سلايدرقضايا المجتمع

ما هي الديمقراطية التي نريدها؟

منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011 حتى اليوم، وهي على مشارف انقضاء عامها الثامن، كان الهدف الرئيس لجمهور عريض من السوريين المتمردين، أو على الأقل غير المتوافقين مع النظام القمعي، هو التحول إلى الديمقراطية، ولكن ما هي تلك الديمقراطية؟ وما هي المرتكزات الإجرائية “القانونية” والسياسية والاجتماعية التي يجب أن ترتكز عليها؟ هذا المحور -مع الأسف- لم يأخذ أي جدية في النقاش حتى يومنا هذا. إن الديمقراطية في كل الأوراق التي تم عرضها، على أساس أنظمة بديلة من قبل المعارضة، كانت رومانسية أو غير مباشرة في تعريفها.

لم يملك السوريون إلى اليوم تعريفًا لفهمهم المشترك للديمقراطية، فكيف يكون السبيل عبرها إلى إعادة بناء بلدٍ تمزق، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وجغرافيًا؟ خاصة أن إعادة البناء تلك تتم في وقت وصلت فيه الديمقراطية -على المستوى العالمي- إلى أقصى درجات الوهن، متضررة من أذرع جديدة للسوق أكثر طولًا وأشدّ إحكامًا على المجتمعات، من خلال الفورة التكنولوجية الهائلة التي تمنح هذه السوق تعريفًا جديدًا ومختلفًا، وطبعًا تزيل عن الديمقراطية كل تعريفاتها السابقة، في وقت عدم جهوزية تعريفات أخرى تكون قادرة على استيعاب الإيقاع السريع والجنوني لتغول السوق.

تحاول هذه المادة مناقشة التعريف الأمثل لـ “ديمقراطية سورية”، بمعزل عن التأثيرات والإملاءات الخارجية، أي تعريف يتناسب مع المجتمع والدولة السورية القادمة، بغض عن النظر عن المآلات التي ستفضي إليها حالة السعار الدولي حول سورية.

ولأن المادة لا تريد أن تشطح بعيدًا في المقارنات بين ديمقراطيات موجودة في العالم، وتطبيقها بأسلوب غبي سياسيًا على المجتمع السوري؛ فإننا نستعين بالديمقراطيات الموجودة في المنطقة العربية ذات النسيج الاجتماعي، والهم الثقافي الأكثر شبهًا بالمجتمع السوري، ولأن النظام الديمقراطي هو نظام مبني على مجموعة من القوانين التي يتم من خلالها تحديد من هو المخوّل في اتخاذ القرارات الجماعية، ووفق أي إجراءات، كما ذهب إليه المفكر الإيطالي نوربيرتو بوبيو، وأن يضمن هذا النظام الاختيار الحر للحاكمين من قبل المحكومين، فيمكننا أن نضع العراق ولبنان وتونس، في عداد الدول الديمقراطية.

إن الديمقراطية في العراق ولبنان، وهي الدول الأكثر قربًا للتركيبة الاجتماعية السورية، تتم السيطرة عليها تمامًا من قبل أوليغارشية مافيوية، تُلبِسُ الجماعات التقليدية عبر الأحزاب لبوسًا حداثيًا رديئًا، ولكن تلك الديمقراطية في المقابل لا تقدم أي ميزة إيجابية للمجتمع، وعلى سبيل المثال، في العراق كانت ميزة الاستقرار القائم بقوة القمع الوحشية -في مرحلة الاستبداد البعثية- تُعد نقطة للنظام الدكتاتوري على النظام الديمقراطي الحالي، ويكمن العطب الرئيس في توافر نظام ديمقراطي غير معني بالتنمية الديمقراطية للمجتمعات، التي يحددها قبل كل شيء المستوى المعيشي والصحي ومستوى التعليم والبرامج الثقافية والسياسية التي يتمكن أعضاء المجتمع من حيازتها أو الاطلاع عليها، وهو ما يجعل النظام الديمقراطي في تلك الدول الضعيفة عبئًا آخر على الشعب، وتتراجع تلك الديمقراطية أمام جماعات متغولة ومتسلطة تختفي خلف لافتتها، وتدير ثروات البلد، وتحوّلها إلى المصالح الشخصية، دون أي إدارة راشدة للمجتمع، ولو في أدنى مستوياتها، وبالتالي تسقط إحدى أهم غايات الديمقراطية، وهي قدرة العام على مواجهة الخاص، وعند هذه المرحلة فإن الديمقراطية تعاني ما سماه المفكر الفرنسي آلان تورين “أزمة التمثيل السياسي”، وهو شعور المواطنين بعبثية تمثيلهم، وأنهم ليسوا سوى ناخبين يتم تذكرهم في مرحلة الانتخابات فحسب، وينقسم المجتمع إلى فئتين معينتين: الأولى منضوية تحت الولاء للحزب، وتقوم بانتخاب أي مرشح لذلك الحزب، بغض النظر عمّن هو ذاك الأحمق الذي ينتخبونه، وذلك الولاء ينطلق من الولاء للطائفة أو القومية أو الدين الذي يمثله ذلك الحزب، كما في العراق ولبنان. والفئة الثانية هي التي تعزف عن المشاركة في الانتخابات نهائيًا، لشعورها بعدم جدوى التمثيل، وهذا ما ينطبق على الشباب التونسي، حيث تراجعت نسبة المشاركة في الانتخابات تدريجيًا، في الانتخابات التشريعية والبلدية 2011-2014، والبلدية عام 2018.

لا شك في أن الديمقراطية هي حكم الأغلبية، ولكن التنمية الديمقراطية للمجتمعات تضمن نجاح الديمقراطية، من خلال تحديد مفهوم الأغلبية في المجتمعات، وذلك يأتي قبل كل شيء من قدرة النظام الديمقراطي على خلق وعي لدى المواطنين، بأنهم جميعًا متساوون أمام الدولة، ومسؤولون عن النظام الاجتماعي، أي أن يكون قادرًا على إقناع المواطنين بضرورة الدفاع عنه، كنظام يحقق مصالح الجميع، وأن زواله أو انحرافه، تحت مسميات مختلفة ابتداء من “السيادة الشعبية” وليس انتهاء “حماية الأقلية”، لن يكون إلا تهديدًا مباشرًا وشخصيًا لمصالح المواطنين، أي شعور المواطن بمسؤوليته تجاه نجاح هذا النظام ومساهمته الفاعلة، بشكل مباشر وغير مباشر، من خلال الترشح أو التصويت، وفهمه أن كل صوت زيادة في الصندوق يعني أن النظام أكثر ديمقراطية.

الأنظمة السياسية الديمقراطية ليست قادرة على تحقيق الاستقرار والسلم الأهلي، دون دمقرطة المجتمعات، ومهمة المجتمعات تأخذ دورًا أكبر في باحة التأثير المباشر يومًا تلو آخر، فلم يعد البرلمان المسؤول الوحيد عن التشريعات وتحديد سياسات الدول، وتمثيل مصالح الجماعات المختلفة في المجتمعات، بل باتت منظمات المجتمع المدني، على اختلاف نشاطاتها وتوجهاتها، صاحبةَ تأثير يتزايد يوميًا على تعريف الديمقراطية، وبات كثير من تلك المنظمات اليوم، بطريقة غير مسبوقة، مصدرًا رئيسًا للتشريعات، سواء أكانت تلك المنظمات خاضعة لرأس المال أم فاعلة ضده.

في سورية، يمكننا أن نتصور نظامًا ديمقراطيًا قد تتسنى له فرصة الظهور، في أي وقت في المراحل اللاحقة، ولكن لا يمكن أبدًا أن نتصور نظامًا ديمقراطيا ناجحًا دون التنمية الديمقراطية الواضحة والفاعلة في المجتمع، وهي حتى اليوم لم يتم مناقشتها بصورة جدية على المستوى السياسي، ولا إيجاد آليات عملية لها على المستوى الاجتماعي، وإن ظل الوضع على حاله؛ فسيكون الانتقال -في حال حدوثه بغض النظر عن شخص الأسد- انتقالًا من “نظام الأسد الدكتاتوري” إلى “نظام الأسد الديمقراطي” من حيث تأثيره في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمواطنين السوريين.

لعل التعريف الأفضل للديمقراطية في سورية أن تكون نظامًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، قادرًا على خلق التنسيق والتناغم بين مكونات المجتمع السوري ذي التنوع الثقافي الغزير (الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى حالة تشظ ثقافي)، وعلى إيجاد مرجعية واحدة للجميع -أفرادًا وجماعات- ترتكز بشكل رئيس على القانون وحقوق الإنسان والعلم.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق