تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الدبّ الروسي وملالي طهران يتوازعان سورية

عادة ما تكون نهاية النزاعات والحروب الداخلية والثورات محسومةً لمصلحة الأقوى، ومن استطاع أن يسيطر على المشهد بالكامل، لكن الوضع السوري يبدو مختلفًا وشاذًا عن هذه القاعدة، فلم نشاهد -حتى الآن- أحدًا من الأطراف يحسم المعركة لمصلحته بالكامل، على الرغم من سيطرة الأسد وحلفائه على أغلب المناطق المحررة، وانكفاء فصائل الثورة إلى منطقة جغرافية صغيرة نسبيًا، وهذا لأسباب كثيرة أهمها التدخل الدولي الواسع والتناحر الإقليمي الكبير، وكثرة الأطراف الداخلية المتنازعة فيما بينها.

الأوضاع في الداخل السوري، وبخاصة في مناطق سيطرة الأسد، تزداد تعقيدًا من النواحي العسكرية المتمثلة في الاقتتال بين أتباع روسيا من جهة، وأتباع ايران من جهة أخرى، ومن الناحية الأمنية المتمثلة في عودة التفجيرات والحوادث الأمنية، خاصة في العاصمة دمشق، وأيضًا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت ملامحها بوضوح مؤخرًا، من خلال النقص الحاد في أغلب المتطلبات الأساسية للشعب، كالوقود وكثير من المواد التموينية ولا سيما الخبز، إضافة إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، وقد جعل ذلك الأمر كثيرًا من المواطنين، في مناطق سيطرة الأسد، يتوجهون إلى المناطق المحررة، على الرغم من عدم وجود استقرار كامل فيها، فضلًا عن أنها ما زالت غير بعيدة من القصف الروسي والاقتتال بين الفصائل، وذلك لكونها تنعم -نسبيًا- في هذه المرحلة باستقرار في الأسعار، وتوفر كثير من الاحتياجات اليومية، بأسعار أقلّ بكثير من مناطق نفوذ الأسد.

وبهذا تكون سورية قد دخلت مرحلة جديدة من الصراع، هذه المرة على صعيدين: الأول مسلح، وأطرافه رفاق الأمس أعداء اليوم الذين انقسموا بين مؤيد للاحتلال الإيراني، وبين مؤيد للاحتلال الروسي، ونشاهد نتائج ذلك الآن قد طفت على السطح، من خلال الاقتتال الحاصل بين (الفرقة الرابعة) التي يقودها ماهر الأسد المحسوب على إيران، و(الفيلق الخامس) الذي يديره سهيل الحسن المحسوب على روسيا. واعتقد جازمًا أن هذا الصراع يمكن أن يتطور ويصل إلى مرحلة صراع وجود بين هؤلاء المرتزقة، وأعتقد أن المنتصر من هؤلاء سيكون له الدور الأكبر في إعادة صياغة نظام الأسد، ويمكن أن تَرجَح كفة الروس وأتباعهم، نتيجة امتلاكهم سلاح الطيران الذي سرعان ما هددوا به من بداية الأحداث، وهذا يدلّ بوضوح على أن الطرف الروسي مُصرّ على أن يحسم الأمر لمصلحته، ويُبعد إيران ومرتزقتها من دائرة اتخاذ القرار، ويبدو أن هذا الأمر متفق عليه بين الروس و”إسرائيل” والولايات المتحدة، وقد ظهر هذا واضحًا من خلال استمرار الغارات التي ينفذها سلاح الجو الإسرائيلي على أهداف ومواقع إيرانية، خاصة في مدينة دمشق وما حولها، والمنطقة الجنوبية الغربية على مقربة من الجولان المحتل، بالتزامن مع ضربات من سلاح المدفعية الأميركية الموجود في قاعدة الكيارة العراقية، لرتل من صهاريج الوقود المهرّب إلى ايران، إضافة إلى استهداف عدد من التجمعات الإيرانية على الحدود السورية العراقية، من طائرات مجهولة يعتقد أنها أمريكية، وعلى ذلك؛ يمكن أن نقول إن الطوق يضيق تدريجيًا على عنق ايران في سورية والعراق، بانتظار ساعة الصفر، وأعتقد أنها لن تكون بعيدة.

أما ما يجري على الصعيد الأمني، ويتمثل في بعض التفجيرات والاغتيالات الحاصلة في مدينة دمشق، على الرغم من تبنيها من قبل أحد فصائل الثورة، فإن من المرجح أن يكون الأمر -بحسب معطيات كثيرة منها نوعية الأشخاص المستهدفين في الاغتيال، ومكان الاغتيال، وطريقة تنفيذ عمليات التفجير- عملية تصفية حسابات داخلية، وسنشاهد مستقبلًا الكثير من هذه العمليات التي قد تطال رموزًا في النظام تنتمي إلى أحد طرفي الصراع، وعلى الأرجح سيكون السبب ما صدر من أوامر تنقلات وتسريح من الخدمة لكثير من الشخصيات العسكرية المهمة جدًا، خاصة في الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة وأجهزة المخابرات، وأعتقد أن هؤلاء لن يستكينوا ولن يقبلوا بهذه الأوامر، ما سيدفعهم مع حلفائهم الإيرانيين إلى إثارة كثير من المشكلات الأمنية، خاصة في العاصمة دمشق، ويمكن أن تطال هذه العمليات شخصيات مهمة عسكرية وأمنية مقربة من الروس.

أمّا ما يجري على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، من نقص حاد في كثير من المواد الأساسية، كالوقود والمواد الغذائية الأساسية، وانقطاع في خدمات الماء والكهرباء، فهو لا يتعدى خطة قديمة جديدة، لإعادة تعويم الأسد من جديد أمام مواطني المناطق المُسيطَر عليها، من خلال عملية الضخ الإعلامي الكبير، ورفع أصوات من يعملون في الشأن العام، كالفنانين وبعض مسؤولي الدرجة الثانية، ليقوم بعد ذلك بشار الأسد بإقالة الحكومة وتوجيهها بطريقة إعلامية، لتأمين متطلبات الشعب المسكين الذي يعاني مشكلات اقتصادية، وسيقضي عليها “السوبرمان” بشار الأسد، ثم يعمّ الرخاء والاستقرار في الأسواق، وسيتم حلّ مشكلات الكهرباء والماء، وبالنتيجة سيظهر الرئيس المخلّص، بحلته القديمة الجديدة، حبيب الجماهير وملهمها وراعي مسيرة التطوير والتحديث، والقضاء على الإرهاب والفساد والمفسدين.

كل هذا يجري على قدم وساق، في مناطق سيطرة الأسد وحلفائه، أما ما يجري في المناطق المحررة، فيمكن أن نعدّه جزءًا من السيناريو المطبق على مناطق الأسد، ويمكن أن يكون قد سبقه بمراحل متقدمة، لكن باختلاف الجهات المتقاتلة والجهات الداعمة لها، وبالوضع المعيشي والأمني الأقل سوءًا من مناطق الأسد، وبهذا يكون التحضير لمخطط فرض حل سياسي معلّب على السوريين، في مرحلته ما قبل الاخيرة، بانتظار ما تحمله تطورات المواجهات بين مختلف الأطراف، والمنتصر من هذه المواجهات ستكون له اليد الطولى في فرض شروطه على الجميع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق