أيّها الناس” و”كلكم لآدم وآدم من تراب”، وحمَّل الرسل رسائل إلى دول العالم، يدعوهم إلى الإسلام.

لا أعتقد بأن مواصفات الإسلام السياسي تتوافق مع الوطنية الإنسانية السورية ودولة المواطنة العصرية، ولا تخدم السلام الوطني ولا الإقليمي ولا العالمي، وكل حاملٍ وداعٍ إلى الإسلام السياسي، له قراءته الخاصة للإسلام، وإذا كان التاريخ لم يشهد دولة دينية؛ فإن علينا نحن -المواطنين السوريين- أن ندعو إلى دولة المواطنة المتساوية، أن نضع قوانين حسب حاجتنا وحسب تطور العصر، لا تعنينا هذه القراءات، فالشعب السوري جدير بذلك، وواجبه الأول أن يصوغ دستور وطنه، لا أن يقوم بذلك المحتلون والغرباء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق