تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“المنطقة الآمنة” بعيون أكراد سوريين

تستمر المفاوضات التي تجريها أنقرة، على مسارَي واشنطن وموسكو المتوازيين، بشأن المنطقة الآمنة، بهدف توسيع هذه المنطقة في العمق السوري ما أمكن، وتحديد طبيعة القوى المعارضة المسلحة التي ستتولى أمن المنطقة وإدارتها، وتشدد تركيا على عدم السماح لغير حلفائها بلعب أدوار رئيسة على امتداد الشريط الحدودي، وتبحث عن غطاء أميركي ثم دولي مناسب، ويبدو أنها تُفضّل رعاية الأطلسي، وسبق أن طلبتها منذ بواكير القضية، بيد أنها لا تمانع، إن حصلت على غطاء أممي على شكل قرار من مجلس الأمن.

في استطلاع لآراء بعض الأكراد السوريين، من غير مجموعات الاتحاد الديمقراطي، حول المنطقة الآمنة، قال رستم تمو، المحامي وعضو الأمانة في إعلان سورية، لـ (جيرون): “إذا تمعنت في الخيارات المتاحة للأكراد في سورية، بعد المتغيرات المتداخلة؛ تبيّنَ أن مسألة إزالة (ب ي د) هي محسومة، وما يجري من مناكفات إقليمية ودولية هو لما بعد (ب ي د) وتحديد حصة كل طرف في التموضع الجديد القادم”.

وأضاف: “حال الأكراد -شعبيًا- هو حال كل السوريين، لا يملكون من تقرير مصيرهم أي شيء، حيث يبقى رهينة بيد سلطات الأمر الواقع، أيًا كان تصنيفها، ويبقى خيار المنطقة الآمنة هو أفضل الخيارات المتاحة، طالما أن (قسد) تريد عودة هذه المناطق إلى حظيرة النظام، وهذا الخيار سيئ جدًا، لذلك أعتقد أن من الأفضل التعاون في مسألة المنطقة الآمنة مع القوى الإقليمية والدولية، ولو بجزء بسيط جدًا من الفاعلية؛ لأن نجاح التجربة يهمنا، للحد من الآثار السلبية التي ظهرت في عمليتي (درع الفرات) و(غصن الزيتون)، ولا نملك جميعًا اختيار الحلول المرسومة لمناطقنا، ولا أحد يأخذ برأينا سلبًا أم إيجابًا، لكن هذا لا يبرر أن نبقى متفرجين، وعلينا التأثير ضمن المخطط المرسوم، بما يخدم مصلحة شعبنا”.

أما مصطفى مستو، المحامي والناشط السياسي الكردي، فقال: “أعتقد أن فكرة إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري هي مطلب تركي منذ 2012، إلا أن هذه الفكرة قوبلت بالرفض الأميركي حينذاك، ولو تم تنفيذها لتغيرت كثير من المعطيات على الأرض، ليس بالنسبة إلى الشمال السوري فحسب، وإنما على مستوى مسار الثورة السورية عمومًا، وفي ظل السيناريوهات المحتملة الحالية لشرق الفرات، فإن الأكراد السوريين مع إقامة المنطقة الآمنة من حيث المبدأ، وهي أفضل الحلول للسيناريوهات المحتملة التي ستحقق الأمن والأمان، وتجنب المنطقة من كارثة محتملة الوقوع، إذا لم يتم الاتفاق على إخراج حزب العمال الكردستاني من شرق الفرات”.

وأشار إلى أن “إقامة المنطقة الآمنة هي فكرة جيدة وتلاقي القبول الكردي، إلا أنّ التخوف القائم هو حول آليات وكيفية إقامة مثل هذه المنطقة، وكما يقال (إن الشياطين تكمن في التفاصيل)، ويفترض أن يتمّ تسليمها لإدارة مدنية مشكلة من أبناء المنطقة، ومكوناتها، وأن يتم نزع السلاح الميليشياوي، وإخراج العناصر غير السورية من شرق الفرات، وعلى العموم إن ملامح وشكل المنطقة الآمنة لم تتوضح بعد، ولم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأنها، لا إقليميًا ولا دوليًا”.

من جهة ثانية، قال الكاتب أحمد قاسم: “أرى أن الموضوع ما يزال في إطار الأخذ والرد، بين الأطراف الفاعلة في المسألة السورية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، وهذا ما يجعل عملية إنشاء تلك المنطقة أمرًا معقدًا جدًا، لكل طرف حساباته تجاه ما سيؤثر في إنجاز المنطقة الآمنة أو العازلة، وهي -حتى اللحظة- لم تُسمّى بتوافق بين الأطراف، وأعتقد أن المهمة معقدة أمام الأتراك لمواجهات العديد من الأطراف الفاعلة. التي ترفض بالأساس إقامة مثل تلك المنطقة، كقوات (قسد) ومن يديرها من الخلف (حزب الاتحاد الديمقراطي) الذي يفاوض النظام في دمشق للقيام بمواجهة القوات التركية، وكذلك رفض النظام أيضًا لما تطالب به تركيا في الشمال السوري، مع رفض إيراني غير معلن”.

وأضاف: “وسط هذه الأجواء المصحوبة بالمخاطر، التي قد تؤدي إلى مواجهات عسكرية، ولو كانت بعيدة في الحسبان؛ تستدعي العملية إتمام الحوار بين أميركا وروسيا أولًا، مع الطرف التركي، والتوافق على طبيعة المنطقة الآمنة وآليات تنفيذها، في حال تم تنفيذ قرار سحب القوات الأميركية من سورية، ومن سيملأ الفراغ لمواجهة أخطار (داعش)، والجديد في المواقف أيضًا أن تركيا قد أعلنت من جهتها رفض إملاء قوات النظام الشريط الحدودي مع تركيا، وبالتالي فإن إصرار تركيا على تنفيذ إقامة تلك المنطقة أصبح في درجة التنفيذ، لكنها تنتظر التوافق مع روسيا وأميركا، وهذا يعني أن تركيا ليست في حالة التنفيذ من طرف واحد، وقد تدفع المشهد نحو درجة عليا من التأزم، لتدفع مجلس الأمن إلى التدخل، طالما أن مطلب تركيا مطلب شرعي، وفقًا لمواثيق الأمم المتحدة، وإرسال قوات فصل أو تكليف قوات الحلف الأطلسي، وستكون من ضمنها قوات تركية”.

ونبه إلى أن الأمر “معقّد أكثر مما نتصور، طالما الأمر تجاوز الأطراف الداخلية، وأن اللاعبين الدوليين هم من سيقررون شكل إقامة ذلك الحزام بطوله وعرضه، بعيدًا من إرادة حزب الاتحاد الديمقراطي، كونه السبب الرئيس الذي خلق هذا النوع من الأزمة الفرعية، التي هي جزء من المسألة السورية بشكلها العام. أما ما يخص القوى الكردية الأخرى فهي تؤيد بشكل فاعل إقامة مثل تلك المنطقة برعاية دولية، لتكون منطقة الفصل بين القوات التركية، والقوات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني)، وبنظرهم أن الفصل بين القوتين سيبعد أتون الحرب في المنطقة إلى حين وصول المسألة السورية إلى حل سياسي عام وشامل”.

الكاتب والصحفي عبد الباري عثمان أكد لـ (جيرون) أن “الجغرافية السورية أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الدولية، لكون رأس النظام فيها أتى بظروف استثنائية وموافقة دولية، والثورة السورية اختلطت بها الكثير من الأوراق في الشرق الأوسط، وكل الدول تدخلت للحفاظ على مصالحها فيها، وتصفية حسابتها مع المختلفين معها، على هذه الجغرافية المهمة على الخارطة العالمية”.

وبخصوص المنطقة الآمنة، قال عثمان: “كانت مطلبَ السوريين الذين أرادوا الخلاص من ظلم النظام السوري وحلفائه، لكن ذلك -كما بدا- لم يرُق ذلك للدول النافذة، فأرادوا أن ينفذوا أجندتهم لكسب مزيد من المصالح، وعندما تمت الحشود للقوات التركية على الحدود التي تسيطر عليها (قوات سوريا الديمقراطية) في ظروف القضاء النهائي على (داعش)، صرّح الرئيس الأميركي بأن من الممكن العمل على منطقة آمنة على طول الحدود السورية التركية، وخاصة في أماكن وجود (قسد)، وهنا كثرت التساؤلات عن ماهية هذه الآمنة، وعلى الرغم من عدم وجود تفاهمات حقيقية بين تركيا وأميركا، بخصوص هذه المنطقة، فإن تركيا تحاول إبعاد (قسد) من حدودها، وأميركا و(قسد) يقولون إن غاية تركيا الوقوف بوجه الحقوق القومية للأكراد السوريين، وفي الحقيقة -كما أشرت سابقًا- إن (ب ي د) ليس لديها مشروع كردي، وهي تحمي نفسها باسم الأكراد، وللأسف الشديد، المعارضة السورية وبعض الدول الإقليمية ومنها تركيا ساهمت في إلصاق القومية الكردية بهذا التنظيم الذي يعيش على التناقضات والصراعات بين الدول”.

وختم: “الأكراد السوريون -وأنا منهم- يريدون علاقات حسن الجوار مميزة مع تركيا، وعلى تركيا التعامل مع الأكراد السوريين، على أنهم مكوّن مُهم من المكونات السورية، وأنهم بعيدون من الفكر الأوجلاني والبارزاني، لذا من الأنسب أن تكون المنطقة الآمنة في إطار التوافق معهم عليها، ليكونوا شركاء حقيقيين في هذه المنطقة، كما يرونها هم، وليس كما تراها أميركا ولا تركيا، مع مراعاة مصلحة كل منها. المنطقة الآمنة كبيرة، وتتطلب توافقًا حقيقيًا، بين الأميركيين والأتراك ومكونات المنطقة، لإنجاحها “.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق