مقالات الرأي

“قيصر” ومحاسبة النظام الأسدي

لم يتوقف النظام السوري، منذ اندلاع الانتفاضة، في آذار/ مارس 2011، عن استخدام العنف والقوة المفرطة -بحسب تعبيرات القانون الدولي- ضد المدنيين السوريين. وتشهد البلاد استخدامًا منظمًا لوسائل العنف الأشد، من قِبل النظام الاستبدادي الحاكم، ضد الشعب بسبب المطالبة بالحريات والحقوق، من ضمنها أسلحة يُحظر استخدامها ضد المدنيين: الكيمياوي، والعنقودي، والمقذوفات الفتاكة ذات التدمير العالي، وعلى الرغم من كل الإجراءات والتدابير التي طالبت بها/ أو فرضتها الأمم المتحدة، والولايات المتحدة بصورة خاصة، لحماية المدنيين، فإن جرائم النظام في تصاعد مستمر، من دون أن يتم وقف تلك الجرائم، أو الحدّ منها، بأي وسيلة كانت.

هل يمكن وقف المذابح التي تطال الشعب السوري حقًا؟ وهل أضحت الظروف مؤاتية اليوم، لاتخاذ إجراءات جادة لحماية السوريين؟ بعبارة أدق: هل هناك إرادة دولية للقيام بذلك؟!

لا شيء مما نشهده اليوم، يحمل مؤشرًا حقيقيًا على ذلك. النتائج حاسمة: إزاء كل محاولة لاتخاذ موقف دولي محدد، مما يحدث من جرائم موجهة ضد المدنيين؛ ثمة تعطيل لأي قرار أو إجراء عبر المنظمة الدولية، باعتبارها المظلّة التي يجب أن تجري المحاسبة في إطارها، من خلال تغعيل القوانين التي تعتمدها. استخدام روسيا والصين لحق النقض، عدة مرات، هو واحد من أساليب عديدة، تحول دون التجريم والإدانة، بنص واضح ذي قوة قانونية.

لم تتمكن قوى المجتمع الدولي من التوصل إلى صيغة تجبر فيها نظام الأسد على الامتثال لقواعد القانون الدولي الآمرة، بشأن حماية المدنيين. ظلت الجهود محصورة في نطاق أحادي ضيق، تتمثل بالإجراءات العقابية التي اتخذتها دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وتمثلت بعقوبات دبلوماسية، وسياسية، واقتصادية. وعلى الرغم من أهميتها، في عزل النظام الأسدي، فإن فاعليتها أيضًا كانت وما تزال محدودة. حيث استطاع النظام السوري، بدعم من موسكو وطهران ودول أخرى حليفة له، التخفيف من آثار تلك العقوبات.

في حقيقة الأمر، لم يتأثر النظام الأسدي بالصورة التي تجبره على الالتزام بالمعايير الدولية بشأن تحييد المدنيين أثناء العمليات العسكرية. كان وما يزال يستهدف في صميم جرائمه العمد تجمعات المدنيين، بصورة عقابية للمجتمع السوري، لكونه تجرأ على المجاهرة بالمطالبة بوقف الانتهاكات المنظمة لحقوقه العامة. لم ترقَ الإجراءات الدولية، إلى درجة فرض الإلزام بها، كما لم يكن عملًا جماعيًا يعبر عن إرادة دولية مشتركة، لحماية السوريين.

تعقيدات الوضع السوري لعبت دورًا مهمًا في تمكين النظام من الإفلات حتى اليوم، من محاسبته على الجرائم التي يرتكبها، فقد أصبح تدخل أطراف دولية وإقليمية، عسكريًا وسياسيًا وأمنيًا، يقود إلى تغاضيها عن الجرائم التي ترتكب، خاصة في ظل التطور الذي نجم عن صعود التنظيمات الإرهابية في سورية، (القاعدة) و(تنظيم الدولة الإسلامية)، ما قاد إلى تحوّل نوعي في سياسات دول رئيسة كالولايات المتحدة، والاتجاه نحو محاربة (داعش)، من دون أن تأخذ في الاعتبار أن ما يقوم به النظام الأسدي هو إرهاب دولة منظم ضد الشعب السوري.

يُعدُّ قانون “قيصر لحماية المدنيين في سورية”، الذي جدّد مجلس النواب الأميركي العمل به -قبل أسبوع- لمدة عشر سنوات، أحد أهم الإجراءات التي يتم اتخاذها على الصعيد الدولي، ضد النظام السوري، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. ومع أن واشنطن دفعت به نحو التطبيق، فإنه واجه عقبات عديدة، داخل المؤسسات التشريعية الأميركية، ومع ذلك نجحت الإدارة الأميركية في تمريره، وتمديده إلى عشر سنوات، الأمر الذي يوضح أن القانون لم يكن ناجعًا بما يكفي لإثبات فاعليته، أو الحصول على نتائج ملموسة، للهدف الذي أقرّ من أجله، كما نصت عليه حيثيات القانون: “وقف ذبح الشعب السوري بالجملة، وتشجيع التوصل إلى تسوية سياسية عن طريق التفاوض، وإخضاع منتهكي حقوق الإنسان السوريين للمساءلة عن جرائمهم”.

النتائج الأولية، لعامين من نفاذ قانون قيصر، تشير إلى أن شيئًا لم يتحقق البتة. بعض العقوبات التي طالت عددًا من قادة النظام السوري، المرتبطين بارتكاب الجرائم، لم تؤد غرضها. وفي الأصل هي غير كافية، بما فيها الإجراءات العقابية الاقتصادية والمالية.

لم تتوقف المذابح الجماعية، واستمر النظام السوري، مدعومًا من القوة العسكرية الروسية والإيرانية، والميليشيات العسكرية الطائفية، والأجهزة الأمنية، في القيام بعمليات قتالية تعتمد القصف الجوي للمناطق المدنية، بصورة منتظمة، بهدف تدميرها، وإجبار قاطنيها على الفرار، أو القبول بسيطرة النظام، أو مقتلهم جميعًا: أي استمرارالمذابح الجماعية.

في ما يتصل بالنقطة الثانية من غاية القانون، على الرغم من أن حيثياته تلحظ أن “مسار الانتقال السوري وقيادته في المستقبل قد تعتمد ما تفعله الولايات المتحدة وشركاؤها، لإنقاذ حياة السوريين وتخفيف المعاناة ومساعدة السوريين في تحديد مستقبلهم”؛ لم يحدث أي تطور على صعيد الجهود التفاوضية، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية. لقد توقفت المفاوضات وفق مسار جنيف، ونجحت موسكو في وقف دور الأمم المتحدة التفاوضي، لصالح بناء مسار آخر عملت على جعله الإطار التفاوضي الوحيد، متمثلًا بمسار أستانا، الذي قاد إلى توسع عمليات موسكو العسكرية، وتمدد سيطرة النظام على مزيد من الأراضي “المحررة”، والابتعاد كليًّا عن عملية التفاوض الأساسية المتصلة بالانتقال السياسي، وبناء المستقبل في سورية.

وثالثًا، فإن أحدًا من “منتهكي حقوق الإنسان في سورية” لم يخضع، حتى اليوم، لأي مساءلة قانونية، عن الجرائم المرتكبة في سورية. لم تطرح الولايات المتحدة أية أفكار، بشأن تنفيذ هذه الفكرة، وما يزال أمر إحالة ملف الجرائم الأسدية إلى محكمة الجنايات الدولية، أمرًا غير قابل للتنفيذ، في ظل شرط الإحالة عبر مجلس الأمن. واشنطن قادرة على الذهاب إلى الجمعية العامة للامم المتحدة، في حال توفر رغبة أكيدة في وقف جرائم النظام السوري، ومساءلته أمام محكمة دولية، أو محكمة خاصة بجرائم الحرب في سورية.

لا يمكننا الوثوق بالحدّ الأدنى، بما يمكن أن تقوم به إدارة ترامب من إجراءات فعّالة لتطبيق القانون، خاصة في ما يتصل بفرض عقوبات على داعمي الأسد وحلفائه، وشركات وأشخاص تلعب دورًا مهمًا في التمويل، وفي تزويد النظام بالسلاح والمعدات الأخرى، في المجالات التي يلحظها القانون.

من اللافت أن القانون يتيح الذهاب إلى فرض منطقة حظر طيران، حيث يستوجب الأمر. لكن ذلك لم يكن مطروحًا في أي وقت، منذ صدور القانون عام 2016. وفي الوقت الحالي لا نعتقد أن الأمر ممكن، خاصة في ظل الخلاف المعروف بشأن الاقتراح التركي حول المنطقة الآمنة شمال سورية، التي اقترحتها عام 2013 بهدف حماية المدنيين، قبل أن تتحول إلى خطة لإبعاد التنظيمات الإرهابية (ميليشيات وحدات حماية الشعب) عن الحدود التركية.

قانون “سيزر”، وإجراءات أخرى من قبل قوى دولية وإقليمية، لن تكون مؤثرة بالصورة التي تؤدي إلى حماية السوريين ووقف قتلهم الجماعي، إذا لم تتوفر إرادة مشتركة أميركية – دولية، للقيام بذلك. وسيبقى دون المأمول به سوريًا، في ظل غياب آليات وإجراءات قانونية واضحة، لمحاكمة مجرمي الحرب، وحفظ ما تبقى لدى السوريين من دماء وأرواح، يُمعن النظام الأسدي وحلفاؤه، في هدرها، بالبشاعة التي تجري بها في كل وقت، بلا رادع أو خوف من المحاسبة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق