مقالات الرأي

السِنون العجاف والخوف من الاعتياد

مرت ثماني سنوات عجافٍ من عمر الثورة السورية، ذاق خلالها السوريون من الويلات ما لا يُطاق، وكل من حمل جواز السفر أو الهوية السورية كان مشمولًا بـ “اللعنة”، سواء أكان في الخارج أم كان في الداخل، ولا يُستثنى من ذلك إلا قلّة، كي لا يُقال إننا نعتمد التعميم المطلق.

في كل سنة مرّت من عمر الثورة، كان السوريون يأملون أن يخطوا خطوة نحو درب الحرية، أو أن يروا بصيص أمل في قُرب وصولهم إليها، لكن عبثًا.

إذا قسّمنا الوضع السوري تبعًا لتصنيفين: الداخل والخارج، ثم قمنا بدراسة ما جرى، ومتابعة هذه المسيرة خلال السنوات الماضية؛ فسنجد أنها كانت بالفعل ثماني سنوات عجاف.

في الخارج، كانت الثورة مُقسّمة بين أجسام سياسية، فشلت في تقديم النموذج الناجح الذي يمكن أن يُرضي السوريين على الأقل، لا المجتمع الدولي، بأدائه المؤسساتي أو السياسي، أما القسم الثاني فهو السوريون في الشتات، الذين شغلتهم لقمة العيش وانعدام مورد الرزق، عن التفكير في المآلات، حتى الذين كان همّهم ثوريًا وأرادوا الحرية، حيث بات همهم تأمين المأوى وتكاليفه، ورغيف الخبز، إن لم يكونوا قد قُيّدوا في المخيمات لقلة الحيلة، ومنهم من آثر أن يُلقي بنفسه في البحر، عسى أن يرحمه ويوصله إلى مكان يجد فيه سريرًا ولقمة وأمانًا.

أما في الداخل، فكان هناك قسمان أيضًا: سورية النظام وسورية الثورة. وفي مناطق النظام لا كهرباء لا ماء ولا طعام إلا بشق الأنفس، وفي مناطق الثوار إن لم يقتلك البرميل المتفجر وعشت يومًا آخر، فإن همّ تأمين لقمة العيش لأطفالك الجياع سيقتلك. ومرت السنوات الثماني على الجميع، بين كرّ وفرّ، بكل ما حملته من خذلان للمجتمع السوري من المجتمع الدولي، وصمت عن الجرائم بحق البشرية، والكيمياوي، والقصف، والقتل، والاعتقال، والتعذيب، والتغييب القسري. ثم كانت النتيجة عودةَ سيطرة النظام على ما كان بيد الثوار، إلا ما بقي من إدلب وريفها وريف حلب، وبعد سقوط حلب وإخلاء الغوطة وترحيل أهالي بعض المناطق، والقبول بمصالحات هنا وهناك؛ لم يبق لدى السوريين الكثير من الآمال والأحلام.

حال السوريين اليوم كحال ذلك الرجل الذي ذهب إلى مفسر للأحلام، وروى له حلمًا قد رآه، ففسره المُنجّم أنه ستمرّ على الرجل سنوات عجاف، يرى فيها من ألوان البؤس والشقاء ما لا يُطاق، فسأل الرجل متلهفًا: “ثم ماذا بعد هذه السنوات العجاف، هل من فرجٍ وتعدّل للحال؟” فكان رد المفسر: “بعدها ستعتاد”.

كلما نظرنا إلى حال الثورة؛ وجدنا أن مَن في الداخل قد اعتاد تفاصيل العناء، والفصائل المسلحة اعتادت الهوان، والسياسيون اعتادوا العبَث، حتى المجتمع الدولي اعتاد أن لا يُبالي، والأطفال اعتادوا أن لا ينعموا بعيش، وأن ينتظروا الموت، والأهل اعتادوا أن يُلملموا أشلاء أبنائهم التي مزّقتها البراميل والقذائف، وكذلك البؤساء في دول الشتات اعتادوا أن يُقنعوا أنفسهم بأنهم بخير، أما من بقي من الحياديين فقد اعتاد أن يرى ولا يتكلم. وبات الجميع لا يرى في تناثر أشلاء الأطفال، نتيجة القصف المستمر، إلا خبرًا عابرًا لا يهزّ كيانهم مدة أطول مما يستغرقه وقت قراءة الخبر.

نستثني من كل ما سبق تلك “الطبقة المخملية”، سواء أكانت في الداخل أم في الخارج، التي ما شعرت يومًا بأي همٍّ في أي مكان، فبالنسبة إليها يُشرى بالمال دائمًا كلّ شيء، حتى الراحة النفسية وراحة الضمير، مختلفين كليًا عن أولئك الذين يكسبون لقمة عيشهم من كدّ اليدين وعرق الجبين، الذين لا يملكون أرصدة في البنوك، ولا أملاكًا تُغنيهم من شرّ الأيام وجورها.

هل يتحقق حلم الحرية التي حلم بها السوريون يومًا، بعد تلك السنين العجاف؟ أم ستكون أقصى أحلام المعارضة والثوار قبول النظام أن يجلس على طاولة مفاوضات، وأن يعترف بالمعارضة كطرف آخر له وجود؟ وهل ينجح مشروع اللجنة الدستورية، وهل ستكون قادرة على تعديل الدستور؟ وهل يمكن أن يتجرأ السوريون على الحلم بنهاية سعيدة لثورة كرامتهم وحريتهم؟ وهل يمكن أن يلملموا جراحهم يومًا، ويمحوا الألوان التي شوهت الخريطة السورية؟

أسئلة كثيرة تدور في أذهان السوريين، والخوف كل الخوف أن يكون السوريون وغيرهم قد اعتادوا الخراب، والدماء، والاستكانة والاستسلام للأسوأ، ونسيانَ أُسّ ومنطلق وهدف ثورتهم، فتطحنهم العادة والأيام، كما طحنتهم السنوات العجاف ووطأتهم بمنسمِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق