مقالات الرأي

اجتماع أثريا وصناعة الأوهام

لا يملّ نظام بشار الأسد من اللعب بالورقة العشائرية، وهي لعبة دأب عليها والده حافظ الأسد، منذ سبعينيات القرن المنصرم. المُغري في هذه اللعبة أن الغالبية العظمى من شيوخ العشائر في سورية هم من النوعية المطواعة المستعدة لتقديم أي شيء مقابل أي شيء.

وهنا يكمن مفتاح القضية، شيوخ العشائر بحاجة إلى نظام الأسد أكثر من حاجة الأخير إليهم؛ وذلك لاستعادة مجدٍ كان يشار إليه بالبنان، ضاع اليوم كما تضيع إبرة في كومة قش. حاجة شيوخ العشائر إلى النظام هي التي تفسر حضور أكثر من 500 شخصية عشائرية: شيوخ وأنصاف شيوخ وأرباع شيوخ، في اجتماع أثريا. وهذا يعني أن هناك عرضًا وطلبًا، العدد الكبير للحضور يؤكد -بما لا يدع مجالًا للشك- أن العرض كان كثيرًا جدًا؛ ما يعني أن قيمته في انهيار مستمر.

بعضهم أتى إلى الاجتماع، مع أنه ليس شيخ قبيلة، لكنه يطمح إلى ذلك على العموم. بعضهم أتى ليكتب تقارير أمنية بزملائه، وآخر أتى للاجتماع خوفًا من أن يكتب الشيوخ الآخرون تقريرًا أمنيًا به، بعضهم أتى خوفًا من أن يستولي على مشيخته أحدُ أفراد عشيرته الطامحين، آخرون أتوا من باب العلاقات العامة، وهناك من أتى بأوراق تحتاج إلى توقيع من مسؤول، علّه يعثر على من يساعده من دون أن يدفع. ولكن ما يُجمع الجميع هو الطموح إلى المكانة والوجاهة، وإذا كان هناك مكاسب أخرى، فإنها خير على خير.

المفارقة في الاجتماع أن الكل، شيوخ العشائر والنظام، يريد الحصول على ما لا يستطيع الحصول عليه، ويريد أن يبيع ما لا يمتلكه، يريد أن يأخذ دون أن يقدم أي مقابل، لأنه ببساطة لا يملك شيئًا يقدمه إلى الآخر. المشكلة تتحول إلى وضع فيه الكثير من السخرية؛ لأن الطرفين يعرفان هذه الحقائق أكثر من غيرهم.

لم يؤمن النظام الأسدي يومًا بالعشائر، وقد حرّض البعثيين عليها، بوصفها كيانات رجعية وعميلة ومعادية للأيديولوجية الاشتراكية. واكتشف حافظ الأسد أهمية العشائر في الثمانينيات، عندما استفاد من بعض العشائر في مواجهته مع الإخوان المسلمين في حماة. وكانت الاستراتيجية العامة لحافظ الأسد مع العشائر وغيرها من مكونات سورية هي التالية: إضعاف الجميع، ودفعهم إلى الارتماء بحضنه، ثم قطف ثمار ضعف الآخرين بكل الطرق.

أكبر المتضررين من اتفاقية سايكس-بيكو كانت عشائر بلاد الشام والعراق، حيث قسمتها تلك الاتفاقية إلى خمس دول مستقلة؛ الأمر الذي غيّر وضعها الاجتماعي والسياسي تغييرًا جذريًا. كما أن تولى الدولة مهام التعليم والاقتصاد والضرائب وحفظ السلم الاجتماعي أضعفَ دورَ شيوخ العشائر، وحوّل وجود العشيرة إلى وجود رمزي، يتعلق بالتضامن الاجتماعي والمودة وصلة الرحم لا أكثر. ومع ثمانينيات القرن المنصرم لم يعد شيخ العشيرة أكثر من شخصية اعتبارية، ليس له من صلاحيات تُذكر على أرض الواقع، الأمر الذي دفع غالبية المشايخ، بعد تلك التطورات، إلى القيام بتقديم خدمات اجتماعية لأبناء العشيرة، حتى يحافظوا على مكانتهم الرمزية، البعض الآخر أغرق نفسه في ديون كبيرة للمحافظة على مظاهر الوجاهة.

إذا عدنا للتحليل الأنثروبولوجي للعلاقة بين العشائر والدول في العصر الحديث؛ فإن العشيرة تقف ضد الدول الحديثة؛ لأن الدولة ستُنهي العشيرة لا محالة، وتأخذ كل وظائفها. ولكن لماذا يعمل نظام الأسد على إعلاء شأن العشائر؟! الجواب بسيط، لأنه ليس دولة، بالمعنى الحقيقي لكلمة دولة. ومع ذلك يبقى تعاون النظام والعشائر تعاونًا زائفًا، أولًا لأن النظام يستمد قوته من حلفائه العسكريين، وثانيًا لأن وجود شيوخ العشائر وجود شكلي بالنسبة إلى النظام، يشبه وجود الجمعيات الفلاحية و”القيادة القطرية”، دون أن ننسى “الجبهة الوطنية التقدمية”.

اندلاع الثورة السورية أسقط ورقة التوت عن شيوخ العشائر. ولم يكن لهم أي تأثير في خيارات أبناء العشائر، سواء في الوقوف مع الثورة أو ضدها. بعضهم فهم هذه التحولات، فترك الجمَل بما حمل، وبعضهم قرر مواجهة طواحين الهواء، فاستحق سخرية الجميع، الموالين قبل المعارضين، والنظام قبل الثائرين.

العشائر، بالنسبة إلى النظام، وسيلة لجلب الولاء. وهي وسيلة أرخص من الوسائل العسكرية، بحسب ميشيل فوكو. حيث إن كلفة اجتماع أثريا قد لا تساوي ثمن دبابة واحدة من صنع الثمانينيات.

ولكن قد يضطر المرء إلى شراء البضائع الصينية، على الرغم من عدم ثقته بها، إلى حين تأمين ثمن بضاعة أكثر جودة. اللافت للانتباه أن النظام الأسدي و(داعش) و(قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) تتعامل مع شيوخ العشائر بطريقة واحدة، والسبب أن الكل لديه الأهداف نفسها، والكل يعرف القيمة الوهمية لشيوخ العشائر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق