تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تفجيرات إدلب وإرهاب الدولة

لم يتبق مما سُمِّي بمناطق “خفض التصعيد” الأربعة إلا منطقة واحدة، وكما هو معلوم، يجتمع فيها كل أبناء الثورة وحاضنتها، وإذا اعتبرنا أن الأستانيين -كما صرّحوا مرارًا وتكرارًا- حققوا انتصارات غير مسبوقة، من جهة حماية الحاضنة الشعبية للثورة، ووقف إطلاق النار وتحقيق الأمن والأمان؛ فإن أهالي إدلب والمناطق المحررة، ومعهم من يراقب المشهد السوري، لم يروا أي انتصار من هذه الانتصارات التي تبجح بها مجموعة ممن تسلقوا الثورة واغتصبوا تمثيلها.

منذ بداية اتفاقات ما سمّي خفض التصعيد، لم يمرّ يوم إلا كانت صواريخ وقذائف الأسد وحليفيه، الضامن الروسي والضامن الإيراني، تنهمر على السوريين، بل كان هذا مبررًا لتسليم المناطق الثلاث، لمن باع واتفق مع أعداء الثورة، وهو يعرف أن هؤلاء لا عهد لهم ولا ميثاق.

على الرغم من كثرة الوعود وتباين التصريحات التي تدلّ بوضوح على أن شيئًا ما يُتّفق عليه في كواليس أستانا وسوتشي، لا يخدم مصالح الشعب السوري وثورته؛ تستمر البازارات السياسية على قدم وساق، وتُطبّق المقايضات بحذافيرها تحت غطاء إعلامي محسوب على الثورة، سمح لبعض “الأستانيين” بمساحات واسعة على الشاشات، للحديث عن إنجازاتهم الوهمية، وللتغطية على اتفاقاتهم المذلة. وها هي النتيجة تظهر للعيان من دون رتوش، فما يحدث الآن في إدلب، من مجازر عبر القصف الدقيق للمدنيين وعمليات التفجير المبرمجة، يدلّ على أن الأسد وحلفاءه ماضون في مجازرهم، ومتوغلون في دماء شعبنا إلى النهاية، وهذا الإجرام غير المسبوق هو ما يُسمّى حسب تعريف الإرهاب وأنواعه “إرهاب الدولة المنظم”.

يُطرح سؤال مهني في هذه الحالة، عن الغاية من هذه الجرائم، ولعل من تابع مجريات العملية السياسية، منذ مؤتمرات جنيف حتى الآن مرورًا باجتماعات أستانا وسوتشي، يجد الجواب بسهولة؛ لأن جميع المُؤتمرين متفقون على إجهاض الثورة، كلٌّ لهدفٍ وضعه نصب عينيه، وبما أن هؤلاء متفقون على الهدف النهائي؛ فيجب أن يجدوا سيناريوهات متعددة للوصول إلى مبتغاهم، خاصة أن الأمر في الشمال السوري لم يعد في يد من فاوض باسم الثورة، واتفق مع المجتمع الدولي على وأدها، مقابل مشاركة في حكومة تحت إمرة الأسد ونظامه، ونتيجة وجود قوة شعبية لا يُستهان بها، وُلِدت بعد الإرهاصات التي رافقت تسليم المناطق المحررة.

الأسد اليوم من أمامهم، والمتآمرون من خلفهم، ولا بد من القيام بالضغط على الحاضنة الشعبية للثورة، من خلال القصف المنهجي والعبوات المفخخة على المدنيين حصرًا؛ بهدف إرهاب هؤلاء من جهة، وأملًا في إعطاء ذريعة لبعض قادة الفصائل لإجراء مصالحات، كما جرى في باقي المناطق بالسيناريو ذاته. وإن عدم استهداف مقار أي من الفصائل الموجودة في المناطق المحررة أو الجبهات، من قبل عصابات الأسد وحلفائه، يؤكد هذه النظرية، وهذا هو التكتيك الذي اتُّبع قبيل السيطرة على المناطق المحررة، في حلب والغوطة الشرقية ودرعا والقنيطرة والشمال الحمصي.

أما مَن هي الجهة المنفذة لهذه الجرائم الإرهابية، فلعلّ من يقوم بالقصف المدفعي والجوي على المدنيين معروفٌ لدى الجميع، إلا أن من يقوم بزرع العبوات بين المدنيين في الساحات العامة والأسواق الشعبية، لا يمكن تحديده بالأدلة والبراهين القاطعة، ومن خلال معرفة أهداف هذه التفجيرات، يتبيّن أن من يقوم بهذه العمليات الإجرامية هم ثلاثة أذرع للأسد وحلفائه: الذراع الأول هو بقايا تنظيم (داعش) الإرهابي، الذي ثبت أنه صناعة مخابراتية إيرانية أسدية عراقية، وأنه مخترق من كافة أجهزة المخابرات المنغمسة في القضية السورية. والذراع الثاني هو الخلايا النائمة المدربة تدريبًا عاليًا، والمناطق المحررة تعجّ بتلك الخلايا في ظل عدم وجود أجهزة أمنية محترفة، يمكن أن تحد من فعالية هذه الخلايا. أما الذراع الثالث -وهو الأخطر على الإطلاق- فهو بعض ضعاف النفوس المتغلغلين في فصائل الثورة وأجسامها السياسية، ممن اشترتهم بعض أجهزة المخابرات لتنفيذ أعمال كهذي، في حال تنفيذ هذا السيناريو، وعجز الذراعين السابقين عن تنفيذ هذه الجرائم.

مختصر القول أن من يدّعي محاربة الإرهاب نجده إما منفذًا له، بأبشع صوره وأخطرها، ألا وهو إرهاب الدولة المنظم، وإما داعمًا له، وهذه هي القضية التي غفل أو تغافل عنها من مثّل الشعب السوري في المحافل الدولية، ونسي إرهاب الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين وميليشياتهم، وركّز فقط على بعض الفصائل المتطرفة التي صنعها الأسد وحلفاؤه بذريعة محاربة الإرهاب.

للتوضيح أكثر، ولتذكير هؤلاء وغيرهم، يجب العودة إلى أصل الإرهاب وتعريفه الذي نادى به كثيرون في أروقة الأمم المتحدة وغيرها، من دون أن يجد آذانًا تصغي ولا تتهرب من تحديد تعريف حقيقي للإرهاب ومفهومه، لتستمر الأنظمة في ممارسته ضد شعوب العالم بحجة محاربته، فإرهاب الأفراد والجماعات لا يرقى إلى مستوى إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه كثيرٌ من الدول بأبشع صوره، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، ضد الشعوب التواقة إلى الحرية والكرامة والازدهار، وكثيرًا ما شاهدنا الإرهابَ الاقتصادي والاجتماعي والعسكري يُمارس على دول وشعوب، لتطويعها والسيطرة على ثرواتها، وإعادتها إلى بيت الطاعة، لتبقى شعوب العالم الثالث مسيطرًا عليها ومنهوبة ثرواتها، يحيط بها الجهل والفساد والتخلف من كل حدب وصوب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق