أدب وفنون

حوار مع الشاعر الدنماركي “نيلس هاو”

في الدنمارك، ذاك البلد الإسكندنافي البارد، وتحديدًا في العاصمة كوبنهاغن، يعيش الشاعر والقاص نيلس هاو، مع زوجته كريستينا بيوركي (عازفة البيانو الشهيرة) في بيته المطل على بحيرات كوبنهاغن الواقع وسط منطقة نوربرو، ذات الاختلاط الاثني المعروف، محملًا بجينات الفايكنغ البرية والأساطير من إقليم الشمال القديم.. كرّسَ هاو حياته كلها للشعر، مسافرًا بأشعاره وقصائده إلى عدد كبير من دول العالم عبر أوروبا وآسيا وأفريقيا والأمريكيتين، وتُرجمت أعماله إلى العديد من لغات العالم كالإنكليزية والإسبانية والبرتغالية والتركية والإيطالية، ومؤخرًا إلى العربية، حيث صدرت له خمسة دواوين شعرية، وثلاث مجموعات قصصية، وفاز بالعديد من الجوائز. وقد وصفه الناقد الكندي وأستاذ الدراسات الإسكندنافية في جامعة ماساتشوستس فرانك هوغوس، في مجلة (مراجعات أدبية) بأنه الأكثر موهبة من بين شعراء الدنمارك الأحياء.

التقينا الشاعر الدنماركي الكبير نيلس هاو (عبر الإنترنت) وكان لنا هذا الحوار:

– كتبنا مقدمة بسيطة عنك، لكن كيف يحب “نيلس هاو” أن يقدم نفسه للقارئ؟

= أنا حقًا ممتن لإتاحة هذه الفرصة لتبادل الرؤى والأفكار والخبرات مع القراء العرب، فأنا أكتب باللغة الدنماركية، وهي لغة قليلة الانتشار، إذ يتحدث بها 5 ملايين شخص فقط، لذا فإن ترجمة الأعمال المكتوبة بها إلى اللغات الأخرى، كانت ضرورة، بهدف الوصول إلى العالم الواسع. بالنسبة إلي، أنا أُفضّل دائمًا أن تقّدمني قصائدي للقرّاء وللعالم، فالكتابة هي محاولة لاكتشاف من تكون!

– قرأنا لك بالعربية ديوانك (عندما أصبح أعمى) وكذلك قصائد عدة في الصحف العربية. ماذا جنيت من هذه الترجمات؟ وهل كان لنشرها بالعربية أثرًا في كتاباتك اللاحقة؟

= حقيقةً، إن ترجمة قصائدي إلى لغات أخرى أمرٌ رائع، أشبه بالوقوع في الحب مجددًا، وأن تصبح فردًا في عائلة جديدة بتقاليد وعادات مختلفة، والترجمة إلى العربية قد ساعدتني في السفر والالتقاء بأناس جدد من بعض البلاد العربية، وأنا سعيد للغاية بأن قصائدي تسافر وتلتقي بقراء جدد، وسعادتي قد ازدادت عندما انتقلت قصائدي بعيدًا عن اللغات الأوروبية لتصل إلى العربية، وامتناني يعود إلى المترجمين اللذين استطاعا بجدارة نقل القصائد بأمانة وحرفية إلى اللغة العربية، وهما الشاعران: جمال جمعة، ونزار سرطاوي؛ إذ تمكنا بشجاعة وجرأة من تقديم أشعاري القادمة من أقصي الشمال البارد إلى القارئ العربي، والآن بات لديّ ديوانان مختلفان تمامًا قد نُشرا بالعربية، هما (حين يصير أعمى)، و(الروح ترقص في مهدها). وعمومًا، فإن إحساسي عميق بأن الشعر يحظى بوضع خاص في الثقافة العربية. وجميعنا نعرف أنه من شبه المستحيل ترجمة الشعر بأمانة ودقة، فالتحدي الأكبر يكمن في الصور البلاغية والاستعارات، والشعر العربي غنيٌ جدًا بذلك، على عكس قصائدي التي تعتبر بسيطة جدًا وقليلة التشبيهات البلاغية، فهي أقرب إلى الواقعية التي نعيشها، وما تحتويه من عناصر سريالية، فأنا أحاول دائمًا أن أربط بين شِعري والعالم الواقعي، بما يحتويه من مشكلات البشر العاديين.

من مؤلفاته… إحدى دواوينه المترجمة

– بالمناسبة، ما مدى اقترابك من الأدب العربي؟ وهل قرأتَ من قبل لأيٍ من الشعراء أو الأدباء العرب؟

= أتمنى أن يكون جهلي بالأدب العربي ليس كبيرًا، فالأمر يرجع إلى ما يعانيه الأدب العربي من قلة الترجمات، لهذا ربما تكون معرفتي به عشوائية بعض الشيء، لكن مع ذلك، فأنا قرأت للشاعر الكبير محمود درويش بالطبع، وقاسم حداد، وقرأت قصائد قليلة لبدر شاكر السياب. التقيت بالشاعر العراقي محسن الرملي في مصر، والشاعر السوري حسين حبش، والشاعر الفلسطيني موسى حوامدة، وغيرهم الكثير. أنا -أيضًا- على صلة ببعض الشعراء العرب المقيمين في الدنمارك، مثل الشاعر العراقي أسعد الجبوري، والشاعرة اللبنانية فاديا الخشن، وصديقي المقرب الشاعر والمترجم سليم العبدلي.

– قلتَ مرة: “أومن بأن الأدباء، مهما طال عمرهم الأدبي، لا ينجحون في كتابة أكثر من 5 إلى 10 أعمال مهمة”، لماذا؟

= هذا صحيح، فقد قلت بفكاهة ذات يوم: “إن الذي يميز أفضل الكتّاب هو الكتب السيئة التي لم يكتبوها يومًا”، فأحيانًا، يكون الصمت أفضل، الصمت الحقيقي هو أيضًا رسالة، فعشرة قصائد جيدة ليست محصلة سيئة أبدًا لحياة طويلة. القصيدة الجيدة هي منحة، ولا داعي أبدًا أن يتم اغتصاب الأفكار وكتابة قصائد بلا أدنى إحساس، كما يفعل البعض، ففي كل عام يَصدُر فيضان من كتب الشعر الذي يبدو أنه قد كُتِبَ بشكل متسرع، وسرعان ما يختفي في ضروب النسيان. أما القصيدة الجيدة فهي غامضة! لها حياتها الخاصة، المستقلة بالطبع عن مؤلفها، فهي بمجرد كتابتها تنتمي إلى كل شخص، وهذا هو التحدي الأعظم، بأن يبقى منفتحًا وجاهزًا لتلقي تلك المنح. فنحن لا نعلم من أين ستأتي القصائد الجيدة، لكن نعرف جيدًا أن القصيدة الجيدة هي نعمة من الرب. أتذكر هنا بعض الأبيات التي كتبتها يومًا:

قصيدة ساحرة

يمكن أن نقضي حياة كاملة

صحبة الكلمات

دون أن نعثر على الجيد منها

مثل سمكة حزينة ملفوفة

في جرائد من هنغاريا

لا يكفي أنّها قضت

ولا تعرف لغة هنغاريا!

– قلتَ أيضًا: “نحن الشعراء نعيش في جمهورية الشعر، ويبقى الشعر وطننا على الرغم من أن أجسادنا توجد في كوبنهاغن أو شنغهاي أو القاهرة”، لكن على الجانب الآخر، هناك من يقول إنّنا نعيش “مرحلة موت الشّعر والقصة، وازدهار الرّواية”، ما رأيك؟ هل حقًا الشعراء، في هذه الأيام، هم غرباء أقوامهم؟

= صحيح أن الشعراء يعيشون في هذا العالم وينتمي كل منهم إلى دولته، لكن كل أشكال القومية والشوفينية هي ضد الشعر، فالقومية طاعون خطير، ولعلك تتذكر ما حدث في يوغوسلافيا السابقة قبل 25 عامًا. القومية تمثل تهديدًا في العديد من الأماكن حول العالم، في حين يمثل الشعر ملاذنا الآمن، لأنه شديد القرب إلى معظم حالاتنا الإنسانية، فهو جوهر إنساني أعمق من الوجود، هو نفسه الموجود في كل البشر، وقد تكون الدواوين الشعرية الآن ليست بالظاهرة الجماهيرية، مثل ظاهرة الروايات الأكثر مبيعًا، لكن القصيدة الجيدة تقود إلى حديث حميمي بشكل مباشر مع القارئ.

– حصلتَ على العديد من الجوائز الأدبية، ألا ترى أن الجوائز طوق نجاة يُلقى به لغريق بعد وصوله للشاطئ؟

= الكتابة ليست رياضة أولمبية، ولا يجب أن نثق أبدًا بالكتّاب الذين يزينون أنفسهم بالجوائز، فهذه الجوائز ليست دائمًا دليلًا على جودة أدبهم! بالنسبة إلي.. بالطبع أكون سعيدًا عند تلقي التكريمات، لكنني أتلقاها بتواضع شديد. دعنا لا ننسى أن الكثير من الأعمال المفضلة لدينا ظلت في عزلة وبعيدة من الجوائز والتكريمات، ومع ذلك فهي أعمال خالدة وعظيمة. والشيء الأساس الذي يجب التأكيد عليه، هو ضرورة أن تكون حرًا ومستقلًا، حين تبدع، فالشعر دعوة للتفكير، ودعوة للتساؤل: لماذا نجد بعض السلطات والحكومات منزعجة من الشعر؟ هم يكرمون الشعراء.. لكن لا يحبونهم، يريدون التحكم في ما يكتبه الشعراء، لكن لا يمكن لأحد التحكم في الشعر أو الأفكار.

– ما هي قراءاتك خارج الشعر والأدب عمومًا، في أي المجالات الأخرى تقرأ؟

= أقرأ في مجالات عديدة أخرى بخلاف الشعر، أحب الفلسفة، لكنني –بالمقابل- بعيد من القراءة المعهودة للأدب والعلوم، فأنا أحرص على متابعة الصحف الأسبوعية بتفاصيلها الصغيرة، لكونها مملوءة بأخبار حياتية مرعبة ومفرحة! عظَمة الحياة وجمالها يمكن إيجادهما في مثل هذه التفاهات الصغيرة والبسيطة، وعادةً ما نغفلها عند قراءة الصحف، وبالتبعية فإنني أريد أن أقول إن أحد أهم أسرار الشعر هو أن القصيدة كلما كانت أكثر خصوصية؛ كانت مناسبة للجميع، فعلى سبيل المثال فإن قصيدة (هذا ما يمكن قوله) للشاعر العظيم ويليام كارلوس ويليامز كانت في واقعها مجرد ملاحظات على زوجته، لكنها الآن قصيدة عالمية!

– ما هي نصائحك المختصرة للناشئة من الشعراء من خلال تجربتك وخبرتك الطويلة؟

= كي تكون شاعرًا جيدًا.. كن ذكيًا، ضع كل شيء تملكه وتعلمته في أي شيء تكتبه، تعلم لغات أخرى وحاول أن تتقنها جيدًا، اقرأ كثيرًا، وكن دائمًا على دراية بما يحدث حولك، عندما تكتب.. لا تخف أبدًا من الأخطاء، فقط استمر في طريقك، دعني أخبرك بأن أعمالك الأولى ربما يرفضها الناشرون، وسيتم انتقادها بشكل سلبي من النقاد، لأن هذا جزء من اللعبة، فقط كـن عنيدًا ومثابرًا، وسيأتيك الشعر فاتحًا خزائن أسراره.

– في الختام؛ قد يكون سؤالًا مستفزًا بعض الشيء، لكن.. لماذا يكتب “نيلس هاو”، ولا يكتفي بعيش حياته كما يعيش معظم الناس، أيّ رسالة تريد قولها من خلال أشعارك وقصصك؟

= إن الساسة يطالعوننا يوميًا بأنصاف الحقائق المعطرة بالأكاذيب، فالروايات الرسمية عما يحدث، دائمًا ما تفسد اللغة، وفي النهاية تتركنا في ارتباك لا متناه. إن المحفز الداخلي للكتابة هو أن تشرح وتوثق ما يحدث، وهنا يمكنك القول إن مهمة الشعر هي إعادة الاعتبار لـ “اللغة”، ومنعنا من أن نصاب بالجنون، فالشعر يمثل الفطرة السليمة للناس العاديين؛ لذا فإن من الضروري ألا نفوّت الأحاديث اليومية للناس، بل يجب الاستماع إلى هؤلاء الفلاسفة، فلاسفة الشارع كما أحب تسميتهم، لأن في حديثهم الكثير من الإلهام والحكمة وكذلك الفكاهة، فانا أكتب عن الناس وعن حياتهم، وأريد أن أنقل ذلك شعريًا وقصصيًا، لهم وللأجيال القادمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق