سلايدرقضايا المجتمع

التغير المناخي والثورة السورية

تشير التقارير الصادرة عن مؤسسات علمية رصينة، كوكالة (ناسا) لشؤون الفضاء، إلى أن شرق البحر المتوسط شهد، في العقدين الماضيين، أسوأ موجة جفاف منذ 900 عام. وهي الموجة التي بدأت عام 1998، ووصلت إلى ذروتها بين عامي 2007-2010، ويُعزى سببها إلى ظاهرة “التغيّر المناخي” العالمية.

ثمة أكثر من دراسة تخلص إلى أن التغير المناخي الذي أدى إلى موجة الجفاف والتصحر كان له أثر في تصاعد حدة الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة، في المرحلة الماضية، ومن ضمنها الحالة السورية. لكن الأبحاث الغربية التي تتناول هذه القضية غالبًا ما يكون لها هدف آخر: تجاهل سياسات القمع والقهر والإذلال التي مارسها النظام البعثي، منذ مجيئه إلى السلطة، ذلك أن حديثها عن الأثر المناخي يُقصد من ورائه رفع المسؤولية عن كاهل النظام، وتحميل مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية، لقوى الطبيعة وحدها.

إذا سلّمنا بصحة ما تحمله تلك التقارير والدراسات من معلومات واستنتاجات؛ فإننا نرى أنها تتجاهل أن التغيرات المناخية لم تكن لتؤدي إلى ظهور اضطرابات اجتماعية، أو تفجر الثورة، لولا غياب البرامج الحكومية لمواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية، وغياب أي استراتيجية للتنمية الاقتصادية؛ حيث إن الحكومة السورية، في تلك المرحلة، لم تقم بأبسط الإجراءات التي تفرضها عليها التزاماتها أمام مواطنيها، فقد كانت مهتمةً، بناء على توجهات رأس النظام، بخصخصة القطاع العام، وتسريع وتيرة الانفتاح الاقتصادي، وكذلك رفع الدعم عن الفئات الأكثر فقرًا، وتقليص الدعم الحكومي للقطاعات الحيوية، كالتعليم والصحة والزراعة، أي: انتهاج سياسة نيوليبرالية، في ظل نظام شمولي يفتقر إلى أدنى مقومات المحاسبة والشفافية، في مقابل الاهتمام الكبير بقطاع الخدمات غير المنتج أصلًا، الذي تركز بيد البرجوازية الطفيلية الصاعدة. وهي سياسات فاقمت تأثير الجفاف في حياة المواطنين.

ما جرى حقيقة أن الجفاف المترافق مع سوء إدارة النظام البعثي للموارد الطبيعية، أدى إلى ترك مئات الآلاف من أهالي الجزيرة السورية والفرات مناطقهم، ولا سيّما بعد أن تأثرت زراعة القمح والقطن تأثرًا كبيرًا. وتشير التقارير إلى أن ثلاثة أرباع المزارعين السوريين عانوا انخفاضًا حادًا في محاصيل الحبوب، الأمر الذي كان من نتائجه تزايد نسبة الفقر في الريف السوري. وقد كان من الممكن أن تؤدي الإدارة الجيدة إلى التخفيف من حدة الجفاف وآثاره، فالأردن -مثلًا- عانى المشكلة ذاتها، ولكنه واجهها بإدارة جيدة، عملت على الحد من آثارها الاجتماعية والاقتصادية.

لا جدال في أن المشكلة البيئية هي مشكلة حديثة نسبيًا، طفت إلى السطح في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ولا جدال أيضًا في أن الحكومات السورية المتعاقبة منذ الاستقلال لم يكن لديها أي اهتمام بيئي على الإطلاق، وأنها لم تكن مهتمة حتى بحماية الثروة الحيوانية لديها، حيث قتل الصيد الجائر أكثر من مليون رأس من حيوان (المها العربي) الذي بقيت قطعانه حتى منتصف الخمسينيات ترعى في البادية السورية، من دون أن نغفل أيضًا عن أن معدل الأمطار السنوية شهد انخفاضًا مستمرًا، منذ منتصف القرن الماضي.

النتيجة التي تخلص إليها التقارير أن المنطقة تتجه شيئًا فشيئًا إلى أن تصبح أكثر جفافًا من ذي قبل، لتتحول في النهاية إلى منطقة صحراوية. إذا وضعنا هذا العامل المناخي بجانب المشكلات الاقتصادية والسياسية الموجودة؛ فإن المستقبل يبدو مظلمًا، ولا سيما أن ما تختلف فيه سورية، عن نظيراتها في دول الخليج العربي، أن هذه الأخيرة لديها مستوى عال من التكنولوجيا، يساعدها في قهر الطبيعة الصحراوية، وتخفيف آثارها المتعددة، عبر تحلية الماء، واستثمار فائض الطاقة الذي يمكنها من مواجهة درجات الحرارة المرتفعة، وهو ما تفتقده سورية بسبب فشل خطط التنمية، وترهّل الأجهزة الحكومية وإهمالها، وهي عوامل تجعل الجفاف أكثر تأثيرًا في حياة الناس، بحيث تغدو معه الحياة أكثر صعوبة، بل تصل إلى حد المستحيل.

صورة المنطقة في المستقبل القريب تبدو قاتمة، على ضوء التقارير الدولية التي تتناول التغيرات البيئية في منطقة شرق المتوسط، ولا سيّما في ظل أزمة شح المياه التي رأينا آثارها في العراق، خلال الصيف الفائت، حين قامت إيران بقطع كل الأنهار الفرعية التي تصبّ في نهر دجلة؛ فسببت ارتفاعًا في درجات الملوحة في شط العرب، وهو ما تجلى في أزمة مياه حادة، خلال أشهر التحاريق في البصرة، أنذرت بكارثة اجتماعية وصحية كبيرة.

في ما يتصل بالصراع السوري، يبدو أن الاتفاق الأميركي-الروسي الذي جرى في أثناء الحملة على تنظيم (داعش) من قبل قوات التحالف الدولي، وقوات النظام السوري والميليشيات التابعة له، يتضمن بذورَ تقسيم واضح للبلاد، بما في ذلك مصادر الماء والطاقة، فقد اقتُسمت تركة (داعش) بحيث تكون للنظام المنطقة الممتدة من الخفسة شمالًا إلى غرب الطبقة، وهي المنطقة التي توجد فيها المحطات التي تغذي حلب بالماء، ومحطات ضخ المياه للمشاريع الزراعية في مسكنة. في حين بقيت السدود الرئيسة الثلاثة (تشرين والفرات والبعث) بيد حلفاء أميركا من قوات (قسد)، مثلما بقيت في يدها حقول النفط على امتداد منطقة الفرات والجزيرة. أعني أن كل طرف سيكون مكتفيًا بموارده المائية، ولن يشعر في المستقبل القريب بالحاجة إلى تعاون مع الطرف الآخر، في قضية استثمار المياه في نهر الفرات.

غير أن هناك أكثر من مثال عالمي، على أن انعدام الأمن المائي ربما يدفع الأطراف المتصارعة إلى الدخول في مباحثات جدية، في سبيل الوصول إلى تفاهمات قد تؤسس لحالة من الاستقرار النسبي التي تتحول بفعل الزمن، وإنهاك أطراف الصراع، إلى أرضية مشتركة لحل سياسي، أو للبحث عن القواسم المشتركة التي تؤسس لصيغة حكم لامركزي، تلعب فيه أطراف الصراع المحلية أدوارًا مؤثرة. غير أن مثل هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة الأسدية، بوصفها سلطة لا تقبل الآخر نهائيًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق