ترجماتسلايدر

حلم بوتين بالتقوى: روسيا المقدسة

انفصال الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن روسيا يوجّه ضربة إلى جهود الرئيس بوتين في تصوير بلاده كشعب واحد بهوية واحدة

الصورة: بارثولوميو الأول، البطريرك المسكوني، والمتروبوليتان إبيفانيوس، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية المستقلة، يرأس صلاة بعد تقديم “التوموس“، وهو كتاب صغير يضمّ المراسيم، في حفل رمزي يقدس استقلال الكنيسة الأوكرانية عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، في كنيسة سانت جورج البطريركية في إسطنبول، في وقت سابق من هذا الشهر. ليفتيريس بيتاراكيس/ أسوشيتد برس

في الخامس من كانون الثاني/ يناير، اصطف نحو 150 ألف شخص، أمام كاتدرائية القديسة صوفيا في كييف، العاصمة الأوكرانية. جاؤوا لرؤية وثيقة واحدة تسمى (توموس) أصدرها قبل أيام قليلة بارثولوميو، البطريرك المسكوني للقسطنطينية. هناك، على قطعة من ورق نفيس (شبيه بالجلد) مكتوبة باللغة اليونانية والإنكليزية والأوكرانية المزخرفة، كانت الكلمات التي حلمت بها الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، على مدى قرون: تعلن الكنيسة الأوكرانية استقلاليتها، بمعنى أنها الآن مستقلة تمامًا عن موسكو.

جاء إعلان الاستقلال هذا، على الرغم من المحاولات التي جرت -طوال أشهر- خلف الكواليس، بين مسؤولي الكرملين والكنيسة الأرثوذكسية الروسية؛ لثني البطريرك بارثولوميو عن إصدار التوموس. عندما لم تنجح عملية الإقناع بالسر، سرق القراصنة المرتبطون بالكرملين (الذين وجهت إليهم الاتهامات مؤخرًا في الولايات المتحدة) الآلاف من رسائل مساعدي البطريرك بارثولوميو الإلكترونية. وعندما فشلت عملية الابتزاز أيضًا؛ لجأت موسكو إلى البلطجة التقليدية: إصدار تهديدات غير محددة، ونددت بالبطريرك كعميل للولايات المتحدة والفاتيكان، ومع ذلك لم يتردد، وأُنجز الانقسام.

إنها ضربة خطيرة، على عدة مستويات، لطموحات فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، وكذلك للكنيسة الروسية. حيث يشكل السكان الأوكرانيون الأرثوذكس نحو 30 في المئة من جميع المؤمنين المسيحيين الأرثوذكس تحت رعاية بطريركية موسكو. تحول عشرات من الرعايا بالفعل إلى الكنيسة الأوكرانية، ومن المرجح أن يتبعهم مئات آخرون. ستخسر موسكو الملايين من المؤمنين، إضافة إلى ملايين لا تُحصى من الدولارات من أملاك الكنيسة.

لكن هذه ليست الخسائر الأكثر أهمية. مع استقلال الكنيسة، فإن جزءًا كبيرًا من السكان الأوكرانيين لن يبقوا خاضعين الآن لتأثير موسكو في مسائل الكنيسة، وإنما سيتبعون كنيسة مستقلة في كييف. بكلمات أخرى: ربما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، لكنها خسرت أوكرانيا.

الأهم من ذلك، أن الصراع على الكنيسة الأوكرانية أتى ضد جهود السيد بوتين لإعادة تشكيل روسيا الضعيفة، حيث إن 20 في المئة من السكان هم مسلمون، كأرض لشعب موحد له هوية واحدة.

في ذلك المسعى، كانت إحدى استراتيجياته الاعتماد المتزايد على الكنيسة كنواة للهوية الروسية وداعم قوي لنظامه.

في الواقع، العلاقات بين الكرملين وبطريركية موسكو قديمة قِدم روسيا نفسها. على مدار تاريخها، كانت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خاضعة للدولة وداعمًا ثابتًا للاستبداد. ابتداءً من القرن السادس عشر، قدمت الكنيسة لحكام موسكو “إعلانًا قدريًا”، قائمًا على لاهوت سياسي، يؤكد أن موسكو أصبحت القدس الثانية وروما الثالثة (بعد روما والقسطنطينية).

كان ظهور الدولة السوفيتية الملحدة عام 1922 يمثل ضربة قاصمة للكنيسة، حيث صادرت الدولة معظم ممتلكات الكنسية، ونجا عدد قليل من المعاهد الدينية. اخترقت إدارة أمن الدولة (كيه. جيه. بيه) كهنوت الكنيسة، للتجسس على رجال الدين والترويج للمصالح السوفيتية في الخارج.

خلال تجربة روسيا القصيرة مع الديمقراطية في التسعينيات، انتعشت الكنيسة بعد عقود من القمع. ولكن في عهد السيد بوتين، تعاونت الدولة مع الكنيسة واحتوتها. اعتمد الكرملين على الكنيسة الأرثوذكسية كقوة التوحيد الرئيسية في البلاد، وقدّم لها دعمًا ماليًا سخيًا. في المقابل، كانت الكنيسة هي المروج الرئيس لمفهوم “العالم الروسي” الذي يُنصّب الكرملين كمدافع عن الروس خارج روسيا. البطريرك كيريل، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ذهب بعيدًا إلى حد اعتبار عصر بوتين “معجزة من الله”.

كاهن أرثوذكسي روسيّ يرش مياهًا مقدسة على طائرة هجومية من طراز سوخوي  Su-25SM تابعة للقوات الجوية في المنطقة العسكرية الشرقية في مطار تشرنيغوفكا العسكري عام 2018. يوري سميتيوك/ تاس، عبر صور جيتي.

أحد أفضل الأمثلة اليوم عن كيفية عمل الكنيسة والكرملين، يدًا بيد، للدفاع عن المشاريع القومية الروسية، هو معرض: “روسيا -تاريخي” الذي نظمته الحكومة مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وبعرضه في جميع أنحاء الاتحاد الروسي، فهو يمجّد الحكام المستبدّين الروس، ومنهم إيفان الرهيب وستالين، كزعماء عظماء، في حين يشوه سمعة الديسمبريين، كعملاء غربيين، وهم مجموعة من الضباط الروس الشبان الذين سعوا لإدخال إصلاحات ووضع دستور عام 1825. تُعلّق صور الرئيس بوتين وألكسندر بوشكين، مؤسس الأدب الروسي الحديث، معًا. وبالمثل، فإن دوستويفسكي يُقرَن مع إيفان إيلين، الفيلسوف الروسي الفاشي، الذي أُعيد إحياء أعماله غير المعروفة في عهد السيد بوتين.

إن الرسالة الواضحة للمعرض هي أن حجم روسيا وطموحاتها الجيوسياسية يتطلبان قيادة قوية، وإن كانت قمعية، وزعيمًا لتقوية البلاد وتحدي أعدائها في الغرب. هذه الحجة التي أكل عليها الدهر وشرب، التي تُستخدم في كثير من الأحيان لتبرير الاستبداد، تُدمَج الآن مع عقيدة دينية طرحها في وقت سابق إيلين: روسيا هي حضارة مسيحية فريدة ومتفردة، ومسؤولياتها أمام الله وحده.

يُعدُّ هذا المعرض من بنات أفكار المطران تيخون شيفكونوف، المعروف بآرائه القومية القوية وبكونه كاهن الاعتراف للسيد بوتين [الذي أعلن أمامه بوتين إيمانه] كما أنه يقف وراء مشروع لإعادة تسمية مطارات روسيا الرئيسة بأسماء “الأبطال” الروس. وتتكون القائمة بشكل شبه كامل من رجال من العرق الروسي، سواء أكانوا من الشخصيات العسكرية أم من العلماء الذين ساهموا في بناء القوة العسكرية الروسية. ومن الواضح أن أندريه ساخاروف، أبُ القنبلة النووية السوفيتية، الذي حصل أيضًا على جائزة نوبل للسلام لحملاته المتعلقة بحقوق الإنسان، مشطوبٌ من هذه القائمة.

وإلى جانب تلك التطورات، فإن دور الكنيسة وتأثيرها في الحكومة والجيش يتزايدان بثبات. تستكمل وزارة الدفاع الروسية بناء كاتدرائيتها الخاصة، التي وُصفت بأنها ثالث أكبر الكنائس المسيحية الأرثوذكسية. أعلنت الوزارة مؤخرًا أن درج الكاتدرائية سيكون مصنوعًا من الدروع الألمانية المصهورة التي استُولي عليها في الحرب العالمية الثانية.

تحاكي الحماسة الدينية الجديدة للمؤسسة العسكرية علاقات السيد بوتين الشخصية مع المطران تيخون. في اجتماع مع مجموعة من القادة الروس، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر، كان استخدام الرئيس لخطابٍ تنبؤي مروعًا. وأعلن أن روسيا لا تخاف أحدًا وأن الشعب الروسي مستعد للتضحية بأرواحه من أجل الوطن الأم. أما بالنسبة إلى استخدام الأسلحة النووية، فقال إنه إذا هُوجمت روسيا؛ “فسوف نرد، وسنكون في الجنة شهداء، بينما هم ببساطة سيندمون يوم لا ينفع الندم”.

“هم”، بالطبع، الغرب، الذي تحول الآن من قبل مروجي الدعاية (البروباغنديين) من مجرد عدو جيوسياسي إلى عدو للإيمان المسيحي الحقيقي الذي تمثله موسكو.

لكن في الواقع، وصلت روسيا بوتين إلى طريق مسدودة. لقد قادت سياساته روسيا إلى عزلة أعمق، سواء في الأمور الدنيوية أو المقدسة. ويبدو أن نظام السيد بوتين، وهو غير قادر على تغيير المسار، يبحث عن أيديولوجية في الزوايا المعتمة للتاريخ واللاهوت الروسيين. إن حقيقة أن هذه الأيديولوجية تعتمد على خلق خطاب قومي معادٍ للغرب، إلى جانب رؤيةٍ لروسيا مقدسة مسيحية أرثوذكسية، ينبغي أن تفرض على كل شخص الوقفة الجدية مع الذات، والقلق الشديد.

اسم المقال الأصليPutin’s Dream of Godliness: Holy Russia
الكاتب*ميخائيل خوداركوفسكي،Michael Khodarkovsky
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز،The New York Times، 22/1
رابط المقالةhttps://www.nytimes.com/2019/01/22/opinion/putin-russia-orthodox-church.html
عدد الكلمات1017
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

*خوداركوفسكي: هو أستاذ التاريخ في جامعة لويولا في شيكاغو، ومؤلف كتاب سيصدر قريبًا بعنوان: “روسيا في القرن العشرين: رحلة في 100 حكاية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق