تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

طرد إيران من سورية عبر روسيا هل يمكن تحقيقه؟

صدرت تصريحات إيرانية تتهم روسيا بتعطيلها المقصود، عبر قواتها العاملة في سورية، لمنظومات الدفاع الجوي، في أثناء الضربات الإسرائيلية التي تطال القوات والميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية، وقالت إن الروس رفضوا تمكين جيش الأسد من تشغيل منظومات الدفاع الجوي (إس 300) التي زوّدت موسكو النظام السوري بها، واعتبرت التصريحات أن الخطوة الروسية وفرّت بيئة مساعدة لإنجاح الغارات الإسرائيلية، كما حدثت مؤخرًا اشتباكات في سهل الغاب، بين قوات تدعمها إيران وأخرى تدعمها روسيا.

من غير الواضح مدى تأثير هذه الاتهامات الإيرانية للروس في طبيعة العلاقة بين الطرفين، وهل هي ظواهر صوتية متفق عليها أم حالة صراع حقيقية بين الطرفين داخل الأراضي السورية، ولا يُعرف أهناك تعهّد روسي للولايات المتحدة بطرد الإيرانيين من سورية، أم لا، بعد قمة هلسنكي التي جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

محيي الدين بنانا، الأكاديمي السوري ووزير التربية والتعليم السابق في الحكومة السورية المؤقتة، قال لـ (جيرون): “أعتقد أن السياسة الأميركية، منذ مجيء ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، قد تغيرت في منطقة الشرق الأوسط كثيرًا، وخاصة العلاقة مع إيران، حيث إن الإدارة الجديدة ترى أن إيران تشكل خطرًا على المصالح الأميركية في المنطقة، وبما أنني أرى أن الهيمنة في المنطقة ستكون أميركية لمدة طويلة؛ فإن كل ما يجري هو تنفيذ للخطة الأميركية”.

وتابع: “الأميركيون هم من يصدرون الأوامر إلى الروس وغيرهم، للتمهيد للمرحلة الانتقالية في سورية، وبشكل آخر في العراق واليمن ولبنان، وعلى إيران أن تخرج من المنطقة وتعود إلى حدودها، وإلا؛ فستُوجّه لها ضربة قوية بكل الوسائل. وعلى هذا الأساس؛ فإن ما يحصل في سورية هو نتاج للأوامر التي تصدر من أميركا للروس في ما يتعلق بالوجود الإيراني، وتتجلى بين الحين والآخر بالاقتتال بين الضباط السوريين الموالين لإيران والآخرين الموالين للروس. وأرى أن الوجود الإيراني سيتقلص تدريجيًا في سورية. وأعتقد أنه لا بد من تنفيذ ذلك، وبالطبع عندما نتكلم عن الهيمنة الأميركية فهي بالتالي خدمة للمصالح الإسرائيلية أيضًا”.

أما الدكتور عبد الله لبابيدي، الأستاذ الجامعي، فقال لـ (جيرون): “بكل تأكيد، ستتطور الأمور إلى حالة صراع حقيقية بين الطرفين؛ لأن النظام السوري يدرك أن مصالحه مع الروس هي أفضل وأقوى، إقليميًا ودوليًا وعسكريًا، من استمرار مصالحه مع الإيرانيين، في ظل اشتداد العقوبات الدولية عليها، ومع ذلك هنالك تيار داخل النظام السوري مؤيد للوجود الإيراني ومدعوم عسكريًا واقتصاديًا من قبل الإيرانيين، بعد التغلغل العسكري والاندماج بين عدد من القطع العسكرية السورية والإيرانية، وبالتالي سيؤدي هذا إلى حالة صراع حقيقي، وهذا ما نسمع أنه يحصل في منطقة سهل الغاب، بين قوات مدعومة إيرانيًا وأخرى مدعومة روسيًا”.

وأضاف: “تعي روسيا تمامًا أن إيران تشكل خطرًا على استراتيجية روسيا في سورية، على المستويين العسكري والسياسي، وبالتالي عليها تنفيذ هذه التعهدات فمنظومات الدفاع الجوي، أثناء الضربات الإسرائيلية لدمشق، لا تعمل، وهي رسالة واضحة لإيران ودعم واضح للإدارة الأميركية بأن الروس يبذلون أقصى جهدهم لطرد القوات الإيرانية، وربما لن يستطيعوا ذلك، ولكنهم بكل تأكيد سيحجمون الوجود الإيراني، ولن يكون كسابق عهده، وهذه هي سياسة الكرملين، عبر عملية التوازن على الأرض السورية بين جميع الأطراف، إلا أن هذا الوجود من دون غطاء روسي سيبقى عرضة لمخاطر الاستهداف. ويبقى بقاء الأسد في منصبه هو الذي يُساوم عليه بين الأطراف المتنازعة على الأرض”.

أما عبد الرحيم خليفة، الكاتب السوري، فرأى أن روسيا “تملك تصورًا كاملًا للحل في سورية، وفق مصالحها وتعهداتها التي صاغتها بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية، وبمفردها، وهي، حتى الآن، تقاطعت مع إيران، ولكنها بدأت، في الآونة الأخيرة، تتناقض ولو جزئيًا مع إيران، وأعتقد أن إيران لن تذهب بعيدًا في تحدي روسيا، التي هي بأمس الحاجة إليها الآن أكثر من أي وقت مضى، في ظل ما تعانيه من حصار وضغوط أميركية، وما يتهددها من أزمات داخلية”.

وتابع: “روسيا راغبة في تحجيم الدور الإيراني في سورية، ولكن ليس إلى الحد الذي ينهي دورها كاملًا بالمنطقة، فهي لا تريد خسارة حليف قوي وسوق كبيرة لها. وعليه فإني أعتقد أنه سيكون هناك تفاهمات بين الطرفين، تحفظ مصالح الأطراف كافة من دون مواجهة عسكرية وسياسية مفتوحة تضعف الأطراف. وإيران تدرك في المآل حجم قوتها وإمكاناتها وستعمل على التخفيف من معاركها وصراعاتها في المنطقة تجاوزًا لهذه المرحلة الدقيقة من المواجهة بانتظار فرص قادمة. الروسي يحتاج إلى الإيراني والعكس صحيح، وبالأصل إيران تحاول فتح جسور حوار مع الغرب وإسرائيل، عبر أطراف عديدة للخروج من عنق الزجاجة. والتسويات الكبرى هي المنتظرة في المنطقة، وإن مرت عبر حالات كباش قوي وصدامات مضبوطة وتحت السيطرة”.

وقال الكاتب والمعارض السوري سامر كعكرلي: “منذ بداية التدخل الروسي في سورية، الذي جاء بعد فشل التدخل الإيراني في حماية نظام بشار الأسد، كان واضحًا للمتابع الدقيق لمجريات الأمور في سورية أن المشروعَين الروسي والإيراني في سورية مختلفان، وأنهما في طريقهما إلى التصادم. فالمشروع الإيراني هو مشروع توسعي فارسي عقدي أي يعتمد على العقيدة أو يتستر بها، ومن أحد وسائل هذا المشروع التغيير الديموغرافي، وهذا ما حدث -وما زال يحدث- في كثير من المناطق السورية، أما التدخل الروسي فيمكن أن نسميه تدخلًا مافيويًا يسعى لهدفين: الأول المال، وإعادة فرض الوجود الروسي على ساحة الصراعات الدولية. والثاني -وقد تحقق لروسيا وربما ترسخ- تأسيس قاعدتي حميميم وطرطوس. أما الهدف الأول وهو المال فقد تحقق في بداية التدخل الروسي في سورية، حيث أغدقت الأموال الإيرانية للمافيا الحاكمة في روسيا”.

وأشار إلى أنه “تحت ضغط العقوبات الاقتصادية على إيران وترنح اقتصادها؛ بدأ هذا السيل من الأموال بالجفاف، وتعلم روسيا أن المشروع الإيراني في سورية طويل الأمد ويحتاج إلى عقود، لتغيير عقيدة السوريين بالشكل الذي يخدم مصالح تأسيس الإمبراطورية الفارسية، وروسيا الدولة الكبرى لها مصالحها التي ربما يتفهمها المجتمع الدولي، الذي لا ينظر إليها كدولة مارقة، على عكس إيران التي يراها المجتمع الدولي بؤرة أزمات، كل ذلك تعلمه روسيا، لكنها كانت تنتظر فرصة للتخلص من إيران، وجاءت هذه الفرصة بالانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016 الذي أدى إلى انعطافة شديدة بالموقف التركي بعيدًا من الغرب وقريبًا من روسيا، فأصبح للروس متّكأ إقليمي لتنفيذ سياساتها بعيدًا من إيران، ولا سيما أن روسيا تعلم أن لا أطماع توسعية لدى تركيا، ولذلك فإن ما نراه اليوم من تصادم روسي إيراني على الأرض السورية ما هو إلا نتيجة طبيعية لما سبق”.

وأضاف: “نظام الأسد الذي هو خارج هذه المعادلات تمامًا يعلم أن روسيا المافيوية على استعداد لبيعه في أي لحظة مقابل صفقةٍ ما، على عكس إيران التي سوف تتمسك به لآخر لحظة، لأنه المفتاح الرئيس لتحقيق مشروعها الإمبراطوري سواء ببشار الأسد بشخصه أو عائلة الأسد، أما بالنسبة إلى روسيا، فإن الأسد ضرورة مرحلية فقط، لأنه ربما الوحيد القادر على الطلب من إيران الخروج من سورية، ولذلك فإن روسيا تحافظ عليه شكليًا، ولكنها في الوقت نفسه تعمل على إضعافه حتى يصل إلى مرحلة الموافقة على طلب خروج إيران من سورية، وبهذا تكون روسيا قد أوفت بالتزاماتها دوليًا وأميركيًا وأهم شيء إسرائيليًا، وما المعارك المحتدمة في سهل الغاب بين (الفرقة الرابعة) التي يقودها ماهر شقيق بشار الأسد، و(الفيلق الخامس) الذي صنعته روسيا سوى صورة مصغرة من الصراع الكبير بين روسيا وإيران، ولكن بأيادي سورية”.

الطبيب والمعارض السوري أحمد ليلى قال لـ (جيرون): “لا أظن أن روسيا تريد طرد الإيرانيين من كل سورية، بل هي تسعى لمحاصرة نفوذها في منطقة الجزيرة، حيث تنشط حركات التشييع، ويبدو أن روسيا مصرة على وضع يدها على (سورية المفيدة) وترك المجال للطيران الصهيوني جوًا، ثم للميليشيات التابعة لها برًا، لتساعدها في إتمام ذلك، وهذا الأسلوب الماكر الذي بدأت كثير من الدول التي تضع يدها في الشأن السوري تتبعه، هو درس تعلمته من أميركا التي مارست مثل تلك الألاعيب من قبل في أفغانستان ثم العراق، لذلك لا حاجة لروسيا أن تتورط في مواجهة مباشرة مع إيران تزعزع الحلف الذي تشرف عليه والذي ترسخ في حلف أستانا”، وختم: “لا تقوم روسيا بهذه العملية تنفيذًا لتعهد تجاه أميركا أو إسرائيل، بل تقوم باتباع مصالحها الاستراتيجية التي تهدف في النهاية إلى بسط نفوذها التام على (سورية المفيدة) تاركة بعض المصالح على الأطراف، لحليفتيها إيران وتركيا، ولإسرائيل أيضًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق