تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

القمة العربية في تونس: القشة التي يتعلق بها نظام الأسد

تحتضن تونس الدورة الثلاثين لجامعة الدول العربية، في آذار/ مارس الحالي، وتعدّ “عودة نظام بشار الأسد في سورية” إلى الجامعة، من أبرز القضايا المطروحة، بعد التطورات التي شهدها الملف السوري على الأرض وعلى المستوى السياسي.

بهذه المناسبة، تشهد تونس جدلًا لافتًا للنظر، بين أنصار الثورة الذين يرون استضافة الأسد والسيسي عارًا على الثورة التونسية، وبين أنصار بشار الأسد الذين شرعوا في حملات دعائية تبشر بما تسميّه “انتصار نظام الممانعة على قوى الإرهاب”، ولا يستنكف هؤلاء الأنصار عن التبجح بما ارتكبه بشار في حق الشعب السوري من مجازر، بل إنهم يجدون الجرأة لاعتبار ذلك جزءًا من المعركة، ضد ما يسمونه “المؤامرة الدولية على المقاومة”. ويفتخر هؤلاء بما يطلقه عليهم أنصار الثورة السورية من أوصاف، مثل وصفهم بـ “الشبيحة” و”آكلي الفستق الإيراني”، في إشارة إلى الدعم الذي تقدّمه لهم البعثة الإيرانية في تونس، مقابل الترويج لما يقوم به بشار وحلفاؤه في سورية.

وفي حقيقة الأمر، يعود هذا الجدل الدائر في تونس حول الملف السوري، إلى بدايات الثورة التونسية زمن حكومة الترويكا، بقيادة “حركة النهضة” ذات المرجعية الإسلامية والرئيس الحقوقي من يسار الوسط محمد المنصف المرزوقي، الذي سارع بعد تسلمه مقاليد الحكم إلى قطع العلاقات مع نظام بشار، واستضافة مؤتمر “أصدقاء سورية” على أرض تونس.

ولهذا الجدل بعدان: بعد سياسي داخلي يخص التوازنات السياسية التي تحكم المشهد الحزبي في تونس، خاصة في أثناء الحملات الانتخابية، وهو موجه بالأساس ضد حركة النهضة ذات القاعدة الشعبية الأكثر انتظامًا وانتشارًا، وبعد فكري/ قيمي يخص الموقف من قضية الحرية والتحرير. وهذا البعد الثاني هو البعد الأكثر حضورًا في خلفية الصراع، وقد تداخل في توظيفه عوامل كثيرة أهمها عامل الصراع الأيديولوجي الذي لم يضع أوزاره بين الفاعلين السياسيين في تونس بعد، والعامل الخارجي الذي تغذيه الدول المعادية لثورات الربيع العربي، وتضغط بقوة من أجل إفساد مخرجات هذه الثورات خاصة في تونس منشأ الربيع.

ويمكن أن نجمل هذا البعد في السؤال التالي: أيهما أولى؛ معركة الحرية التي تقتضي مواجهة النظام السياسي الداخلي المستبد أم معركة التحرر التي تفرض تأجيل المعركة مع النظام المستبد، إن لم يكن التحالف معه من أجل تحرير الأرض من الاحتلال الصهيوني؟

وهي معادلة أثيرت منذ خمسينيات القرن الماضي، تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، ووقَع توظيفها من قبل الأنظمة العربية الرسمية، من أجل التحكم في مقدرات الشعوب والانفراد بالسلطة، ويقع توظيفها من جديد، بصيغة مختلفة قليلًا، في النظر إلى ما يجري على الأرض السورية.

ونكاد نجزم هنا بأن الدول التي تدعم هذا الاتجاه من العرب المعادين لثورات الربيع العربي، لا علاقة لهم بالبعد القيمي والفكري في هذا الجانب، بل بما يضمن لهم من مكاسب آنية عاجلة تمنع انتشار عدوى حركة الشعوب إلى بلدانهم؛ ذلك أن آخر اهتماماتهم مواجهة العدو الصهيوني وتحرير فلسطين.

وهذا الدعم السخي الذي تبذله هذه الدول وجَد من يتلقفه في تونس، ويوظفه في الصراع الداخلي ويبشر به أيضًا، ومن هؤلاء قيادات في أكبر النقابات العمالية في تونس: الاتحاد العام التونسي للشغل، ونواب في البرلمان، ونقيب الصحفيين التونسيين الذين زاروا بشار الأسد، وعبّروا له عن مساندتهم، ويقودون حملات دعائية في تونس لدعمه. وهؤلاء هم من أقصى اليسار أو من القوميين البعثيين، وآخر حملاتهم الدعائية كانت الترحيب بالمشاركة المرتقبة لبشار الأسد في القمة العربية المنتظرة، في آذار/ مارس الحالي التي ستنعقد في تونس.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن النظام الرسمي التونسي، ممثلًا برئيس الجمهورية المسؤول الأول عن الدبلوماسية التونسية، منخرطٌ بالكامل في المحاولات العربية الرامية إلى إدماج نظام بشار الأسد في النظام العربي الرسمي من جديد، من دون اعتبار لخصوصيات تونس ولا لاستمرارية الدولة التي تفترض الحفاظ على الخط العام للسياسة الخارجية، بصرف النظر عمن يقود دفة الحكم.

لكن يبدو أن الرئاسة التونسية غيرُ مبالية بخط السير المنظم لسياسة الدولة التونسية، في هذا الإطار، وهي ما تزال في حالة قطيعة مع نظام بشار، ومردّ هذه اللامبالاة -في تقديرنا- ردة فعل ذاتية من الرئاسة على فشلها في معركة التوازنات السياسية والحزبية الأخيرة التي سعت فيها لإقصاء رئيس الحكومة ولم تسايرها بعض الأحزاب، وعلى رأسها “حركة النهضة” التي قادت حملة القطيعة مع نظام بشار وحملة مساندة الثورة السورية.

غير أن هذا التقدير -على وجاهته- يُجابَه بموقف مستجد عبّرت عنه حركة النهضة مؤخرًا، ودعت فيه إلى الحوار بين مختلف مكونات الشعب السوري، ولم تستبعد نظام بشار مثلما كان الشأن في مواقفها السابقة، وهو ما اعتبره متابعون للشأن السياسي التونسي تحولًا جوهريًا في موقف حركة النهضة من المسألة السورية.

تختلف الآراء في تفسير أسباب هذا التحول، لكننا نذهب في اتجاه الرأي الذي يربط موقف النهضة بموقف الدول الفاعلة في الشأن السوري عمومًا، وخاصة بمن تربطهم علاقة جيدة بالحركة وعلى رأسهم تركيا وقطر.

لا يبدو الوقوف عند أسباب تغيّر موقف النهضة مهمًا، بالنسبة إلى مقالنا هذا، بقدر ما يهمنا تجميع خيوط الموقف التونسي العام من الثورة السورية، والنظر في دلالاته وأثره المستقبلي.

وبصرف النظر عن التفاصيل، نعتقد بأننا إزاء معركة قيمية رمزية، تخوضها الجهات المعادية للثورة منذ قيامها، تستهدف تبخيس كل معاني الثورة وقيمها الجديدة من أجل تيئيس الشعب منها، وبخاصة ما تعلق بالأمن والإرهاب، وإبراز الحاجة إلى نظام شمولي يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة، وهو موقف تقاطع مع مصالح نظام بشار الذي أحسن توظيف علاقاته القديمة مع قيادات سياسية ومدنية تلقت تعليمها في سورية، ولها ارتباطات فكرية ومالية مع النظامين الإيراني والسوري، كما تقاطع أيضًا مع مصالح الدول المعادية للثورة، مقابل “ضعف” في موقف القوى المساندة للثورة، تجاه هذه المعركة الرمزية، مرده -في تقديرنا- الضغوط الخارجية المسلطة عليها، وانخراطها في سياسة المحاور التي تفرض تعديل الموقف بحسب موقف المحور الذي تنتمي إليه.

لا نعتقد أن حضور بشار أو السيسي في قمة تونس المقبلة لجامعة الدول العربية، سيغير شيئًا في معادلة الثورة والثورة المضادة، ولن يضيف شيئًا إلى النظامَين السوري والمصري؛ ذلك أن الجامعة العربية هي كيان ميت بالضرورة، ثم إن قمة لبنان الاقتصادية أيّدت مسبقًا ما نعتقد أنه سيكون في قمة تونس، وقد زاد توتر العلاقة بين السعودية والإمارات من جهة، والمغرب الأقصى من جهة أخرى، مؤشراتِ فشل القمة المنتظرة في تونس، لكن الأمر سيزيد تأجيجَ الجدل الداخلي فحسب، بين أنصار الحرية التونسيين الذين يعتقدون جازمين بأنه لا يمكن أن ننتصر لقضايا الأمة، ما لم يتحرر الفرد أولًا من نير الاستبداد، وبين أنصار الاستبداد الذين ما يزالون متشبثين بشعاراتهم القديمة: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، من دون أن يخوضوها، وما زالوا يحتفظون بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق