أدب وفنون

جداريات خليل عبد القادر.. التعبير عن الجسد الواحد

من يراقب عن كثب ما ينجزه الفنان التشكيلي السوري خليل عبد القادر؛ فسيتوصل إلى قناعة بأن الفن يمتلك عنده خصوصية حيّة، الغاية منها تشييد أصول فن يراعي النزعة الإنسانية، لهذا تتأسس اللوحة عنده على المشهد المُلتقط أو المراد تقديمه؛ فكل فنان بحسب مزاجيته أو رغبته في ما يودّ أن يتناوله من الجوانب الوجوديّة وما أكثرها، سواء أكانت مجرّد نسخة بديلة عن الواقع نفسه أم من صنيع الخيال. مع هذا الفنان نجد جماليّات جمّة في العناية بالمشهد؛ أبرزها اتخاذ الفن قضية حيّة، إضافة إلى إحياء إنسانية الإنسان فوق قماشة اللوحة، وإبراز مفاتن الجسد دون تشوّه.

الكرديّات بزيّهنّ المُزركش

ثمة ما يتأسس في العمل الفني، حينما يستند إلى قواعد فهم التعبيرية وكيفية التعامل معها ضمن حدود معينة، واللافت أن هذا الفنان لا يتعامل مع الجسد باعتباره الأيروتيكي، بل هناك خط نفسي وتعبيرية يريد الإفصاح عنها بعيدة من مفهوم الشهوة، إنها تحقيق إنسانية المرأة، وإن تكرست لوحاته بشكل التعرية فإن الإمعان فيها وتأمل فرادتها سيدفعنا إلى قراءة ما تخلّفه رؤية العمل الفني والوقوف بالقرب منه.

خليل عبد القادر يبتكر جسدًا آدميًا متعطشًا للحرية، وأيضًا هناك لغة احتجاج في التعرية، يمكن أن نسمّيها صدمة التعري لكشف الحقيقة، ولكنها ستوضح لنا ما يجول في ذاته وكيانه، فهل يصح اعتقادي إذا قلت إنّ “الثيمة” الأبرز في أعمال خليل عبد القادر تكمن في بحثه المضني في معالم الجسد وعوالمه، ولا سيما تلك الحالة التعبيريّة عن مكنونات الذات، عبر منسوب اللونِ في وجوه شخوص اللوحةِ، حيث الملامح تكادُ أن تتشابه تمامًا؟

تجانس السطح التصويري

من يراقب منظومة الأعمال؛ فسيجد تحررًا من قيود دروس الأكاديمية، وهذا ليس خروجًا عن المألوف بقدر ما أن هناك إضافات جمالية تترك في السطوح التصويرية، ولكي نفهم مدلولها سيأخذنا الحديث والتأمل بعيدًا نحو الانسجام، فكيف يتحقق هذا الفعل؟ علينا أن ندرك أولًا أن جداريات خليل عبد القادر تعطينا شاعرية وألفة، بين تعبيرية ترتكز على مدلول واحد في العمل وألوان وخطوط وضربة فرشاة تنساب هادئة على قماشة اللوحة، هذه البساطة في الفكرة تحمل دلالة حية على هدوء النفس، وكيفية التعامل مع الفن كرسالة توحد الإنسان، لهذا لن نجد ما يخرج عن البحث عن حلقة مفقودة تكمن في تهيئة خطاب جمالي، يُغني المتلقي بلوحات تبتعد عن الثنائيات الضدية التي يركز عليها فنانون من أجل تحقيق نتائج تأملية وراء العمل الفني.

نعم، ما من تضاد أو تناقض في أعمال خليل عبد القادر؛ هناك الألفة وحدَها، الألفةُ المُحبّبة تضجّ أعماله بها، منذ البدء (الفطرة) حتى اللحظة الراهنة (الآلة)، إلا أن خليل عبد القادر يكتفي من الحالتين المذكورتين آنفًا بتلك الحركة الآليّة والعفويّة (اللاإراديّة)، إذْ ما من تعقيدات داخل أعماله، وحدها البساطة تسيطر على حركة ألوانه. وهي بساطة تنمّ عن طاقة نفسية ومؤثر حياتي يصعّد من نبرته التعبيرية، في تكامل شكلي وإيحاء يدل على طريقته مع الفن، لهذا ليس غريبًا أن نجد دلالة في سياق التراكيب البنائية مع موضوع يتكرر، فماذا يعني هذا التدفق مع اللوحة؟ إنه اجتهاد مع البساطة بعيدًا من أطروحات غامضة تلاحق الفنانين، والسبب عائد لوضوح الفكرة داخل السطح التصويري وتجانسها، وهذا ما يكتشفه كل من يقف عند أعماله التعبيرية.

الألوان وسِعة الدلالة

على الرغم من أنّ “النبيذ الجيّد لا يحتاج إلى إعلان، وكذلك الفن أيضًا”، على حد تعبير هولان. ومع هذا ثمة تساؤل مطروح ما غاية الفن بريشة خليل عبد القادر ما الذي يؤسس له في كيانات آدمية، يعلوها الحزن والجرح ونساء أشبه بالعرايا، إنه التعامل مع اليومي بكيانه الخفي والمعلن، التعامل مع الفن بصرامة، لأنه رسالة نحتاج إليها، كدليل حيّ على ما تبقى من إنسانية في ذواتنا.

لقد وجدنا من الضروري أن نعلن، عبر هذه الورقة النقدية، أن الفنان خليل عبد القادر يعيش الحالات الأكثر تأثيرًا في النفس، وتابعنا من قبل كيف تشكل الألوان الزاهية كـ “ثيمة” تدلّ على سعة الدلالة في تكوينات تعبيرية، لم تزل راسخة في وجدان كل من تابعها عن كثب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق