ترجماتسلايدر

ردّات الفعل على الانسحاب المقترح من سورية

فجّر دونالد ترامب قنبلة، بأمره المفاجئ بانسحاب القوات الأميركية من سورية، وتقليص عدد القوات في أفغانستان، واستقالة وزير دفاعه.

ومن المستغرب أن وجهة نظر ترامب حول الصراع السوري تشبه إلى حد بعيد وجهة نظر أوباما، أي أن الولايات المتحدة لم يكن لديها أيّ اهتمام جدي، سواء أكان اقتصاديًا أم استراتيجيًا، في الصراع.

أذكر أن أوباما كان غالبًا ما كان يُنتقَد من جانب حلفائنا في الشرق الأوسط، بسبب رفضه إرسال قوات برية إلى المعركة، وسماحه لعدد محدود من المستشارين الفنيين، إلى جانب الدعم الجوي.

غالبًا ما هاجم المنتقدون موقف أوباما على أن “المعركة لا تهمه”. لكن يمكن قول ذلك أيضًا بالنسبة إلى حلفاء الاتحاد الأوروبي: فرنسا والمملكة المتحدة اللتين قدمتا أقل التزامات ممكنة، وكل ما قدموه نحو 500 جندي، بينما رفضت ألمانيا المشاركة في الصراع.

حتى في ذلك، كان تركيز أوباما على الحرب يتراجع على نحو خطير، عن دعمه في البداية للسعودية والإمارات العربية المتحدة، وعن تسليح وتدريب “الجهاديين المعتدلين”، كمحاربين بالوكالة لإطاحة الأسد.

عندما تبين أن العديد من هؤلاء المتمردين المعتدلين ليسوا معتدلين جدًا، مع انضمام بعضهم إلى صفوف تنظيم داعش؛ نقلت الولايات المتحدة اهتمامها لدعم الميليشيا الكردية، وهي أكثر المقاتلين فعالية ضد كل من الجهاديين المعتدلين وداعش، التي تقاتل لدعم نظام الأسد.

أوباما، مثل ترامب، رأى أن التهديد الرئيس للاستقرار في الشرق الأوسط هو نمو الجهاديين المتطرفين، وداعش، الذين احتلوا مناطق واسعة في العراق وسورية، وفي الوقت نفسه كانوا عازمين على بناء بؤر استيطانية مماثلة في أفريقيا.

لقد صُعِق المحافظون الجدد والمحاربون الأميركيون بإعلان ترامب الانسحاب؛ لأن حلمهم بتغيير النظام في الشرق الأوسط انهار تمامًا.

إن وجهة نظرهم الراسخة بأن تغيير النظام قد يعيد عقارب الساعة إلى وقت كان فيه الغرب مستعمرًا للمناطق، وناهبًا لمواردها الطبيعية، قد خسرت مصداقيتها تمامًا، وكذبتها التجارب في فيتنام وأفغانستان والعراق وليبيا والآن في سورية.

إذا تعلمنا أي شيء من فيتنام، والحروب الكارثية التي تلت ذلك، فهو أن زمن غزو واستغلال الدول الفقيرة قد انتهى. حتى من دون أسلحة حديثة، ومن دون سلاح الجو أو البحرية، سيقاتل شعبُهم، ضد احتمالات مستحيلة، وفي النهاية سيرهقون الغزاة المحتملين، عن طريق إجبارهم على إنفاق ثروات في الأرواح والأموال، حتى يضطروا في النهاية إلى إعلان النصر والانتصار والعودة مهزومين لوطنهم.

بعد سبعة عشر عامًا في أفغانستان، في حربٍ لا تنتهي؛ توصل جيشنا إلى استنتاج مفاده أن هذه الحرب لا يمكن الفوز بها. مثل فيتنام، كانت الحرب تفتقر دائمًا إلى العناصر الأساسية للنصر، من حيث وجود حكومة راسخة وفعالة تمتلك ولاء مواطنيها، وقوة عسكرية قادرة على حماية البلاد.

في غيابهم، أُجبرت الولايات المتحدة على تولي زمام المعركة بمفردها، كما فعلت في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق. من دون تسوية متفاوض عليها، من المرجح أن تستمرّ الحرب إلى ما لا نهاية. ويمكن قول الشيء نفسه عن العراق وليبيا وسورية.

في فيلم “دبليو W، الذي يدور حول إدارة بوش الابن وهجومه في الحرب على العراق، هناك مشهد كاشف تظهر فيه الشخصية التي تصور نائب الرئيس تشيني يمسك خريطة للشرق الأوسط، ويصوّب مؤشره إلى جميع أنحاء دول المنطقة، قائلاً: “إذا احتللنا جميع البلدان في المنطقة وتحكمنا في نفطها، فمن سيواجهنا عندئذ؟”

وترد الشخصية التي تصور كولن باول: “تتحدث كرجل نفط حقيقي”.

على الرغم من أن الفيلم ليس سوى تصوير دراماتيكي، فإننا نراهن على أن المحادثات مثل تلك التي تم تصويرها في الفيلم تدور بشكل متكرر بين اللاعبين الواقعيين. تذكروا ماكين خلال حملته الرئاسية، وهو يغني بطريقة شائنة: “اقصفوا إيران بالقنابل”. أو تأملوا شعار المحافظين الجدد: “الرجال الحقيقيون يذهبون إلى طهران”.

ما أظهرته هذا السلسلة الطويلة من الحروب التدخلية بوضوح هو أن هذه الدول كانت أكثر استعدادًا للدفاع عن نفسها ضد قوات الاحتلال. ويمكن أن تستمر حروب العصابات هذه من قبل البلدان الأضعف ضد الغزاة الإمبرياليين الأقوى، سنوات عديدة، في حرب استنزافٍ تستنزف موارد حكامهم الغربيين، حتى يُجبروا -في نهاية المطاف- على الانسحاب. أفغانستان مثال ساطع، حيث تستمر الحرب الأميركية منذ سبعة عشر عامًا.

ليس من المستغرب تعرّض ترامب للهجوم، بسبب عدم الاستجابة لتحذيرات كبير مستشاريه العسكريين، ماتيس، وزير الدفاع، الذي استقال، مثيرًا جدلًا كبيرًا. وبينما تستمر وسائل الإعلام في انتقاد الرئيس مدح الجنرال لنزاهته واستقامته.

تجاهلت معظم وسائل الإعلام، على نطاق واسع، أن ماتيس كان قد طُرد من منصبه كرئيس لشركة سينتكوم Centcom من قبل إدارة أوباما، لمحاولته -حسب ما يزعم- إثارة نزاع مع إيران بهدف تقويض جهود الإدارة للتفاوض على تجميد تطوير إيران لسلاحها النووي.

كما تم تجاهل حقيقة أن ترامب اتبع نصيحة الجنرال كورتيس مايكل “مايك” سكاباروتي، رئيس القيادة الأوروبية الأميركية الذي يحظى باحترام كبير، والذي صرح علانية بأن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة كبيرة بالمجازفة في سورية، وأن دعمنا الأكراد هدّد علاقاتنا مع تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، وهو تحالف يُعدُّ أكثر أهمية من الناحية السياسية من دعمنا للأكراد.

كما فشلت وسائل الإعلام في ملاحظة أنه قبْلَ إعلان الرئيس بسحب القوات من سورية، كانت روسيا قد نجحت تفاوضيًا بسحب القوات الإيرانية من الحدود الجنوبية لسورية لمسافة 60 ميلًا، بهدف تخفيف حدة التوتر وخفض التهديدات ضد إسرائيل.

كما تجاهلت الصحافة الغربية الاجتماع الأخير الذي عُقد في أبو ظبي بين خليل زاده، المبعوث الأميركي الخاص، وطالبان، حيث لأول مرة، أعلن مندوب أميركي رفيع المستوى أن الولايات المتحدة مستعدة لسحب قواتها العسكرية؛ إذا كانت هناك تسوية سلمية مهمة قابلة للتحقق، مع ضمان ألا تكون أفغانستان قاعدة انطلاق للهجمات الإرهابية على جيرانها أو على الغرب.

ومن بين الحضور، كان هناك مندوبون عن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دعمًا للموقف الأميركي، وحثوا طالبان المترددة والرافضة على التفاوض المباشر مع الحكومة الأفغانية الحالية.

كما قدمت القيادة الباكستانية دعمًا إضافيًا للاجتماع. ويعتقد عدد قليل من المحللين في الشرق الأوسط بأن طالبان ستكون راغبة في رفض الشروط الأميركية، التي تستجيب لمطالبهم الخاصة بالانسحاب الأميركي، خاصة عندما يدعمها المتبرعون السابقون لطالبان.

وبدلًا من ذلك، قامت المؤسسة العسكرية بإطلاق النار لإثارة الذعر بين الناس، كما أبلغ السيناتور ليندسي غراهام، أمام جمهور غير مقتنع، بأن انسحاب القوات الذي تم الإعلان عنه قد يؤدي إلى 11 أيلول/ سبتمبر آخر، وهو يشير إلى خطاب كولن باول الشهير إلى الأمم المتحدة، وهو يحاول تبرير الهجوم الأميركي على العراق، مع صور لسحابة دخان كثيق منبثق عن الأسلحة النووية العراقية غير الموجودة.

على الرغم من الحملة الإخبارية الشعواء من قبل الجيش وأصدقائه الإعلاميين حول العواقب الوخيمة للانسحاب، لم يتبق لهم غير الوجود الدائم للقوات الأميركية، بينما تستمر المعارضة العامة الأميركية في النمو ضد حروب التدخل الطويلة التي لا تنتهي في الشرق الأوسط وأوراسيا.

كانت معارضة المؤسسة العسكرية للانسحاب متوقعة إلى حد بعيد، وتمّ أخذها كأمرٍ مسلّم به، لكن الأكثر إثارة للدهشة هو الهجوم المنسق من قبل العديد من المتحدثين باسم الجناح اليساري وشركائهم الإعلاميين. كانت السيناتور إليزابيث وارن هي الممثل الوحيد لليسار الذي وافق على الانسحاب، على الرغم من أنها دانت الرئيس لعدم إخطاره لحلفائنا. وهو الأمر الذي يترك المرء متسائلًا: هل انتهت حركة السلام اليسارية أم لا تزال موجودة.

مقابل هذا، هناك تاريخ كارثي لا يمكن إنكاره. وبينما كانت الوظائف والصناعات تختفي من بلادنا، انخرط زعماؤنا في حروب طويلة على مدى عقود، في الشرق الأوسط وأوراسيا، حيث خلقت استراتيجية المحافظين الجدد المخزية لتغيير الأنظمة، القائمة على المعلومات الاستخباراتية المزيفة وعلى الوطنية الزائفة، في أعقابها حطامًا من الدول المتهاوية، وارتدادات غير محسوبة من الإرهاب العالمي، وأزمة لاجئين ضخمة، لا شيء سوى إهدار الأرواح والثروة.

سؤال أخير: هل أعمانا غضبنا ضد ترامب عن مصالحنا طويلة المدى؟

اسم المقال الأصليReactions to the Proposed Syrian Withdrawal
الكاتبروبرت بيرك،Robert Berke
مكان النشر وتاريخهالدبلوماسية الحديثة،Modern Diplomacy، 25/1
رابط المقالhttps://moderndiplomacy.eu/2019/01/25/reactions-to-the-proposed-syrian-withdrawal/?fbclid=IwAR32gA_zSdVBwmFh1gxuoVwEtGRizvWShfTKLmAwN2_Tfdy_wetgJTeTZXA
عدد الكلمات1135
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق