مقالات الرأي

إيران وأميركا.. صراع بنكهة التوافق

ليس من السهل تحديد طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من وضوح العداوة بينهما، بل لعل هذا الوضوح الكبير هو أحد العوامل الرئيسية في غموض كنه العلاقة بينهما، حيث يتجلى هذا الغموض بتعاون وتعايش بين الدولتين، وفق قاعدة توافق المصالح، وقد ظهر ذلك في أكثر من منطقة، وكانت نتيجته تدمير الدول التي تعاونت أميركا مع إيران فيها، وسورية ليست الضحية الأخيرة لصراع بنكهة التوافق.

فالدولتان، منذ سيطرة الخميني على الحكم في طهران، تتبادلان الاتهامات والتهديدات، بحيث أصبحت أميركا هي “الشيطان الأكبر” في أدبيات نظام الملالي، والصيحات التي تتمنى الموت والفناء لأميركا و”إسرائيل” تتصدر الاحتفالات والمسيرات في طهران. أما واشنطن، فردت بقطع العلاقات الدبلوماسية، وتطبيق الحصار الاقتصادي والسياسي على طهران، وصنّف الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، في مطلع 2002، إيرانَ ضمن دول “محور الشر”.

إذًا، حالة العداء والحرب، ما خفي منها وما ظهر، بين الدولتين لم تتوقف طوال 40 عامًا، ومع ذلك فهذه الحرب لم تمنع يومًا ما يمكن تسميته بتبادل المنافع، بدءًا بفضيحة “إيران غيت” أو “إيران كونترا”، كما يسميها البعض، التي كشفت عام 1986 عن صفقة ضخمة بين إدارة رونالد ريغان، الرئيس الأميركي وقتها، وطهران، قامت واشنطن فيها ببيع أسلحة وقطع غيار لطهران، مقابل قيام الأخيرة بإطلاق سراح رهائن أميركيين في لبنان.

في عام 2001، مع غزو أميركا لأفغانستان، برز الدور الإيراني في تقديم المساعدة للأميركيين، في حربهم ضد حركة طالبان الأفغانية، وهذا ما أكدت عليه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية، في إدارة بيل كلينتون، في معرض تعليقها لشبكة (إن بي سي) الأميركية على ضم بوش إيران لمحور الشر، حيث رأت أن العلاقة مع إيران معقدة، وأن واشنطن بحاجة إلى مساعدة طهران في أفغانستان.

العلاقة المعقدة مع إيران، وفق الوصف السابق، لم تظهر في مساعدة إيران لأميركا في احتلال أفغانستان وحسب، بل ستتحول إلى ما يشبه الصدمة حين تكشف رسائل أسامة بن لادن (التي كشفت بعضها المخابرات الأميركية) عن تعاون بين الأخير وطهران، وعن وجود قيادات تنظيم القاعدة في إيران، (القاعدة) التي قامت بسببها إدارة بوش، باحتلال دولتين هما العراق وأفغانستان.

من أفغانستان إلى العراق، تُظهر إيران مرة أخرى ترحيبها باحتلال العراق، وتعرض خدماتها، وهكذا بينما كان الجنود الأميركيون يدخلون بغداد، كانت ميليشيات عراقية تابعة لإيران تتشكل وتنمو، وتتجه إلى التحكم في مصير العراق.

التعاون الأميركي – الإيراني في العراق بدأ مع الغزو واستمر، وهكذا صارت الدولتان تتوافقان على اختيار رئيس الحكومة العراقية، وتتقاسمان مناطق السيطرة. والمدهش في الموضوع أن قاسم سليماني، العدو المفترض لواشنطن، كان هو من يقود العلاقة مع مبعوثي واشنطن في بغداد ويتفاوض معهم، كما كشف تقرير مجلة (نيويوركر) “قاسم سليماني: قائد الظل” الذي يكشف فصولًا من تعاون وتنسيق طهران مع الإدارة الأميركية، إبان غزو أفغانستان والعراق، وبدوره كشف السفير الأميركي السابق في العراق زلماي خليل زاد، في حديثه إلى صحيفة (وول ستريت جورنال) عن اجتماعات سرية سبقت إطاحة الرئيس العراقي صدام حسين، واستمرت بعد ذلك وصولًا إلى إطاحة حكومة إبراهيم الجعفري وتنضيب المالكي، بل كشف خليل زاد عن سماح أميركا لسليماني بالدخول إلى المنطقة الخضراء، لإقناع الجعفري بالتنحي، وكل ذلك يحصل بينما جورج بوش يصعّد تجاه إيران، ويضعها في محور الشر!

لا يمكن الإحاطة بكل وجوه العلاقة الأميركية – الإيرانية في مقال واحد، ولكن يمكن الإيجاز بأن تعاون طهران مع أميركا ساهم في تدمير دولتين على الأقل، فهل يمكن تطبيق النتيجة السابقة على سورية أيضًا؟

من الواضح أن باراك أوباما لم يهتم كثيرًا بسورية، ولم يكن متحمسًا لفكرة إسقاط نظام بشار الأسد، ولا سيّما أن “إسرائيل” تطالب بالحفاظ عليه، وذلك سيظهر واضحًا من خلال دور “إسرائيل” في صفقة الكيمياوي لإنقاذ أوباما من الحرج، وفي الوقت نفسه ضمان استمرار حكم الأسد.

نظر أوباما إلى ما يحدث في سورية من ناحية الضغط على إيران، لإجبارها على التوقيع على الاتفاق النووي، فيما نظرت إيران إلى سورية كفرصة كبيرة لكسر عزلتها الدولية، والضغط، من باب دعم الأسد، على أميركا وأوروبا للتطبيع مع طهران، وتخفيف الحصار الاقتصادي، وهكذا أرسلت إيران ميليشياتها إلى سورية بعلم الجميع وصمتهم.

حرب الابتزاز المتبادلة بين واشنطن وطهران أثمرت أخيرًا عن الاتفاق بخصوص نووي إيران، ومن ناحية أخرى أطلق العنان لإيران لتوسيع وجودها العسكري في سورية، وتحوله إلى احتلال حقيقي لأجزاء من سورية، بالتنسيق مع موسكو التي أرادت هي الأخرى نصيبها.

حاليًا، عادت الحملات الإعلامية إلى أشدّها بين واشنطن وطهران، ومع التصعيد الإسرائيلي في غاراته على مواقع إيرانية في سورية، يذهب البعض إلى التساؤل عن إمكانية توجيه ضربة موجعة إلى إيران، أو ربما حرب بمعنى من المعاني، ولكن يغيب عن هذه النظريات أن الوضع الحالي، المستمر منذ أربعين عامًا، يوفر لإيران وأميركا الكثير من المنافع التي لا ينويان التنازل عنها، ولا سيّما أن المتضرر دائمًا هي دول المنطقة فحسب، على الرغم من كل هذه الحملات الإعلامية، وكما دفع العراق وأفغانستان وقبلهما لبنان ثمنَ ما يسمّى العداء الأميركي – الإيراني، يدفع الشعب السوري حاليًا ثمن عداءٍ عمره أربعون عامًا، نتائجه تدل على أنه لم يكن يومًا عداءً فحسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق