تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

المحظور الأسدي وتوظيفه إسرائيليًا

لا مجال للإنكار، ولا للمكابرة، بأن حصاد الميزان السوري في أعوام الثورة، تمّ اقتسامه بين قصر الطاغية في دمشق وتل أبيب، وإن طبشَت فيه كفة الأخيرة من الحصاد. لم يكن هذا الإنجاز حلمًا، بل كان حقيقة واقعة وواضحة للغاية، لم تكن بهذه الدرجة من الوضوح عبر تاريخ سورية، والصراع مع الاحتلال. لا مجال للغموض واللبس بأن هناك انطباعًا شاملًا في “إسرائيل” عن امتلاك جرأة كانت محاذير كثيرة تمنع من هدم أسوارها، حتى أعلن الأسد في دمشق حربَه المفتوحة على السوريين، من دون رادع أخلاقي أو إنساني وسياسي وعسكري واجتماعي، حين كانت المحاذير الصهيونية تُسرب بالقطارة، وتراكمت سبعين سنة، وجدت هذه المحاذير -في أعوام قليلة- تدفقها كشلال ضخم فجّره الأسد لينتهي إلى بحيرة الانتهاكات الصهيونية.

تجاوزت جرائم الأسد كل ما هو محظور من وجهة النظر الصهيونية، وما لم يكن باستطاعة الصهيونيين القيام به، فعَله لهم الأسد، لم ينتهك حقوق الإنسان، وحق الأسرى وغيره فحسب، بل داس على الإنسان وحرقَه وجرفَه مع تاريخه، وقطع نسل عائلات بكاملها، وجرف تاريخ مناطق، وداس على كل القيم الوطنية والأخلاقية والإنسانية، وأحدث طعنات كبرى متصلة بمفهوم التضامن، وفتّت قوى الأمة من الشرق إلى المغرب العربي، حتى باتت جرائمه موضع نقاش وانقسام على المستوى الدولي، لما فيها من أهمية. أساء إلى السوريين وطعن كرامتهم وشرفهم، عندما وظف أرذل الأبواق الإعلامية التي كانت تترك الملطشات الصهيونية لسيادة الأسد، وتتبنى رواياته لتنظيف جرائمه.

كل هذا مقابل لا شيء، أو على الأصح لكسر الحاجز النفسي لإكمال الجرائم، وفتح الطريق أمام التمدد الصهيوني، الذي أصبح الآن -في عهد الجرائم الأسدية- نوعًا من الانتصارات والاختراقات، التي يتم الحديث عنها في دمشق وتل أبيب. سيطرة الوريث المجرم بأدوات التدمير الشامل، وما تحققه السياسة الصهيونية من اختراقات بفعل “جودة” الجريمة والإرهاب، هي الأنسب في تاريخ الصراع، وبما أن الشيء بالشيء يذكر، وما دمنا في مجال الحديث عن العقد النفسية وتجاوزها، فلا بد من الإشارة إلى أن المحظور الأسدي، في تنوع الجرائم، هو الذي يلفت نظر المؤسسة الصهيونية لتوظيفها بالشكل المطلوب والمناسب.

من دون محاولة لإلقاء الأضواء على هذه النواحي، يصعب علينا أن نجد أي تفسير معقول لاحتفاء الطرفين بخطوات السيطرة الأسدية على المدن والحدود، والاختراق الإسرائيلي لجبهات عربية، ليس هناك مجال للشك في أن نظام الأسد الابن، وماضي الأسد الأب، لم يكتفيا بإسباغ شرعية على الجرائم الصهيونية، بل ساهما في تطويرها وجرأتها إلى الحدود القصوى، حتى باتت مرجعًا يتفنن العقل الصهيوني بالتهكم على الحالة العربية، انطلاقًا من هذا التوظيف.

لقد أثبت الأسد الابن للإسرائيليين أنه مهما كانت جرائم الاحتلال وجولات العدوان والاختراقات، فهي لن تزحزح هدفه بالقضاء على أي نهضة تهدد مستقبل الاحتلال، ذلك أنه منحَ الفكرة التوسعية والإجراءات العنصرية وقوانين السطو والتطهير العرقي، مسحةً من الابتكار الذي تستطيع العقلية الصهيونية النهل منه لعقود قادمة، وأن التخلص من طاغية بوزن الأسد سيجر “إسرائيل” إلى كارثة حتمية في المستقبل.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد من التوظيف الإسرائيلي، بعدما أدركت المؤسسة الصهيونية فائدة الإبقاء على نظام الأسد، لجعل المجتمع السوري معاقًا وغير ذي جدوى، من خلال الاستثمار في بطشه، وخوفًا من كوارث بررها النظام، وبشّر العالم كله بضرورة بقائه، بعد توظيفه إرهابًا غير مسبوق على السوريين، حيث أصبح الكل يعلم أن مستقبل الأسد مع السوريين لا جدوى منه ولا فائدة، على كل المستويات، إلا في حالة واحدة لا علاقة لسورية والسوريين بها، مسألة تتعلق بقواعد ميزان المصلحة الصهيونية.

تعلم موسكو وطهران وكلّ الغرب أن النظام لن يأتي بمستقبل يكون فيه للسوري مواطنة ووطن يقوم على الحرية والكرامة واحترام الذات، ولو كان الهدف كذلك؛ لرحل الأسد من ثمانية أعوام، وأنقذ السوريون ملايين الأرواح، لكنه تعلّم من الصهيونيين، وعلّمهم بشاعة متبادلة في التوظيف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق