ترجماتسلايدر

لا وقت للتردد والمهاودة بخصوص سورية

بشار الأسد يحتاج إلى اعتراف أوروبا. لا تمنحوه له مجانًا

تُخاطر أوروبا بارتكاب خطأ قاتل في سورية.

مع تحول الحرب الأهلية في البلاد باتجاه الحسم أكثر لمصلحة بشار الأسد؛ بدأت الدول الأوروبية التواصل ببطء مع نظام الدكتاتور العنيف.

في خطوة مهمة، أعلنت إيطاليا في وقت سابق من هذا الشهر أنها تفكر في إعادة فتح سفارتها في دمشق. قرار روما هو التحوّل الأول من جانب إحدى الدول الأوروبية الغربية الكبرى. وهو يتعارض بشكل مباشر مع موقف الاتحاد الأوروبي المعلن، الذي تدعمه فرنسا والمملكة المتحدة، لإبقاء الأسد معزولًا ومعاقبته.

لطالما أشادت الحكومات الأوروبية -في كثير من الأحيان من دون مصداقية كبيرة- بقدرتها على الاستفادة من تمويل إعادة الإعمار من أجل التغيير في سورية، لكن التحركات الأخيرة تكشف عن خطر متنامٍ بأن الموقف الأوروبي المشترك تجاه الأسد قد ينهار. لن يؤدي أي تحول إيطالي وحده إلى تحريك التوجه الأوروبي الأوسع، بما في ذلك فرض العقوبات، لكنه يشير إلى احتمال حدوث انهيار في نهاية المطاف.

ما يدفع/ يوجه التقارب هو تغيرات في الحقائق على الأرض. فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعلن انسحابًا سريعًا للقوات. وتعيد دول الخليج العربية علاقاتها مع دمشق، وتتقدم القوى الجهادية في إدلب، وهو ما يبرر على الأرجح مخططات النظام في المحافظة. يبدو فوز الأسد وكأنه سيكون أكثر حسمًا من المتوقع.

وفق هذا السياق وما يحدث فيه، يحتاج الأوروبيون إلى تشكيل موقف متماسك بسرعة يستجيب للواقع الجديد. في نهاية المطاف، هناك قضية لإعادة المشاركة المحدودة، إذا أراد الأوروبيون تأمين بعض المكاسب المتبقية للسوريين ولاجئيهم ومصالحهم الأمنية.

لكن يجب القيام بذلك بعناية، بطريقة تربط بين البراغماتية والمبادئ المستمرة/ القائمة. ستؤدي القرارات المتزايدة بالتدريج، من قبل دول فردية، إلى انزلاق أوروبا إلى أسفل منحدر إعادة المشاركة الذي سيكون كليًا لصالح الأسد، ويقدم له إعادة الشرعية من دون تكلفة.

يجب على دول الاتحاد الأوروبي العمل معًا لضمان استخلاص بعض المكاسب لأي تحرك في هذا الاتجاه.

الواقع هو أن الوضع الأوروبي كان يتحول قبل قرار ترامب بسحب القوات الأميركية. ويأتي إعلان روما، بعد زيارة نائب وزير الخارجية البولندي إلى دمشق، وزيارة وزير الخارجية التشيكي في آب/ أغسطس. وبينما احتفظت براغ بسفيرها في سورية طوال مدة الصراع، وكانت الزيارة مدفوعة بهدف إنساني، كانت أول زيارة وزارية أوروبية رفيعة المستوى منذ بدء الصراع.

أعلن دونالد ترامب، الرئيس الأميركي، في كانون الأول/ ديسمبر أنه سيسحب القوات الأميركية من سورية. بيت ماروفيتش/ صور جيتي

أعلن الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع فرض عقوبات جديدة على سورية، ولكنّ بعض الدول الأعضاء ضغطت، في تحول ملحوظ، لإدخال بنود أخرى لمنحهم تاريخ انتهائهم.

وقد اقترن التحول في موقف أوروبا بعلامات توسيع نطاق التطبيع. ففي تشرين الأول/ أكتوبر، أعاد الأردن فتح حدوده مع سورية، وفي كانون الأول/ ديسمبر، أعادت الإمارات العربية المتحدة والبحرين العلاقات الدبلوماسية مع النظام. وأفادت الأنباء أن رئيس المخابرات السورية زار السعودية، في أوائل كانون الثاني/ يناير، ربما أملًا في حدوث تحول في موقف الرياض. وربما تتم إعادة سورية إلى جامعة الدول العربية قريبًا. هذه الدول الآن أكثر تركيزًا على تخفيف النفوذ الإيراني والتركي أكثر من تركيزها على تغيير النظام.

لقد سرّع قرار ترامب هذه الديناميكية. وبينما قد يؤخر الخلاف داخل الإدارة الانسحاب، فإن نتيجة هذا النقاش تكاد تكون غير ذات صلة. لا أحد يؤمن بقدرة واشنطن على العمل كلاعب استراتيجي طويل المدى في سورية، ومعظم اللاعبين يضعون خططًا تتمحور حول الولايات المتحدة.

يبدو من المرجح أن يستغل الأسد قرار ترامب، ليعقد صفقة مع الأكراد –الذين كانت تحميهم القوات الأميركية في السابق- لاستعادة سلطة دمشق على الشمال الشرقي من سورية، ومنع تركيا من دخولها.

في الوقت المحدد، يمكن للأسد التوصل إلى اتفاق مع تركيا، على أساس التعاون المشترك ضد الأكراد. يحمل رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، تعاطفًا شخصيًا عميقًا مع الأسد، لكن أنقرة قد ترى رغم ذلك تقاربًا نهائيًا مع دمشق، كطريقة لسحق الطموحات الكردية وموازنة نفوذ الدول الخليجية العائدة.

خلاصة القول هي أن الأسد قد أصبح موضع اهتمام متزايد، حتى من قبل الأعداء السابقين، على أنه الوسيلة المركزية التي يمكن من خلالها التنافس فيما بينهم على النفوذ. يرى بعض المسؤولين في إسرائيل أن الأسد المعاد تشكيله هو أفضل وسيلة لإعادة النظام إلى الشمال، وإضعاف وجود إيران في البلاد.

رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي. آدم ألتان/ وكالة الصحافة الفرنسية عبر صور جيتي

هذا تحوّل ملحوظ سيستغله الأسد لتعزيز موقعه. وعلى الرغم من أن الأسد يواجه تحديات داخلية كبيرة، فإنه يواجه قيودًا أقل لاستعادة السيطرة على البلد بأكمله. كما سيكون لديه المزيد من الخيارات للمساعدة في دفع النمو الاقتصادي، ومنها الوصول إلى موارد النفط التي يسيطر عليها الأكراد الآن. ويمكن لدول الخليج أيضًا توفير التمويل لإعادة الإعمار، على الرغم من التهديد بفرض عقوبات أميركية.

على ضوء هذه المعطيات، يجب على الاتحاد الأوروبي تشكيل استجابة أكثر فاعلية بأسرع ما يمكن. قد يكون نفوذ الكتلة محدودًا، لكن الأوروبيين ما زال بإمكانهم فعل المزيد لتشكيل نتيجة أفضل في سورية.

وبدلًا من السماح للدول الفردية بالمضي قدمًا من جانب واحد، يجب على الحكومات الأوروبية أن تعمل معًا من أجل تعظيم نفوذها على الأسد، الذي يرغب في كسب الشرعية الدولية لانتصاره.

يمتلك القيام بذلك فرصة ضئيلة في إرغام الإصلاح السياسي العميق في سورية. لكن يستطيع الأوروبيون أن يستمروا بالسعي لتوجيه رغبة النظام في إعادة انخراط الغرب السياسي لتأمين مكاسب على مستوى أقل أهمية. ويمكن أن يشمل ذلك الوصول إلى المعتقلين، وضمانات ضد الاعتقالات والتجنيد الإجباري والاستيلاء على الممتلكات، وافتتاح قنوات للمعونة من دون عوائق، ومنها آلية يُمكن من خلالها للهيئات المحلية أن تكون بمنزلة منفذين مباشرين لدعم الاستقرار. يجب أن يركز الأوروبيون أيضًا على ضمان ألا يقوم النظام بأي هجوم على إدلب يوصل إلى حمام دمٍ آخر.

يجب على الأوروبيين الذين يحاولون الحفاظ على خط متشدد ضد الأسد، أن يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يأملوا ربحًا على طاولة السلام مما رفضوا مؤخرًا أن يقاتلوا لأجله في ساحة المعركة. لكن ما يستطيعون فعله هو أن يوضحوا، لأمثال إيطاليا، أن الأسد لا يجب أن يُعطى ما يريده مجانًا. وهذا من شأنه أن يفعل المزيد لمعالجة المصالح الأوروبية الأساسية أكثر من إعادة المشاركة غير المشروطة.

اسم المقالة الأصليNo time to go wobbly on Syria
الكاتب*جةليان بارنز داسي،JULIEN BARNES-DACEY
مكان النشر وتاريخهبوليتيكو،POLITICO،24/1
رابط المقالةhttps://www.politico.eu/article/eu-syria-policy-bashar-assad/?wpmm=1&wpisrc=nl_todayworld
عدد الكلمات928
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

* مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق