سلايدرقضايا المجتمع

تشريع الغدر بقانون

قراءة في المادة 14 من قانون الأحوال الشخصية الجديد

الملاحظات على التعديلات الأخيرة، في قانون الأحوال الشخصية السوري، كثيرة، وهي بالفعل تعكس الإحباط من عجز النظام السوري، عبر ستين عامًا من الحكم التقدمي والاشتراكي والثوري والعلماني، عن إضافة تطور حقيقي تجاه إنصاف المرأة، على الأقل على المستوى الذي أنجزه نظام أمير المؤمنين المغربي ذي المرجعية الفقهية الدينية البحتة، وحقق فيه إنصافًا غير مسبوق للمرأة في مدونة الأحوال الشخصية في المغرب.

وكي لا يتم تسييس المسألة، فأنا لا أشعر بأن في التعديل الجديد أي مؤامرة، ولا أجندة خفية يراد تمريرها، ولا أسرارًا مكتوبة بين السطور، ولا انتقالًا من الدولة العلمانية إلى الدولة الدينية، ولا انتقالًا من الدولة الدينية إلى الدولة العلمانية، بل هو سياق عادي للمذهب السلحفاتي في التطوير الذي يمارسه النظام في سورية منذ عقود، وذلك بتأجيل الملفات الفاترة وركلها، وعدم التورط في الدفاع عن التنوير، إذا كان سيؤدي إلى قلق المزاج الشعبي للحاضنة الدينية التي تقودها العمائم الموالية للنظام، مهما كانت طروحاتها ساذجة ومتخلفة.

في التعديلات الأخيرة لقانون الأحوال الشخصية المادة 14، حاول المشرع أن يحقق إصلاح شروط العقد، لكنه لم يجرؤ على أن يقترب من الشرط الجوهري الذي يحقق الطمأنينة للأسرة، وهو اشتراط منع الزوج من التعدد إلا برضا الزوجة الأولى، وهذا الشرط جوهري في حياة الأسرة، فالمرأة لن تحس بالاستقرار وهي تشعر بأنها مهددة بالتعدد في أي لحظة، بناء على مزاج ذكوري خالص يحميه القانون، وبالتالي يمكن أن يتم في أي لحظة دخول شخص جديد في حياتها، يقاسمها نصف ما بذلت فيه عمرها وشبابها، من دون أن ينتظر رأيها ولا موافقتها. وهذا في الواقع أكبر ما يهدد استقرار الأسرة، ويؤسس لعلاقة من الريب وسوء الظن، وهي غالبًا ما تبدأ بالعلاقة السرية التي تستلزم سلسلة طويلة من الكذب والنفاق واختراع المعاذير، وتنتهي بوقوع الفأس في الرأس وفرض الواقع الجديد.

عبارة النص الجديد للمادة 14 الفقرة (أ): “لكل من الزوج والزوجة أن يقيد عقد الزواج بشروطه الخاصة التي لا تخالف الشرع والقانون”. والفقرة (ب): “إذا قيد العقد بشرط ينافي نظامه الشرعي أو مقاصده؛ فالشرط باطل والعقد صحيح”.

ومع أن المادة لا تنص صراحة على نفي هذا الشرط، لكنها أيضًا لا تنص صراحة عليه، ومن المؤكد أن القضاة -وفق المذكرة الإيضاحية للقانون واجتهادات محكمة النقض- سيذهبون بكل تأكيد إلى اعتبار اشتراط المرأة أن لا يتزوج عليها هو الشرط الباطل، لأنه المقصود مباشرة بعبارة: ينافي نظامه الشرعي ومقاصده، وبناء على ذلك؛ سيتم تطبيق الفقرة الغادرة في القانون، وهي: “يصح العقد ويبطل الشرط”!

ويظل التبرير التقليدي لمنع هذا الشرط أنه يشتمل على تحريم ما أحلّ الله!! وهذا في الواقع توصيف غير دقيق البتة، والوصف الشرعي الاعتباري لذلك هو أنه امتناع فردي عن مباح، وليس تحريمًا لحلال أو تحليلًا لحرام، وهو حق طبيعي للفرد في الشريعة، كما أن ولي الأمر يحق له -بالإجماع- أن يمنع بعض المباح لمصلحة شرعية.

وهكذا كرر القانون رفضه حق الزوجة الأولى أن تحظى بزوج خليّ، تبني حياتها معه بإخلاص، وعاد إلى الإصرار على عدم منحها هذا الحق، وبدلًا من ذلك منح الرجل حق الغدر بها، وقام بحمايته قانونًا من الغدر، فلو توافق الزوجان على عدم التعدد، واشترطا ذلك في العقد ووثقاه في المحكمة، ثم شاء الرجل أن يعدد، فإنه يصح العقد ويبطل الشرط!

مؤلم أن يذهب القانون إلى هذا الخيار الظالم، ويأذن بالغدر، مع أن صريح القرآن الكريم يقول: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا}، والقرآن الكريم يقول: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}، والسنة الصحيحة تقول: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به النساء).

والعجيب أن مشايخنا باتوا يرون التعدد أصلًا تُبنى عليه الشريعة، وأن اشتراط المرأة على زوجها الالتزام بالزوجة الواحدة، يعدّ تبديلًا في الدين ووهنًا في اليقين، مع أن هذا الاشتراط منصوص عليه مباشرة، في فقه إسلامي كريم هو فقه الإمام أحمد بن حنبل، وهو من أشد فقهاء الإسلام التزامًا بأحكام الشريعة.

بل إنه هو الشرط نفسه الذي كان رسول الله يشترطه على أصهاره في العقد، وقد ثبتَ في السنة الصحيحة أنه اشترط على أصهاره: أبي العاص، وعثمان، وعليّ، أن لا يتزوجوا على بناته، وهو شرط التزمه عليهم وراقبهم فيه، وحاسبهم عليه.

في صحيح البخاري، أن الرسول الكريم غضب أشد الغضب، حين علم بنيّة علي بن أبي طالب التزوج على فاطمة، وفي نص الحديث عن المسور بن مخرمة، أن فاطمة جاءته مغضبة وقالت: تزعم قريش أنك لا تغضب لبناتك! وهذا عليٌّ يريد أن يتزوج عليَّ فتاةً من بني المغيرة. وعلى الفور صعد المنبر مغضبًا، وقال إن بني المغيرة يريدون أن يزوجوا عليًا على ابنتي فاطمة؛ فو الله لا آذن، والله لا آذن، والله لا آذن!!! ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس (عثمان بن عفان) وقال: وعدني فوفى، وفي رواية أخرى: ثم ذكر صهره أبا العاص بن الربيع، وقال وعدني فوفى!

هؤلاء الثلاثة هم أصهار النبي الكريم، وقد أخذ عليهم المواثيق أن لا ينكحوا على بناته، وهذا هو الواضح من روايات البخاري ومسلم، وغيرهما في الصحاح.

ولعل قائلًا يقول: فما بال النبي نفسه قد عدد ما يشاء، وجوابي بوضوح هو أن النبي الكريم لم يعدد! نعم، إنه لم يعدد قط على زوجته أم عياله خديجة، وهي أسرته المستقرة التي كرّس حياته لها، ومع أن خديجة كانت تكبره بخمسة عشر عامًا، وقد أوهنها المرض وهي أمّ لثلاثة ربائب من زوجيها السابقين: هند بن النباش وعتيق بن عائذ، إضافة إلى بناته الأربعة منها، فإنه ظل -على الرغم من ذلك- وفيًا غاية الوفاء لهذه المرأة الكريمة، حتى ماتت، ولم يجرح قلبها يومًا بكلمة، وحين ماتت، حزن عليها أشد الحزن وعاف النساء كلها، وسمّى العامَ “عامَ الحزن”، ورفض الزواج بعدها ألفَ يوم.

أما التعدد الذي وقع بعد ذلك، فهو في الواقع لم يكن غدرًا بأي امرأة، ولم يكن اعتداء على أسرة مستقرة، وكان مفهومًا تمامًا للمخطوبات، بدءًا من أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة، وهي سودة بنت زمعة، وكانت امرأة ثبطة ثقيلة مسنة، وكان من الواضح أنها لن تكون زوجة خلية له، ولذلك فإنه حين تزوج عائشة، نزلت سودة بنت زمعة عن ليلتها لعائشة. وهذا هو السياق الطبيعي في زواج كهذا، ولم تكن أي من نسائه اللاتي اختارهن بعد سودة تجهل هذا الواقع، وكنّ جميعًا يعلمن أنهن يشاركن في دوحة مفتوحة من الزواج على قواعد العرب آنذاك، وذلك قبل أن يحدد الشرع التعدد بأربع.

متى سنكف عن اعتبار رأي العمائم الغاضبة هو الخيار الوحيد في هذا الفقه الإسلامي؟ ومتى سندرك أن الفقه الإسلامي ليس ركامًا من الموروث الصلب العصي على الحداثة، بل هو منجم غني وغزير للاجتهادات الفقهية الواقعية المتنوعة، فيه الأبيض والأسود وما بينهما، ويمكننا اختيار ما نشاء منه، نتقبل منهم أحسن ما عملوا، ونتجاوز عن سيئاتهم، واختيار الرجل قطعة من عقله.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق