تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

نقاط التوافق والخلاف في قمة بوتين أردوغان

عقب لقاء القمة الذي جمع الرئيسين رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في 23 كانون الثاني/ يناير الحالي، كثرت الروايات والتحليلات عن مجريات القمة وعن اقتراب التصادم المحتمل بين تركيا وروسيا، على ضوء خلافهما في ملف المنطقة الآمنة، متناسين طبيعة العلاقات الجيواقتصادية والسياسية بين البلدين، وكأن موسكو تقف اليوم بموقف عدائي تجاه أنقرة بتحالفها مع واشنطن، وقد ذهب البعض إلى أبعد من ذلك معتبرين أن الرئيس الروسي بوتين رفض على الإطلاق مقترح الرئيس التركي حول المنطقة الآمنة، وعمل على وضع العصي بالعجلات لعرقلة تحرك تركيا في شرق الفرات، وذلك من خلال التفافه على موضوع المنطقة الآمنة بإحياء (اتفاق أضنة) للحيلولة دون وصول تركيا إلى مفهوم المنطقة الآمنة، لكن ما صدر عن القمة لا يفضي إلى نظريات التصادم، ففي الأمس القريب دشن الطرفان مشروع خط السيل التركي، ومن خلاله ستسمح روسيا لتركيا بتوزيع الغاز عبر أراضيها إلى أوروبا.

وعلى الصعيد الاقتصادي، بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين 38 مليار دولار، ويقدر حجم التبادل الاستثماري 10 مليارات دولار، كذلك تعدّ روسيا المصدر الأول لتركيا بالغاز الطبيعي، حيث يغطي الغاز الروسي نسبة 55.3 بالمئة من احتياجات تركيا.

على الصعيد السياسي، وصل حجم التنسيق إلى ذروته في مسار أستانا، وحقق الطرفان نوعًا من الاستقرار للعديد من المناطق السورية، عبر اتفاقات “خفض التصعيد” واستطاعت تركيا -بالتعاون مع روسيا- تحقيق الاستقرار في مناطق (درع الفرات) وعفرين، وتأمين محافظة إدلب بخريطة طريق وقعت في 17 أيلول/ سبتمبر العام الماضي، وهو الاتفاق الذي يرغب كلا الطرفين في المحافظة عليه. ولا يغيب عن الأذهان صفقات الأسلحة s400 التي لم تحسم بعد، إلى جانب التعاون في مجالات الصناعة والتصدير والسياحة.

جملة المعطيات المذكورة لا تشير على الإطلاق إلى أن موسكو ترغب في خسارة الحليف التركي، بل على العكس هي تسعى جاهدة لسحب تركيا من المعسكر الغربي نكاية بواشنطن. فيما السؤال الأهم: ما الذي جرى في القمة، وعلى ماذا اتفق الطرفان، وما هي نقاط الخلاف؟

قبيل لقاء القمة

قبيل لقاء القمة، في كلمة للرئيس أردوغان الاثنين الماضي، في العاصمة التركية أنقرة، قال إن بلاده لن تسمح بقيام منطقة آمنة تتحول إلى مستنقع جديد ضد أنقرة، وأضاف أنه سيبحث مع الرئيس بوتين تفاصيل المناطق التي يجب تطهيرها، واللافت أن كلام أردوغان جاء بعد حدثين مهمين: الأول تصريحات السيناتور الأميركي خلال تواجده في أنقرة السبت الماضي، وقد لاقت مواقفه رضا الأتراك حينما طالب بلاده بالاعتراف بأن الذراع السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي مرتبط بحزب العمال الكردستاني، والثاني ما كشفته صحيفة (خبر تورك) عن خطة مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة، تتضمن منطقة حكم ذاتي للأكراد جنوب المنطقة الآمنة، تبعد من الحدود التركية 30 كم، ولعل الإفصاح عن هذه الخطة قبل اللقاء المنتظر يعدّ كضربة استباقية من قبل الرئيس أردوغان تلمح بالقبول التركي بالخطة الأميركية للأكراد، مقابل حصوله على تأييد روسي في إنشاء المنطقة الآمنة تتضمن بعض المناطق التي يتواجد فيها الأكراد بما فيها منبج، وما يعزز ذلك عرض الرئيس التركي على ترامب تعهده بحفظ الأمن في المدينة ومواصلته محاربة الإرهاب خارج مناطق حدوده، إلى جانب تشديده على عدم السماح للنظام السوري الدخول إليها، كذلك استبق أردوغان موعد اللقاء بتقديم تطمينات لنظيره الروسي، تتلخص في تحقيق الاستقرار في المنطقة، وتحقيق الأمن للأهالي وتجنيبهم عقبات هجرة جديدة، وتشجيع السوريين داخل بلاده على العودة إلى سورية، وجميع هذه النقاط تعتبرها موسكو أولويات أساسية، تدخل في نطاق رغبتها في تحقيق الاستقرار في سورية للتقدم خطوة باتجاه تفعيل المسار السياسي عبر اللجنة الدستورية.

على الطرف الآخر، استبقت موسكو القمة بتشديدها على ضرورة عودة النظام السوري إلى شرق الفرات، وصولًا إلى كامل الجغرافية السورية، انطلاقًا من محدد أساس لها هو الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، لكنها في الوقت نفسه مستعدة لإخضاع كل المقترحات للمساومات، بما يتناسب مع مصالحها في سورية، فالمنطقة الآمنة وموضوع الأكراد قد تحولا -بنظرها- إلى أوراق رابحة، ستساوم بهما تركيا وواشنطن، لذلك لم تبدِ أي موقف رسمي حيال ورقة المبادئ التي قدمها حزب الاتحاد الديمقراطي، الأسبوع الماضي، خلال الزيارة التي قام بها القيادي بوحدات حماية الكردية سيبان حمو، إلى موسكو، حيث قدم مقترحًا يتضمن الاعتراف بسيادة سورية بقيادة بشار الأسد، وانخراط قوات الحماية ضمن الجيش العربي السوري، مقابل بعض الامتيازات خاصة بإنشاء إقليم ذاتي. كذلك موسكو كانت قد رحبت بمقترح المنقطة الآمنة، كحل يضمن لها عدم انفجار الموقف في شرق الفرات، ولا سيّما أنها تسعى مع الحليف التركي لدراسة ترتيب ملء الفراغ في كامل منطقة شرق الفرات، بما يتناسب مع مصلحة البلدين.

نقاط التوافق والخلاف

استحوذ موضوع المنطقة الآمنة على الحيّز الأكبر من المباحثات. ومن خلال مواقف الطرفين، بدا أن لا خلاف -من حيث المبدأ- على مقترح المنطقة الآمنة، إنما الخلاف في التفاصيل؛ فحجم التوافق والتنسيق والعلاقات بين الطرفين تُحتم عليهما مواصلة تعزيز العلاقات والتنسيق والدفع بكامل الإمكانات لتحقيق الاستقرار في سورية، من خلال ربط كل التفاهمات بالتسوية السياسية، وقد ألمحت موسكو بذلك من خلال إحياء اتفاق أضنة 1998 لإعطاء غطاء قانوني لتركيا بالتواجد في الشمال السوري، وقد تلعب هنا دور الوسيط بين دمشق – أنقرة، وأعطت الأخيرة مؤشرًا على التواصل غير المباشر مع النظام، عبر تصريحات جاءت على لسان الخارجية التركي جاويش أوغلو.

فيما الخلاف يكمن في تفاصيل المنطقة، فتركيا ترغب في الحصول عليها -كما صرحت قبل القمة- بطول 460 كم، لتحقيق الاستقرار من خلال تعميم نموذج الإدارات المحلية بأيدي العشائر العربية والمقبولين من الأكراد، وفي الوقت نفسه، بشكل ينسجم مع توجهات الإدارة الأميركية في ترتيب ملء الفراغ ومنع إيران من التمدد.

وكما ذكرنا أعلاه، إن موسكو ترغب في إنشاء منطقة عازلة كشريط أمني لتركيا قد يصل إلى عمق 20 إلى 30 كم مقابل بسط النظام سيطرته على بقية المناطق الفاصلة، بين مناطق تركيا والأكراد في عمق الفرات الشرقي. الجديد هنا أن موسكو ربطت موضوع المقترح بموضوع التسوية السياسية، وعليه جاء تصريح جاويش أوغلو بالتأكيد على نقطة الخلاف حول مصير الأسد. وقد ترك الباب مواربًا بانتظار مزيد من المباحثات، إلا أن تركيز الرئيس التركي على ضرورة تعديل اتفاق أضنة من جديد يشي بنوع من التريث التركي، لوضع آليات جديدة تسمح له بإجراء تعديلات على الاتفاق بالتعاون والتنسيق مع موسكو، للحصول على المنطقة الآمنة عبر إجراءات قانونية مستحدثة ومعدلة على اتفاق أضنة، قد تصل بها في نهاية المطاف إلى مفهوم الإطار العام للمنطقة الآمنة أو العازلة أو الشريط الأمني. ولم يغب عن المباحثات الإرادة الأميركية التي ترفض حتى اللحظة إجراء أي عملية عسكرية من دون التنسيق معها، لذا تأتي مباحثات تركيا وروسيا في سبيل إيجاد البديل عن الأعمال العسكرية، والجدير بالذكر وجود رسائل ثلاثية متبادلة متواصلة بين تركيا أميركا وروسيا، فعقب القمة توجه المبعوث الأميركي جيمس جيفري إلى أنقرة للاطلاع على جوهر المباحثات، ما يرشح أن صفقة ثلاثية لمنطقة شرق الفرات تدار رحاها خلف الكواليس.

بالعودة إلى التلويح الروسي باتفاق أضنة؛ فمن المعروف أن هذه الاتفاقية جاءت في ظروف مغايرة عن ظروف التي تمر بهل المنطقة اليوم، وهي اتفاقية أمنية بالدرجة الأولى، ووُضعت بالتنسيق مع نظام حافظ الأسد 1998 مع أربعة ملاحق سرية، بهدف تعزيز مكافحة الإرهاب وضمان أمن تركيا القومي، عبر توغلها بمسافة 5 كم داخل الأراضي التركية لتطهيرها من الإرهابين، لكن البند الوارد في الملاحق هو ما تعوّل عليه تركيا اليوم، ومفاده السماح لتركيا في اتخاذ التدابير اللازمة، إن لزم الأمر، وقد شدد كثيرًا الرئيس التركي حول هذا البند، وصرح بعد يوم من القمة بقوله إن اتفاق أضنة يعطي تركيا اتخاذ الإجراءات اللازمة؛ وهذا يعني أن تركيا ترغب في توظيف هذا البند في ظروف ومعطيات جديدة، تستطيع من خلاله الحصول على منطقة آمنة أو عازلة بذريعة قانونية، لكن ذلك يتطلب موافقة روسية عليه، والأخيرة تضع شرط تقدم النظام في شرق الفرات أساسيًا أمام تركيا، وصولًا إلى تفاهم كامل حول التسوية السياسية، مع بقاء الخلاف حول مصير الأسد، وبهذه النقطة تبدو موسكو متمسكة بورقة الأسد من حيث المبدأ فقط؛ فما يهمها بالنهاية هو وضع قدم لها في شرق المتوسط، والحصول على حصة كبيرة من الغاز، لكنها تحتفظ بها كورقة مساومة أمام المعسكر الغربي والأوروبي، بهدف انتزاع تنازلات بموضوع رفع العقوبات الاقتصادية وآخر في ملف القرم. وبما يتعلق بملف إدلب، فلا خلاف على اتفاق سوتشي، وقد توصل الطرفان إلى اتخاذ خطوات أمنية جديدة ستترجم في القريب العاجل في إدلب، ومن المرجح أن وضع إدلب سيراوح مكانه في الوقت الحالي، ريثما تنضح التفاهمات الثلاثية حول المنطقة الآمنة، ووضع سيناريوهات نهائية لملء الفراغ في شرق الفرات بعد الانسحاب الأميركي.

وليس أخيرًا تمضي أنقرة وموسكو بخطوات واثقة وحذرة في الوقت نفسه، للتوصل إلى خطوات مشتركة تنهي آخر ملفات التوتر بينهما في سورية، واستنادًا إلى نجاح التفاهمات السابقة في الطرفين في سورية؛ فقد أصبح من المستبعد اليوم الرهان على حدوث حالة طلاق بينهما، على العكس لأن الثابت في الموضوع أن واشنطن تنسّق مع كليهما لترتيب الوضع في كامل المنطقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق