أدب وفنون

حركة الترجمة إلى اللغة الكردية في سورية

دعمٌ للغة منهكة من القمع، ومساهمة في تطوير المجتمع

شهدت الحركة الثقافية الكردية في سورية تطورًا ملحوظًا، إبان الثورة السورية، فبعد عقود من المنع لأي نشاط ثقافي، سواء على مستوى الأفراد أو المجموعات، في ظل نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، تنفست الحركة الثقافية الكردية في سورية الصعداء، ودارت عجلتها بوتيرة متصاعدة على مختلف الأصعدة.

وكانت اللغة الكردية، الممنوعة من التداول إلا في المنازل، من أبرز الأهداف التي ركز عليها المثقفون الكرد، ففقر المكتبة الكردية السورية -نتيجة القمع المتسمر- تسبب في تعطش لدى الكرد لبناء مكتبة كردية سورية، متحدين المعوقات المختلفة. ومن بين السبل التي سلكها الكرد في سبيل الوصول إلى أهدافهم المرجوة، كانت الترجمة من الكردية وإليها، في محاولة منهم لتشكيل شيء من الانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى، عبر بوابة لغتهم الأم، بعد أن كانوا طوال سنين مضت، مضطرين إلى الاعتماد على بوابة اللغة العربية.

يقول الشاعر والمترجم الكردي عبد الله شيخو: “كانت الكردية لغة ممنوعة ومقموعة في سورية، حتى قبل صعود البعث إلى سدة الحكم. السواد الأعظم من الكرد السوريين يجهلون القراءة والكتابة بلغتهم الأم، لأنهم لم يتلقوا تعليمًا مدرسيًا وجامعيًا بلغتهم، حتى حلقات التعليم الخصوصية والسريّة لتعليم اللغة الكردية كانت تُلاحق من قبل أفرع الأمن السورية التي كانت ترى في طمس الكردية سلاحًا فعالًا في سلخ الكردي عن هويته. كان تعامل السلطة مع اللغة الكردية في سورية تعاملًا أمنيًا سياسيًا بعيدًا كل البعد من التسامح المطلوب مع العمل الثقافي واللغوي كعامل إنساني يغني اللوحة الثقافية السورية”.

ويكمل شيخو في حديثه إلى موقع (تلفزيون سوريا) بالقول: “حركة الترجمة إلى الكردية (الكرمانجية) التي يتحدث بها الكرد السوريون خجولة ومحدودة، ولا تتعدى نطاق مبادرات فردية منزوية في الجانب الأدبي. عاشت اللغة الكردية عقودًا متواصلة كلغة ممنوعة ومهملة نتيجة القوانين السورية ذات المنحى القومجي الأحادي الرافض للتعددية اللغوية والثقافية في سورية، وهو ما هدم جميع الأسس اللازمة لتطوير الكردية وإيجاد كوادر ومؤسسات مختصة باللغة ككل، وبالترجمة على وجه الخصوص”.

أما في ما يخص التركيز على ترجمة الروايات من الأدب العربي والعالمي، فيبرر شيخو ذلك بأن “الترجمة الكردية، وهنا نتحدث عن الكردية (الكرمانجية) التي يتحدث بها الكرد السوريون والقسم الأعظم من الكرد في جغرافية كردستان، تركز على الترجمة الأدبية، لأنها الأكثر إقبالًا من قبل القرّاء الكرد الذين لم يتلقوا تعليمًا بلغتهم الأم، ولم تدخل الكردية (الكرمانجية) ذاتها مجالات الفلسفة والفكر والعلوم بشكل موسّع، ذلك أن تشعب الكردية إلى هذه المجالات يحتاج إلى مأسستها والاعتراف بها كلغة رسمية في الدول التي تحكم أرض الكرد، لذلك نرى أن الاعتراف باللغة الكردية، كلغة رسمية في العراق، دفع الكردية (السورانية) الرسمية في إقليم كردستان العراق إلى مرحلة متقدمة في المجالات كافة. فقر المكتبة الكردية يعود إلى حرمان الكرد من التعلّم بلغتهم وتطويرها بشكل أكاديمي ومؤسساتي”.

أما في ما يخص المعوقات التي تواجهها حركة الترجمة الكردية في سورية، فيقول موضحًا: إن “اللغة هي آخر ما يفكر به الكرد لتثبيت الهوية القومية والإنسانية الكردية، وأول ما يفكر به محتلو أرض الكرد لطمس تلك الهوية. هذا هو لبّ وجوهر جميع الصعوبات التي نواجهها؛ نواجه شعبًا وأحزابًا ومؤسسات كردية لا تولي الكردية حقها، ولا تعدّ العامل اللغوي والثقافي أولوية في النضال الكردي التحرري، ونواجه في الجانب الآخر أنظمة حاكمة تحارب الكرد في لغتهم وثقافتهم، لسلب هويتهم القومية. لا يمكن للكردية وحركة الترجمة أن تبدأ دون تحرير اللغة الكردية من الحالة السياسية وتحييدها، حينئذ يمكن للصعوبات أن تتحول إلى صعوبات تقنية يمكن تجاوزها بسهولة، لأن الصعوبات الحالية ليس إلا جدرانًا سياسية لا يمكن تجاوزها”.

وبالتطرق إلى دينامية عمل المجموعات والمترجمين والطرق التي يعتمدها المترجمون لإنتاج أعمالهم يوضح شيخو: “خلال السنوات الأخيرة التي رافقت ضعف السلطة المركزية بدمشق، كان هناك محاولات لتأسيس دور نشر كردية هنا في المناطق الكردية بسورية، وما زال بعضها قائمًا، لكنها لم تتواصل بالزخم الذي بدأت به. أنا -كمترجم- أنشر تراجمي عبر دور نشر كردية في آمد (ديار بكر)، لأنها تعمل بحرفية أكبر، ولها باع طويل في عمل النشر، ولأنها تصل إلى أكبر شريحة من القرّاء الكرد. هنا في سورية، ما زلنا في بداية الطريق، ولا نعلم أسيُعبّد هذا الطريق أم لا!”.

الشاعر والمترجم الكردي عبد الله شيخو أكد أن الأسباب الرئيسة أمام عدم تطور حركة الترجمة إلى اللغة الكردية في سورية تعود إلى “قلة القراء نتيجة القوانين العنصرية للدول التي تحكم كردستان، ولا تعترف بالكرد ولغتهم وثقافتهم، والإهمال الذي تعانيه اللغة الكردية من قبل الأحزاب والمؤسسات والمنظمات الكردية الفاعلة”.

من جهة ثانية، يسلط زهراب قادو، وهو أحد مسؤولي “مشروع هنار الثقافي” الذي يتخذ من مدينة قامشلي مركزًا له، وهو من أبرز المشاريع التي تعمل على تطوير حركة الترجمة الكردية في سورية، الضوءَ على نقاط عدة، خاصة تلك التي تتعلق بتطور اللغة الكردية، ومدى قدرتها على تخديم العاملين في حقل الترجمة، خاصة أن اللغة الكردية ما زالت تعاني -حتى الآن- وجود نقاط خلافية بين اللغويين الكرد، فيقول: “بصراحة، هناك اختلاف بين خبراء اللغة في كثير من الأمور، منها الإملائية ومنها القواعدية، حتى من حيث استخدام الكلمات والمفردات، ولذلك ليس لدينا -مشروع هنار- ولا لدى أي مجموعة أو مؤسسة مهتمة أو عاملة في مجال اللغة والأدب والتاريخ الكردي، ضوابط واضحة أو ستايل بوك، لتعتمدها في منشوراتها، وهذا يخلق شيئًا من الحيرة”. وأضاف قادو، في حديثه إلى موقع (تلفزيون سوريا): “في مشروع هنار الثقافي، حاولنا اعتماد الحد الأدنى من المتفق عليه، من حيث الصياغات واللغة المعتمدة والأسلوب الإملائي المتفق والمفهوم بين الكاتبين باللغة الكردية وقراءتها، إضافة إلى ترك هامش من الحرية للمحرر وكل مترجم، حيث توجد هناك أمور لا تعتبر خطأ أو صوابًا، أي من أنه يمكن اعتبار صيغة كتابة ما صحيحة في مقابل صيغة أخرى لا تشبهها، لكنها تعتبر أيضًا صحيحة، وهذا مرده إلى عدم وجود مرجع لغوي كردي موحد يمكن الاستناد إليه، والحديث يطول عن هذه النقطة”.

بالحديث عن إمكانية خلق هذه الاختلافات لخلل في حالة الترجمة الكردية، أوضح قادو أن “التعصب لرأي دون آخر، فضلًا عن الرأي اللغوي الخاطئ مطلقًا، لن يخلق خللًا بقدر ما يخلق حالة جدل طبيعية أمام لغة تعاني من عدم تعريفها وتحليلها وطرحها بطرق علمية بعيدة عن التجاذبات المعتمدة على المزاجية والحزبية والمناطقية”. وبالوقوف عند نقطة أن الترجمة هي حركة إبداعية وتحتاج إلى خبراء لغويين، وعن مدى جاهزية الكرد في سورية للخوض في تجربة الترجمة، يقول قادو: “هذا صحيح تمامًا، وأؤكد عدم وجود مترجمين متخصصين باللغة الكردية، هنالك مترجمون عبر التجربة مع لغات أخرى أحبوها أو أتقنوها وارتجوا أن يخوضوا التجربة في ترجمة أعمالهم للغة الكردية، حركة الترجمة ضعيفة جدًا ولا توجد تجربة قوية من الممكن الاستناد إليها أو متخصصون يستطيعون إرشاد غيرهم إلى عِلم اسمه الترجمة لدرجة أن هنالك أشخاصًا لا يتقنون جيدًا اللغة الكردية واللغة التي ترجموا منها، وأصبحوا مترجمين، وطُبعت أسماؤهم على أغلفة كتب أو في مواقع إلكترونية، وذلك بسبب الحاجة إلى أي شخص يترجم حرفًا أو كلمة للغة الكردية”.

أضاف المسؤول في مشروع هنار الثقافي: “لكن بالمجمل الأولوية للترجمة، لأنها حركة إبداعية ودلالة على استيعاب شريحة متنورة لثقافة العالم، والقدرة الكامنة للغة المترجمة وللمترجم. كما أن الترجمة هي التي تبين مدى انفتاح الشعوب على ثقافة غيرهم. أما طباعة الكتب على أي حال فلا تعبّر بالضرورة عن حركة ثقافية، وبالأخص عندما لا يكون هناك أي إقبال على هذه الكتب أصلًا”.

وعن نتاجات مشروع هنار الثقافي في مجال الترجمة، أوضح قادو: “بالنسبة إلى مشروع هنار، على الرغم من إصدار أكثر من 10 كتب ما بين روايات وقصص قصيرة وأبحاث مكتوبة باللغة الكردية أو مترجمة من اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية، أجد أنه كان توجهًا خاطئًا، فكان يجب التركيز على خلق مفاتيح لهذه المجالات”.

ختم قادو حديثه إلى موقع (تلفزيون سوريا) قائلًا: “أجد أنه يجب التركيز على بذل الجهد، لإنتاج قواميس ومعاجم متخصصة أكثر من التشجيع في طبع أي كتاب باللغة الكردية، ظنًا بأن كل ما يكتب باللغة الكردية قيّم. نحن بهذه الطريقة لا نساهم في خلق وعي عميق لدى شعبنا، بالعكس نغرقه في إشكالات إملائية وآراء لها مرجعيات شخصية ومزاجية. من الطريف أن معظم من طبعنا لهم الكتب كانوا يخطئون حتى في كتابة اسمنا، حيث يطلقون علينا (دار هنار للنشر) على الرغم من أن الاسم مكتوب على أغلفة الكتب مشروع هنار الثقافي، من هنا يتبين مستوى وعي الحالة الثقافية الكردية عمومًا، ونختصره بأن اللغة ليست إلا حالة فردية ومزاجية وبجهود شخصية، ومن المستحيل أن ترتقي لأي مستوى جيد، إن بقيت هكذا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق