ترجماتسلايدر

أورهان باموق: إذا أردتَ أن تعي الطبيعة البشرية؛ فعليك التجول في إسطنبول

(إسطنبول عند الغسق، كما تُرى من جسر غالاطا. تصوير أنطون بيتروس)

بطريقةٍ ما، إسطنبول “صنعَتني”. لقد أمضيتُ حياتي كلها في هذه المدينة التي حددتْ مسار حياتي، وكوّنتني، وربّتني. عندما بدأت الكتابة أول مرة، لم يكن في بالي حقًا أنني أريد أن أكون “كاتب إسطنبول”. كنتُ أريد أن أكون “كاتبًا جيدًا” وحسب.

يحتاج أي كاتبٍ جيد إلى قصص عن الناس، لاستكشاف إنسانيتهم. مثل جميع الكتاب، كنتُ أكتب عن أشخاص أعرفهم، عن ناسي، وعن الناس الذين قابلتهم في إسطنبول. كان ذلك في أواخر التسعينيات وحسب، عندما بدأت كتبي تُترجم إلى لغات أجنبية، حينئذ أدركتُ أن تلك الكتابة عن الناس الذين قابلتهم في مدينة إسطنبول حوّلتني إلى كاتب إسطنبول. قبل ذلك، كانت الكتابة ميلًا غير واعٍ.

قال بورخيس* إنه “لا يوجد جِمالٌ في القرآن”. هذا ليس صحيحًا تمامًا، ولكن ما عناه هو أنك عندما تدرك شيئًا يتعلق بهويتك إدراكًا جيدًا، وتدرك ما تفكر به الأمم الأخرى بعلاماتها ورموزها، فإن الوعي الذاتي يمكن أن يعوق شعورك بالأصالة. خلال النصف الأول من حياتي ككاتب، لم أدرك يومًا أنني أنتمي إلى إسطنبول. لكني في النصف الثاني منها، عملت على تأسيس متحف البراءة (2008)، وأدركت أنني أنتمي إلى هذا المكان، وأنني أحمل هذا الوعي/ الإدراك معي، وأنا أكتب اليوم. هذا الوعي المتغير قد غيّر نظرتي إلى المدينة.

في أول 20 عامًا لي، بوصفي كاتبًا، قبل ولادة ابنتي، كنتُ أكتب حتى الرابعة صباحًا، ثم أذهب إلى النوم وأستيقظ عند الظهيرة. اعتدتُ العودة إلى المنزل من شقتي الصغيرة (الأستوديو) في منتصف الليل. في تلك الساعة، تكون المدينة خالية، باستثناء مجموعة من الكلاب في الشوارع. وتبدو كما لو أنها مدينة مهجورة.

في السبعينيات والثمانينيات، لم تكن إسطنبول آمنة. في رأيي، في السبعينيات، كانت الشخصية الغامضة الوحيدة التي تمشي في شوارع المدينة في الليل، على علاقة باشتباكات عنيفة في الشوارع، بين مسلحي اليسار واليمين، والأشخاص الذين يعلقون الملصقات ويكتبون الشعارات على الجدران، وفي الثمانينيات، مع حظر التجوال الذي فُرض بعد الانقلاب العسكري، أنت تتبع ظل كلب على حائط هناك، وترى الشحاذين أو القطط الشاردة تُنقّب في سلة مهملات [حاوية] هناك، تقابل الناس عائدين ببطء من وردياتهم الليلية، أو ذاهبين إلى العمل في ورشات النسيج الصغيرة، خلف نيشان تاشي Nişantaşı [حي في منطقة شيشلي في الجانب الأوروبي من إسطنبول] ليفتحوها… في مدينة إسطنبول، الحياة لا تتوقف أبدًا.

حتى في أهدأ ساعات اليوم -في الساعة 4,30 صباحًا- تسمع عَنين قارب صغير على البوسفور، وصافرة عبّارة، وهدير محرك، وترى السكّير الأخير يتخبط في الطرقات، أو أوائل الناس الذاهبين إلى العمل. أذناي متناغمتان مع تلك الأصوات، وذهني يعي تحولاتها وحركاتها، وطريقة تحريكها للهواء، وهكذا، أيضًا، مع الخطوات الخفيفة للكلاب والقطط الشاردة.

وأنا أراقبُ كل هذه التفاصيل، أتخيلُ رجلًا كان يشرب -ربّما لأنه متعب أو غضبان أو حزين ومهموم- ويسير في ظلمة المدينة أو في شفقها، عبر الساحات والأزقة والدهاليز السريّة، فأتخيّل أن أصوّر العالم الداخلي لهذا الرجل، وأجعله الموضوع الرئيس لرواية.

ربما ذلك الرجل هو أنا، وربما نحن، لا فرق كلاهما سيّان. سيكون من المثير النظر إلى العالم من خلال عينيه. هذا الرجل في طريقه إلى البيت في الرابعة صباحًا، مثلي تمامًا… من أين هو آتٍ؟ وإلى أين ذاهب؟ هناك حالة رضًا في محاولة فهم هذا النوع من الأسئلة، وعادة ما يعني هذا أني قد بدأت تصوّر ذلك الرجل كجزء من حكاية، من حلم، من رواية ربما أكتبها يومًا ما. إذا بدأتُ بتخيل قصة رجل يسير وحيدًا في منتصف الليل، في شارع غريب وخطر، يعني أني بدأت أتخيل رواية جديدة.

ما زلتُ أقصد إسطنبول للتنزه. إحدى المتع التي تكسبها من وجود حارس شخصي هي أنك تستطيع أن تمشي في كل الأمكنة، في الشوارع الخطرة، وعبر الأحياء الخطرة والمخيفة. أنا أحب هذه المشاوير الطويلة، في النهاية، أنا روائي. بفضل حارسي الشخصي، أستطيع أن أرى المناطق الجديدة والبعيدة من المدينة التي لم يكن لديّ الشجاعة لأستكشفها وحدي. أو عندما أجتاز الفناء الداخلي لمبنى لم أره من قبل، قد أفكر في نفسي: “ماذا لو كان ملكية خاصة؟ ما زال بإمكاني المضي بمسيري؛ فحارسي الشخصي معي”.

الروائي أورهان باموق. ميكيل لوب/ توزيع صور جيتي

لقد قمنا -أنا وحارسي- ببناء علاقة طيبة الآن. أحيانًا سأمشي أمامه، ويتراجع هو بمعدل 50 مترًا، أو أقلّ من ذلك، المسافة تحددها ظروفنا. هناك بعض الأماكن التي أشعر فيها بالحرج من رؤيتي مع حارس شخصي، لذا أطلب منه: “من فضلك تأخر بعض الوقت”. أن تظهر مع حارس شخصي في الحيّ الذي كنت تعيش فيه سنين طويلة سيشعرك بشيء من الخجل، بنوع من الفشل.

لكننا في بعض الأحيان، نسير جنبًا إلى جنب ونتحدث. لقد أصبحنا أصدقاء. سأخبره عن التفاصيل التي اعتادتها المدينة، مثلما أُخبر قرائي. سأقول: “لقد هدموا ذلك المبنى، وبنوا هذا في مكانه، وكانت هذه الشوارع تبدو مختلفة تمامًا”. نتجول غالبًا في المدينة كسائحين، لقد تعلمت أن أستمتع بوجود حارس شخصي ورائي، بينما أكتشفُ الزوايا الخفية في المدينة، كيميائيتها الغريبة، وصمتها الداخلي وسحرها.

كان للناقد الأدبي الروسي فيكتور شكلوفسكي نظريّة: أن ما نسميه قصة هو في الواقع خيط يضم اللحظات والمشاهد والمواضيع التي نرغب في وصفها. تمامًا مثل الخيط، وفقًا لأرسطو، الذي يصل ما بين اللحظات ليشكّل الزمن. الرواية، أيضًا، هي خيط يصل ما بين اللحظات في قصة. عندما أمشي في إسطنبول، أرى تذكارات ماضيّ في المناظر الطبيعية، والأشياء، والمباني، ونوافذ المتاجر، والأشجار، والجدران، والصور من حولي، وكل منها محمّلٌ بذكريات خاصة. أثناء المشي في الشوارع، في النهار أو في الليل، أشعر أحيانًا كما لو أنني أتجول داخل المخطوطة الأولى لرواية أكتبها عن نفسي.

أحيانًا، عندما أشعر بالحماس لأجرب شيئًا ما مختلفًا، أتجهُ نحو مناطق إسطنبول الجديدة، وأقول لنفسي: “هذا الطريق سيقودني بالتأكيد إلى الاتجاه الصحيح”. أو قد نخطط مع أصدقاء: “دعونا نجتمع في ميدان تقسيم”، أو “أراك على الرصيف”. وبدلًا من الذهاب بالطريق القديم نفسه، سأختار شارعًا مختلفًا لم أمشِ فيه من قبل. أعتقد أن الجميع يفعل ذلك بين الحين والآخر. ولكن في بعض الأحيان أريد أن أشعر بالأمان، لذلك سأختار الطريق الذي مشيته مئة مرة قبل ذلك، وسأكون سعيدًا للغاية بأن أمشيه للمرة الأولى بعد المئة، إذا لزم الأمر.

صالون حلاقة قرب ساحة تقسيم في إسطنبول. أليكس ويب/ ماغنوم

الأمر نفسه مع تولستوي أو دوستويفسكي. هناك بعض المشاهد من رواياتهم المفضلة لديّ، وربما قرأتها مئة مرة، ويمكن أن أقرأها بسعادة مرة أخرى. هم مصدر أمان وقوة. كونك روائيًا يعني أنك على وشك البحث عما يبدو غير مألوف وغير مريح، وإيجاد مواضيع جديدة، وتحدي نفسك باستمرار لتتطور. لكن الرغبة في الكتابة مرتبطة أيضًا بالتّوق إلى الوطن، إلى الإحساس بأنك تمشي على أرض صلبة، في المكان الذي يشكل جوهر وجودك.

اسم المقالة الأصليWant to understand humanity? Take a stroll through Istanbul
الكاتبأورهان باموق،Orhan Pamuk
مكان النشر وتاريخهالتيليغراف،The Telegraph، 27/1
رابط المقالةhttps://www.telegraph.co.uk/books/non-fiction/orhan-pamuk-want-understand-humanity-take-stroll-istanbul/?fbclid=IwAR2LkO3bLMoAycufZydzwxmU_TLOxTxjfwcxd6SJQTtyFL5rXp70kCb4PLo
عدد الكلمات1043
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة
  • [خورخي لويس بورخيس 1899 -1986، كاتب أرجنتيني يُعدّ من أبرز كتاب القرن العشرين، فضلًا عن كونه شاعرًا وناقدًا] المترجم.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق