ترجماتسلايدر

الاحتجاجات ضد البشير تضع السودان على مفترق طرق.. “لقد تغيّرت قلوب الناس”

مع دخول البلد في أزمة وظهور استياء الرأي العام؛ هل اقتربت نهاية عمر البشير؟

دخان كثيف في أحد شوارع الخرطوم بعد أن استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين المناهضين للحكومة. تصوير: محمد نور الدين عبد الله/ رويترز

مدينة القضارف هي مكان غير عادي، فهي محاطة بتلال بنيّة اللون بالقرب من الحدود الإثيوبية، ومركز لتجارة الذرة والسمسم، وتكثر فيها صوامع الحبوب الضخمة التي بنتها روسيا. لكن تلك المدينة أُقحمت، قبل أربعة أسابيع، نحو الواجهة، عندما أصبحت مركزًا للاحتجاجات ضد نظام عمر البشير.

ويقول السكان المحليون إن تلك الاحتجاجات الأولية تألفت في معظمها من تلاميذ المدارس الثانوية الذين تجمعوا في أحد الأسواق الرئيسة في المدينة، للتعبير عن غضبهم إزاء الخفض الحاد في دعم الخبز. وهتفوا: “الناس جياعٌ”، و”أنت ترقص!”، في إشارة ساخرة إلى البشير، الذي غالبًا ما يرقص في المناسبات العامة.

وسرعان ما غابت الصرخات بين أصوات إطلاق النار، حيث قتلت قوات الأمن 10 متظاهرين، ثلاثة منهم من الأطفال.

ما أعقب ذلك سيكون مهمًا ليس بالنسبة إلى القضارف خاصة، بل إلى البلد بأكمله. في اليوم التالي، قام أهالي البلدة الذين أغضبتهم ردة فعل النظام الشرسة، بتحويل غضبهم إلى مكاتب حزب المؤتمر الوطني الحاكم وأجهزة الاستخبارات.

في أقل من أسبوع، انتشرت الاحتجاجات من المراكز الريفية مثل القضارف إلى المدن الرئيسة في السودان، وقد كشف ذلك عن رغبة واسعة النطاق لإنهاء الحكم القاسي للبشير البالغ من العمر 75 عامًا.

جعفر خضر، وهو عضو منذ مدة طويلة في المعارضة السودانية في القضارف، قال: “إن قتل الناس الأبرياء والأطفال حوَّل الغضب نحو الحكومة. خرج الناس للاحتجاج بشكل عفوي”. وأضاف جعفر، الذي اعتُقل أربع مرات منذ بداية الاحتجاجات: “كان هناك تغيّرٌ في قلوب الناس، الآن أتوقع أن يتم احتجازي في أي وقت”.

منذ تلك الاحتجاجات الأولية في كانون الأول/ ديسمبر، قُتل أكثر من 40 متظاهرًا في جميع أنحاء البلاد، حسب ما تقول الجماعات الحقوقية، وورد أن بعضهم قُتل نتيجة إطلاق النار من قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا حكومية، وجُرح المئات.

كما اعتُقل الناشطون في البلدات والمدن في هذا البلد الواسع، وغالبًا من قبل أجهزة المخابرات والأمن، المعروفة بتجاوزاتها الموثقة واستخدامها للتعذيب.

يوم الخميس، انتشرت قوات الأمن بأعداد كبيرة في العاصمة الخرطوم، بينما كان المتظاهرون يسيرون نحو قصر البشير لتقديم طلب مكتوب يقضي بتنحي البشير. تزامن ذلك مع احتجاجات في 11 مدينة وبلدة أخرى، ومنها عطبرة، وهي مهد آخر للحركة الحالية.

عمر البشير يحيّي أنصاره في تجمع حاشد في الخرطوم. تصوير: محمود حجاج/ أسوشيتد برس

قد يبدو أن الاحتجاجات قد اندلعت على نحو غير متوقع، لكن في الواقع، إن عدم الاستقرار في السودان قد مهّد لها منذ زمن.

البشير، الذي تولى السلطة بعد قيادة انقلاب عسكري في عام 1989، نجا من الصراع والاحتجاجات وسنوات من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، ومن الملاحقة من المحكمة الجنائية الدولية بسبب ادعاءات بإبادة جماعية في دارفور. ما هو مختلف هذه المرة هو أن المشكلات التي تواجه البلاد طالت حتى النخبة التي كانت تدعمه منذ مدة طويلة.

هناك مليونا نازح داخليًا، والفساد منتشر على نطاق واسع، وكذلك سوء الإدارة. تعيش البلاد في أزمة اقتصادية طويلة الأمد لها جذورها في انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الاحتياطي النفطي لصالح الدولة الجنوبية الجديدة المضطربة. التضخم المتصاعد ضرب الطبقات الوسطى السودانية. كان قطع الدعم عن الخبز -السبب المباشر للاحتجاجات في مكان مثل القضارف- الشرارة التي أشعلت الغضب واليأس المتجذرين.

ظهرت الصدوع على الجبهة السياسية. يواجه البشير حالة من الاستياء المتصاعد داخل حزبه الحاكم، إضافة إلى عدم الرضا في المناطق النهرية في شمال البلاد، التي كانت ذات يوم تُعدُّ معقله.

ميزة أخرى هي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يوثق الناشطون المواجهات، وينشرونها بكثافة مع لقطات يزعمون أنها “تكشف” حكومة البشير.

ويقول المراقبون إن الاحتجاجات وحّدت الناس من مختلف القبائل والأعراق. عندما تصاعدت الاحتجاجات نحو مواجهات دامية، انضمت النساء، وهن يرتدين وشاح الرأس، حاضرات في كل اللقطات التي تشاركها وسائل التواصل الاجتماعي، وقد ساعد ذلك في إقناع مزيد من النساء بالخروج إلى الشوارع.

وقد أدى كل ذلك إلى أن يجادل البعض، ومنهم حافظ إسماعيل، المحلل في العدالة لأفريقيا، بأن التظاهرات من المحتمل أن تكون قد اكتسبت زخمًا.

وقال إسماعيل: “لن تتوقف الاحتجاجات، لأن النظام ليس لديه أي حل للمشكلة، وهي سياسية بقدر ما هو اقتصادية”. ويتوقع إسماعيل أن يقدم النظام تنازلات -كما حدث بعد الاحتجاجات في عام 2013- لكنه قال إنها قد لا تكون كافية لمعارضي البشير.

كانت الإشكالية البارزة بالنسبة إلى النظام هي مشاركة رابطة المهنيين السودانيين، وهي حركة جديدة واسعة النطاق، تمثل مهن الطبقة المتوسطة، التي قادت الاحتجاجات، وشغلت الفراغ الناجم عن اعتقال العديد من زعماء المعارضة.

محمد يوسف المصطفى، وهو أستاذ في جامعة الخرطوم، والمتحدث باسم الرابطة، وأحد أقارب الرئيس، وصف اللحظة التي أدرك فيها أن حركة الاحتجاج المتنامية خلقت واقعًا جديدًا.

وقال المصطفى: “لا يمكننا أن نكون وراء الناس، سوف يضحك الناس علينا، إذا تمسكنا بموقفنا المتمثل في تسليم مذكرة إلى البرلمان وطلب رفع الحد الأدنى للأجور. موقفنا هو معارضة النظام وسياساته”.

مما يثير السؤال: ماذا بعد؟

جيهان هنري، من منظمة هيومن رايتس ووتش، قالت: “كلما طالت الاحتجاجات، ازداد العنف والانتهاكات التي قد نشهد استخدامها من الحكومة السودانية. تستخدم الحكومة التكتيكات نفسها في كل مرة تكون هناك احتجاجات. الخطر هو أن تصبح أساليبها أكثر دموية”.

الخبراء منقسمون حول النتائج المحتملة. واقترحت مجموعة الأزمات الدولية ثلاثة سيناريوهات محتملة في ورقة موجزة حديثة.

“السيناريو الأول هو أن يصمد الرئيس، على الرغم من عدم وجود أموال لتقديم إصلاحات كبيرة للمتظاهرين، لكنه من المرجح أن يُخضعهم بالقوة”، والسيناريو الثاني يمكن أن تتسارع الاحتجاجات وتحثّ عناصر حزبه أو النخب الأمنية على أن تطيح الرئيس. والسيناريو الثالث هو استقالة البشير. وهذا من شأنه أن يسمح بتغيير القيادة الذي يمكن أن يهدئ المتظاهرين”.

بالنسبة إلى جيهان هنري، تتوقف النتيجة على استجابة النظام. و”السؤال الرئيس هو كم تشعر الحكومة بأنها تواجه تهديدًا وجوديًا؟ من الصعب التنبؤ بذلك”.

اسم المقالة الأصلي‘Change in people’s hearts’: anti-Bashir protests put Sudan at a crossroads
الكاتبزينب محمد صالح وبيتر بومونت،Zeinab Mohammed Salih and Peter Beaumont
مكان النشروتاريخهالغارديان،The guardian، 17/1
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/global-development/2019/jan/17/change-in-peoples-hearts-sudan-crossroads-omar-al-bashir-protests
عدد الكلمات913
وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق