مقالات الرأي

سورية ليست مساحة جغرافية بل وطن

كانت باحثة الآثار الإنكليزية جيرترود بيل “الخاتون” رسميًا مستشارةً للمندوب السامي البريطاني في عراق عشرينيات القرن المنصرم، ولكنها عمليًا كانت ممثلة بريطانيا في العراق، ولديها شبكة من العلاقات الواسعة مع السياسيين العراقيين في ذلك الحين، بمن فيهم الملك فيصل نفسه. كما كان لديها تواصل نشط مع الفعاليات المجتمعية، ولها بصمات واضحة على تشكيل الدولة العراقية الحديثة، وترسيم الحدود بين العراق وسورية، وذلك بالتعاون مع توماس إدوارد لورانس. ومن ألقابها “ملكة الصحراء”. أما مناسبة هذا الحديث فهي التذكير بما كانت قد كتبته عام 1907 حول سورية في كتابها (The Desert and the Sown).

ترى جيرترود بيل أن سورية تضم تجمعات وقبائل مستعدة لذبح بعضها، لا تربط بينها أي مشاعر وطنية. أهل المدن يميزون أنفسهم من البدو، ولا يوجد أي انتماء وطني. إذا ما سألت أحدهم “من أين أنت”؛ قال لك “أنا من دمشق أو حلب”. سورية هي مجرد مساحة جغرافية، لا تثير مشاعر وطنية تنبض في صدور السكان.

أما لورانس، فقد وصف سورية هكذا: “كانت سورية على مدار التاريخ ممرًا بين الصحراء والبحر، وكانت ساحة حرب بين الشعوب الكبيرة في محيطها، شعوب من آسيا الصغرى ومصر واليونان والرومان، ومن الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين”. وقال: “وما شهدَته سورية من استقرار، من حين إلى آخر، كان بفعل ضعف الجيران”.

واللافت أن لورانس يرى هو الآخر أن سورية تضم مجموعة من المكونات الدينية والمذهبية والقومية التي لا تكنّ الود لبعضها، وتتوزع في مناطق جغرافية موزعة في الجنوب والشمال والغرب.

وإذا أمعنّا النظر في ما ذهب إليه اثنان، أسهما في رسم ملامح الكيانات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة سورية والعراق، وكانا على تواصل في ما بينهما، ومن المطلعين على تاريخ وجغرافية المنطقة، والباحثين في ميدان آثارها، كما كانا على اتصال مباشر في الوقت ذاته مع دوائر القرار البريطانية، وإذا درسنا بعمق ما ذهبا إليه، وربطنا ذلك بين ما يحدث الآن؛ فإننا سنصل إلى نتيجة فحواها أن القوى الكبرى هي التي كلفت حكام المنطقة بتسيير شؤون الكيانات التي رسمت حدودها بخطوط مستقيمة، وزوايا حادة وقائمة، وذلك بناء على المساومات التي كان تجري بينها، والتوافقات التي يتم التوصل إليها بناء على المصالح المتبادلة.

لم تكن رغبات السكان موضوع أي اهتمام أو اعتبار، فقد كانوا -في منظور القوى المعنية- مجرد مجموعات متصارعة، مختلفة في ما بينها، لا يربطها أي شعور وطني مشترك. هذا في حين أن السوريين أثبتوا وحدتهم وتضامنهم، إبان ثورتهم الكبرى التي كانت تطالب برحيل الاستعمار الفرنسي، وهي الثورة التي وحدت بين السوريين في جميع الأنحاء، وتجاوزت كل الحدود الدينية والمذهبية والقومية.

ولكن لورانس نفسه عاد ليقف إلى جانب الملك فيصل، وسانده في دعوته إلى تأسيس دولة عربية انطلاقًا من دمشق، العاصمة غير الرسمية لسورية الطبيعية في ذلك الحين، على أن تضم الجزيرة العربية والعراق أيضًا. ولكن يبدو أن المصالح التي تقاطعت بين البريطانيين والأسرة الهاشمية لم تستمر طويلًا. ولم تكن الدعوة القومية، التي شجعها الإنكليز، سوى وسيلة لتعبئة سكان المنطقة ضد السلطة العثمانية التي كانت تحكم باسم الخلافة الإسلامية. وحينما تعارضت مصالح فرنسا مع هذه الدعوة، وجد فيصل نفسه مضطرًا إلى التسليم بإنذار غورو، والانتقال إلى العراق، بحماية ورعاية البريطانيين الذين كانت مصالحهم تستوجب التفاهم مع الفرنسيين، هذا على الرغم من استمرار الوضعية التنافسية بينهما.

ودخلت فرنسا إلى سورية تحت ذريعة الانتداب، لتمارس احتلالًا هدفه السيطرة على الساحل السوري بالدرجة الأولى، وذلك لتعزيز وجودها في حوض البحر المتوسط، وكان هذا الأمر يمثل حلمها منذ أيام نابليون. كما كانت تبحث عن النفط الذي تحتاج إليه صناعتها، على حد تعبير كليمنصو، رئيس الوزراء الفرنسي في ذلك الحين.

ولتثبيت سلطتها، لجأت فرنسا إلى القاعدة الاستعمارية المعهودة: “فرّق تسد”. وكان تركيزها في المقام الأول على المكونات الدينية والمذهبية، خارج نطاق الأغلبية السنية. بل كانت تعتبر نفسها منذ القرن الثامن عشر حامية الكاثوليك الذين كان يعيشون ضمن المناطق التابعة للدولة العثمانية، وتعمل باستمرار على التوغل في لبنان وسورية عبر البعثات التبشيرية والتعليمية. فأنشأت دولة لبنان، ودولة العلويين، ودولة الدروز، ودولتين للسنّة في كل من دمشق وحلب، ولم تكتفِ بدولة واحدة لهم، وهذا أمرٌ لافت بذاته، ولم تشكل دولة قومية، للعرب ولا للكرد، على الرغم من أن عدد الكرد في ذلك الحين كان يزيد على عدد العلويين والدروز. وهذا يجد تفسيره في الحساسية الفرنسية من الأيديولوجية القومية بصورة عامة، لأسباب داخلية وخارجية، وذلك خشية انتقال العدوى إلى مستعمراتها في أفريقيا الشمالية، ويشار هنا إلى تونس والجزائر والمغرب.

ومع خروج الفرنسيين من سورية، بعد نضال شاق خاضه السوريون بمختلف انتماءاتهم، وفي سائر جهاتهم من أجل الاستقلال، جاءت ظروف الحرب العالمية الثانية لتساعدهم في بلوغ هدفهم، من خلال الاستفادة من تعارض مواقف الدولة الكبرى. فقد ضغطت بريطانيا على فرنسا انطلاقًا من عوامل المنافسة بينهما، وكانت النتيجة خروج الفرنسيين على مضض.

لكن المصيبة التي ألمت بالسوريين، بعد انقضاء سنوات نشوة الاستقلال الأولى، تمثلت في تدخل الجيش في السياسة، في حين كان من المفروض أن يبقى المؤسسة الوطنية الجامعة، فتحوّل إلى جملة من الكتل المتنافرة المتصارعة الساعية للسلطة، والمستعدة -في سبيل الوصول إليها- لأن تسلم أمورها إلى القوى الدولية لمساعدتها في إقصاء الآخرين.

الأمر الذي يستوقف هو أن كل هذه التناحرات كانت تتم تحت ستار شعارات القومية، التي كانت توجه أنظار الناس نحو وحدة عربية، من المحيط إلى الخليج، ولكنها في واقع الحال كانت مجرد تمويه للتغطية على ما يتعرض له الداخل الوطني من قمع واستنزاف.

كانت مرحلة الانقلابات التي تجسد بصورة ملموسة هذا الواقع، واستمرت الأمور على منوالها حتى الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد ضد رفاقه، وتمكن بفعل تراكم الخبرات المؤامراتية، وحنكته السياسية في ميدان إدارة الأمور لصالح ترسيخ سلطته، والاستفادة من التناقضات الإقليمية، تمكن بفعل كل ذلك وغيره من جعل نظامه نقطة تلاق محورية بين مختلف الفرقاء، وقد رتب أموره في هذا المجال، منذ اتفاقية فك الاشتباك مع “إسرائيل” في 31 أيار/ مايو 1974 برعاية هنري كيسنجر. وعزز موقفه بعد عزل مصر عربيًا، على إثر زيارة أنور السادات إلى القدس في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، واستفاد من ظروف الحرب العراقية – الإيرانية. ومن ثم حرب تحرير الكويت، من خلال مشاركة قواته في العمليات بقيادة أميركية.

وقد تمكن من تسويق كل ذلك، عبر آلته الدعائية التي شملت وسائل الإعلام، وحزب البعث، والجبهة الوطنية التقدمية، والمؤسسات الدينية، ورجال الأعمال المقربين المستفيدين، وصوّره على أنه حكمة وبعد نظر.

ونتيجة للتراكمات السلبية الهائلة التي كانت بفعل توحش الفساد والاستبداد، وانسداد الآفاق أمام الشباب السوري، كان الانفجار السوري الكبير الذي تجسّد في ثورة سورية عارمة، جمعت في بداياتها بين مختلف المكونات السورية، ولكنها سرعان ما تعرضت للانتكاسات بفعل عوامل كثيرة، أبرزها حرص النظام على اتباع السياسة القديمة- الجديدة، وهي سياسة الإرهاب بالإرهاب، وهي السياسة التي استخدمها النظام في العراق ولبنان، وأثبتت جدواها على الصعيد العملي، طالما أن القوى المتحكمة في المصاير تقرّ باللعبة، أو تصمت عنها، لأسبابها الخاصة. وتمكّن النظام من إحداث شرخ بين المكونات المجتمعية السورية، ليقدّم نفسه بوصفه البديل الأقل سوءًا.

الوضعية السورية الراهنة مفتوحة على جميع الاحتمالات. والقوى الإقليمية ما زالت تتعامل مع سورية وكأنها مجرد مساحة جغرافية خاوية، تصلح لأن تكون مناطق نفوذ تتوزعها في ما بينها.

لن ينقذ السوريين سوى مشروع وطني متكامل، مشروع يضع النقاط على الحروف بدقة متناهية، وجرأة تمكّن صاحبها من الإقرار بالخصوصيات والهواجس جميعها، من دون أي امتياز أو استثناء، ويعترف بالحقوق من دون أي مواربة. ويعتمد الشكل الإداري الأنسب لإدارة التنوع السوري وتحرير طاقاته الإبداعية. مشروع يطمئن الجميع، ويقطع بصورة نهائية مع التقية السياسية المجاملاتية التي أنهكت السوريين جميعًا.

الخصوصية السورية لا تتحمل التعصب الديني أو القومي أو الأيديولوجي، بل تستوجب تفاهمًا وطنيًا عامًا، يشمل كل السوريين من دون أي استثناء. تفاهمًا من شأنه طمأنة السوريين بأن لديهم وطنًا مشتركًا، يمثل حاضنة لمستقبل شبابهم الذين من المفروض أن يخفق في صدورهم الحس الوطني الصادق، هذا إذا تمكنا من أخذ العبر من تاريخنا وتجاربنا، منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، ولا سيما في السنوات العجاف الثمانية الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق