مقالات الرأي

الفقراء.. للحرب وما بعدها

ثمانية أعوام من التدمير المنهجي وإدارة القتال والمتقاتلين، انعكست بكامل تفاصيلها وتداعياتها على السوريين الذين أُدخلوا في دوامات القتل والدمار والتشرّد، ليدخلوا في نهايتها مرحلة مختلفة من انتصارات زائفة، لا تردم ركامَ الحرب أو تداوي الجراح، بل تؤسّس لمصير آخر لبلدهم مثلما تؤسّس لنمط مختلف لوجودهم على الهامش. فبين دستور منتظر يتوه في دوائر قرارات الدول، وبين ضريبة وجودهم على أرض بلد يزداد دماره وسط قرارات حكومية؛ تصير محاولة إنقاذهم كذرّ الرماد بالعيون.

مشكلات كثيرة ومتنوّعة رافقت بدايات الحرب، وجرى تمتينها مع طول مدة هذه الحرب التي يُصرّ مُدّعو الحلول على تعريفها بـ (الأزمة) مع إضافة لغوية للإشارة إلى عمقها، وتحويلها إلى معضلة في دوائر صنع القرار لدولٍ تبحث، بين جبهات القتال، عن قتل من نوع آخر يطال مستقبل السوريين، بعد أن تحوّلت بلدهم إلى بلد متعدّد الوصايات.

الحرب الدامية غير المتوقعة، بعنفها وأزماتها الإنسانية التي تُعدّ أكبر أزمة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، جعلت مصير البلد بأكمله تحت سيطرة دول إقليمية وعالمية، تدير الأزمة وتشتري الوقت تلو الوقت، لتثبيت منافعها واستدامة وجودها. فالخارج الذي قرّر -مع اشتداد القتال وتعدّد مواقعه- اختراق الحلّ العسكري، والانتقال إلى حلّ سياسي يغطيه أزيز الرصاص وتبدّلات الصراع، اتّجه مؤخّرًا، بعد فائض من لقاءات الزعماء التشاورية، وتعدّد المؤتمرات من جنيف إلى أستانا إلى سوتشي، التي تدار باسم طوابير الطرفين (المعارضة والنظام) لحلّ وحلحلة الأزمة، نحو مهمة أولى وأساسية هي صياغة دستور جديد، تجري هندسته واعتباره علامة فارقة في مصير شعب. هذا الدستور، مهما اشتدّت ضرورته، لن يشكّل حلًّا لإنهاء احتلالات الدول المختلفة، التي يمسك كلٌّ منها بأوراق مساوماتها على خرائط نفوذها فوق الجغرافية السورية، وصنع مصير ساكنيها الغارقين في ويلات الحرب التي أكلت نيرانها الأخضر واليابس من أعوامهم.

الدستور الذي جعلوا منه (سفينة نوح) لإنقاذ بلدٍ أغرقته الحروب، ما زال قيد التفصيل والبحث المستمر عن دعائمه المرتبطة بالتوافق على الخطوات التي سيبدأ من خلالها المبعوث الأممي الرابع غير بيدرسون مباحثاته مع الأطراف المختلفة والرئيسة في القضية السورية، ثم التوافق على البنود، وعلى آلية التطبيق وكيفية تطبيقه كحلّ للأزمة، التي جعلت من هذا الحلّ مهزلة تعادل مهزلة النهاية والنصر التي رافقت انحسار القتال وتمركزه في بعض المناطق، وتعادل ما يتم تفصيله في الداخل من اللاحلول التي تتبعها السلطة السورية، لتدمير ما تبقّى من أملٍ زائفٍ رافق البعض بالتعويل على نهاية الحرب، كبداية لتأسيس دولة أفضل.

مراكمة الفقر وسياسة التجويع والتفقير العام للشعب الفقير أساسًا، وزيادة معاناته، وإشغاله المستمر بقوت يومه، واحتياجاته المتنوّعة التي فصّلتها سياسة اقتصاد الحرب، وتقنين استهلاك السلع والمنتجات، وتحويل اقتصادها لخدمة الإنتاج الحربي، إنما هي لتبرير التجويع وشناعات العنف والسرقات المفضوحة التي يديرها أمراء الحرب المتحكّمين وشبكاتهم الواسعة، واعتبارها جزءًا من واقع الحرب، محوّلة حياتهم إلى جحيم فوق جحيم الحرب، التي دفعوا ثمنها من دمهم وتشرّدهم وقوتهم الذي تحوّل إلى غنيمة في حرب قذرة.

سورية التي تحوّلت إلى مركز للنزاعات والصراعات، انتقلت حربها من إدارة الأزمة نحو إدارة الخراب، تحت مسمى “إعادة الإعمار”، الذي شكّل بتفاصيله وصفةً جديدةً يمكن الاستفادة منها من قبل السلطة، التي سارعت بفرض ضرائب إعادة الإعمار أو ما يسمّى “المساهمة الوطنية لإعادة الإعمار” من 5 بالمئة إلى 10 بالمئة، على الشعب الذي طحنت الحرب معظم فئاته من الانتماءات والأطياف كافة، وما رافقها من حالة سلب ونهب، ازدادت وطأتها مع  انتهاء القتال ودعاية النصر لحربٍ كان ولا يزال فقراءُ سورية، الذين يمثلون 86 بالمئة من مجموع السكان وفق تقرير الأمم المتحدة، وقودًا لمعاركها المتنوعة، التي تقودها الطلقات الطائشة والبراميل حينًا، وتقودها الأزمات المعيشية التي تمسّ حياتهم، معظم الأحيان. فالعتمة ونقص الوقود وأزمة الغاز التي سادت سابقًا بحجّة الحرب على الإرهاب وغيرها من الحجج، ما زالت مستمرة بلا مبرّر أو مغلفة بأكاذيب ترمى هنا وهناك.

أزمة الغاز التي تفاقمت مؤخّرًا، أدّت إلى موجة احتجاج شعبي واسعة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان ردّ الجهات الحكومية غير مقنع، كون أسطوانات الغاز متوفّرة في السوق السوداء، وداخل معالف المحتكرين من تجار الأزمة والمتعاونين معهم، ما جعل التصريحات الرسمية غير كافية للتهدئة في تبريرها نقص الغاز، بذرائع سياسية متعلّقة بعرقلة الأسطول الحربي الأميركي لناقلات الغاز الإيرانية المتوجّهة إلى سورية، أو بالطقس وتأثير الأحوال الجوية في حركة الموانئ، وإلقاء اللوم على المواطن، بسبب زيادة الاستهلاك على أسطوانات الغاز. بالتالي تحت شعارات الوطنية في الحرب، دفع الفقراءُ من دمائهم، وتحت شعارات الحصار الاقتصادي، وبناء الخراب الذي خلّفته الحرب، ما زالوا مُكرهين على الدفع من بقايا أرزاقهم.

مهما تشعّب التنظير؛ فإن التطرّق إلى حاجات الفقراء المنكوبين الذين دفعوا أغلى الأثمان للتعبير عن مظلوميتهم، ليس الشغل الشاغل بتاتًا لدوائر صنع القرار، ولا للمتحكمين في جوع الناس. فالشعب المتروك لمصيره المشؤوم صار مُلزَمًا أن يعيش، كما يُفصّل الآخرون له، ولم تعد تعنيه الاصطفافات السياسية وثنائية النظام والمعارضة. فالحرب وقسوتها تعادل -بالنسبة إليه- قسوة الجوع والفقر والعوز، التي جعلت من البعد السياسي والاستراتيجي، لأطراف النزاع أو الأطراف المسؤولة عن المذبحة ومآل الدستور الذي لا يملك قرار صياغته، أمرًا لا يضاهي حاجته إلى رغيف الخبز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق