ترجماتسلايدر

ماذا بعد داعش؟

كانت الولايات المتحدة على حق في استخدام القوة العسكرية لهزيمة الإرهابيين، ولكن من دون خطة لحكم نظيف وكفء في المناطق التي كانت تحكمها الدولة الإسلامية؛ سيظل التهديد قائمًا

صورة الغلاف: رجال يشتبه في أنهم من مقاتلي الدولة الإسلامية (داعش) ينتظرون أن يقوم عناصر من (قوات سوريا الديمقراطية) التي يقودها الأكراد بتفتيشهم، بعد مغادرتهم آخر معقل للجماعة في باغوز، سورية، في 22 شباط/ فبراير. (بولنت كيليج/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي)

قبل أربع سنوات، في حزيران/ يونيو 2014، أعلن أبو بكر البغدادي الخلافة في العراق وسورية، وسمّى نفسه خليفة. وقد سيطرت جماعته، التي أعاد تسميتها باسم الدولة الإسلامية ليميز هذه المناسبة المهمة، على مساحة بحجم بريطانيا، وسكان بلغ عددهم 10 ملايين نسمة، مقزمًا الإنجازات التي حققتها القاعدة والجماعات الجهادية الأخرى.

من خلال أخذ السبايا (رقيق الجنس) ورعاية الهجمات الإرهابية، وتصوير جزّ رؤوس الرهائن، وضغط قضيتها المستمر بلا هوادة على وسائل الإعلام الاجتماعية؛ روّع تنظيم الدولة الإسلامية العالَم بأسره. في الولايات المتحدة، ارتفعت المخاوف من الإرهاب، وساعدت في دفع حملة دونالد ترامب الرئاسية. لكن ذلك كان في تلك الأيام. اليوم، ولّت الخلافة، مع غزو القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة آخر أراضيها. هناك الكثير لنتعلمه من نجاح الدولة الإسلامية الأولي ومن سقوطها السريع.

إن احتلال/ احتجاز الأراضي يشكل نعمة وكارثة للمجموعات الجهادية. فمن ناحية أولى، كانت الخلافة عبارة عن أغنية حوريات لإغواء الجهاديين المحتملين، حيث اجتذبت عشرات الآلاف من المتطوعين من العالم العربي وأوروبا وآسيا الوسطى. تمكنت الجماعة من فرض الضرائب على مزارعي الأراضي المستخدمة وعلى المنتجات التي يزرعونها ويبيعونها، واستثمرت احتياطيات النفط التي سيطرت عليها، كما تمكنت من تجنيد الشبان للقتال. مكنتها هذه الموارد من بناء جيش أقوى، ومن تجميع ملايين الدولارات شهريًا.

في ذروتها، جمعت الدولة الإسلامية سنويًا، ربما 800 مليون دولار كضرائب. آمنين داخل حدود الخلافة، استطاع ناشطو الدولة الإسلامية التخطيط لعمليات إرهابية، مثل هجمات باريس عام 2015 التي أودت بحياة 130 شخصًا، وتدريب وإلهام المجندين الآخرين لتنفيذ هجمات في بلادهم. ولعل الأهم من ذلك هو أن الخلافة حققت مبررًا جهاديًا لوجودها: حكم السكان بموجب القانون الإسلامي (الشريعة) الصارم.

جزء من السبب، وراء نجاح الخلافة في البداية، أنها كانت في قلب العالم العربي، وانتزعت الحرب الأهلية في سورية الاهتمام العالمي، على عكس مسارح محيطية/ طرفية جهادية أخرى، مثل الصومال واليمن والقوقاز. والأهم من ذلك أن الجهاديين في سورية تمتعوا بدرجة عالية من حرية العمل، خلال السنوات الأولى من الصراع.

في بلدان أخرى، أينما اكتسب الجهاديون شعبية على المستوى المحلي، بعد 11 أيلول/ سبتمبر، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يدعمون الحكومة ضدهم. في العراق والصومال واليمن ودول أخرى، استغل الجهاديون الحروب الأهلية، لكن المساعدات الأميركية لتلك الحكومات، وضربات الطائرات من دون طيار، وغيرها من الإجراءات دفعتهم إلى التراجع، وحدّت من نفوذهم، وقطّعت أوصالهم. لعبَت فرنسا دورًا مماثلًا بعد أن استولى الجهاديون على قسم كبير من مالي، في عامي 2012 و2013.

مع ذلك، فإن طبيعة نظام بشار الأسد العدوانية والجينوسيدية (المتعلقة بالإبادة الجماعية) في سورية، تعني أن واشنطن لن تمضي لإنقاذه. في الواقع، بالنسبة إلى السنوات الأولى من الحرب، بدت الولايات المتحدة أكثر احتمالًا لقصف النظام بدلًا من الجهاديين، ثم تحدث الرئيس باراك أوباما وزعماء الحلفاء، علنًا، عن إسقاط الأسد. لكن عندما بدأت الدولة الإسلامية ذبح الإيزيديين وظهرت متقدمة نحو بغداد؛ تدخلت الولايات المتحدة.

وعندما حصل التدخل، كانت كارثة على الدولة الإسلامية، حيث إنه برهن على مخاطر السيطرة على الأراضي. حاولت الدولة الإسلامية الدفاع عن خلافتها، ومات عشرات الآلاف من مقاتليها دفاعًا عنها، إضافة إلى العديد من مخططي عملياتها ومروِّجيها. كانوا شجعانًا ومتماسكين، ولم تسقط الخلافة. ومع ذلك، تراجعت بشكل مطرد، مما يثبت أنه حتى لو كانت المجموعة الجهادية تمتلك موارد جيدة، فهي لا تعادل القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.

لم تنته جاذبية الدولة الإسلامية، لكنها تضاءلت الآن؛ لأن الجماعة لم تعد رابحة بحيث يمكنها أن تتباهى بإقامة دولة يسود فيها شرع الله. أما المجندون الغربيون -مثل شميمة بيغوم من بريطانيا وهدى المثنى من الولايات المتحدة الأميركية، وهما اللتان غادرتا بلديهما لتعيشا في أرض الخلافة، ودعتا إلى شن هجمات على الغرب- فإنهم يطالبون الآن بالعودة إلى ديارهم.

أدرك تنظيم القاعدة، وهو راعٍ وموّلدٍ لتنظيم الدولة الإسلامية، ولكنه منافسٌ لها في الوقت نفسه، منذ زمنٍ، هذا التوتر. وقد كان أسامة بن لادن ينظر دائمًا إلى الخلافة كهدف نهائي، لكنه يدرك أن إعلانها في وقت مبكرٍ للغاية، قبل أن تتمكن من الدفاع عن نفسها بشكل مناسب، يمكن ببساطة أن يجعلها عرضة للغضب الأميركي. أما خليفته، أيمن الظواهري، فقد كان حذرًا أيضًا، لكنه كان أكثر تعاطفًا علانيةً، نظرًا إلى شعبية الخلافة بين المجندين المحتملين. في عام 2019، يبدو أن تحذير بن لادن كان حكيمًا.

ما أثار دهشة الكثيرين الذين أرعبهم قطع الدولة الإسلامية الرؤوس، وطبيعة حكمها القاسية، أن الخلافة كسبت شعبية ممن كانوا تحت حكمها. كما هي الحال مع حركة الشباب في الصومال، والقاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن، وحركة طالبان في أفغانستان، وغيرها من الجماعات، لم تأت هذه الشعبية من أيديولوجيتها، ولكن من قدرتها على إنجاز أهمّ وظائف الحكومة: توفير القانون والنظام، وتقديم القليل من الخدمات الاجتماعية.

في أطروحته المسماة (إدارة التوحش) دعا الاستراتيجي الجهادي أبو بكر ناجي إلى استخدام العنف الإرهابي لخلق مناطق من الفوضى في أي بلد. عندئذ، ستستولي الجماعات الجهادية على الشعب المنهك، وتفوز بالقانون والنظام. اتبع تنظيم الدولة الإسلامية هذا المخطط. وقد زعم أحد رجال شرطة الدولة الإسلامية في العراق: “كنا نعرف أنه إذا نجحنا في تحقيق العدالة، فسوف نفوز بقلوب الناس”.

يعترف سكان مدن مثل الموصل -أولئك الذين لم يفروا عندما دخلت الدولة الإسلامية- بأن حكم الدولة الإسلامية الوحشي حسَّنَ الخدمات مثل توفير الكهرباء ومكافحة الجريمة. لقد أدرك المهندسون الحكوميون الذين غالبًا ما كانوا يأخذون رواتبهم، لكنهم كانوا يعملون في وظائف أخرى في ظل الحكومة العراقية، أن الظهور أو البروز كان المهنة الأكثر أمانًا التي تتماشى مع الدولة الإسلامية في السلطة. كسبت الدولة الإسلامية جزءًا من السكان بهذا الأداء، وكانت ذات قدرة أفضل على استخراج الموارد نتيجة لذلك. ومع تلاشي ذكرى وحشية الدولة الإسلامية واستئناف القادة الفاسدين وغير الأكفاء الحكم، سينظر بعض العراقيين والسوريين على الأقل بحنين نحو زمنٍ كانت فيه الأضواء لا تنطفئ.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد برهنت مشكلات الحكم هذه على ضرر جهودها لمحاربة الإرهاب في الشرق الأوسط وخارجه. منذ الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، طورت الولايات المتحدة آلة قتل هائلة وقادرة على تدمير صفوف الجماعات الإرهابية. ما الذي يجب القيام به بعد أن ثبت أن الضربات العسكرية أكثر صعوبة. خلق أمراء الحرب الوحشيون والأنظمة الفاسدة مناطق من الفوضى، ولم تجد الولايات المتحدة وصفة لاستبدالهما بحكومة قوية وممتازة، يمكنها الحفاظ على النظام من دون تدخل الولايات المتحدة. في أفغانستان والعراق، وربما في سورية الآن، تُمكّن السلطات المحلية الضعيفة والفاسدة وغير الكفؤة الجماعات المحلية المسلحة من العودة بعد الهزيمة.

ومع ذلك، ما تزال جهود مكافحة الإرهاب جديرة بالاهتمام. من منظور الجماعات الإرهابية، فإن الصراعات المحلية طويلة وبطيئة، وتتطلب موارد واهتمامًا دائمين. إن الدولة الإسلامية وفروعها في ليبيا وشبه جزيرة سيناء في مصر وبلدان أخرى -مثل نظرائها من القاعدة في أماكن أخرى- تقاتل بالدرجة الأولى الحكومات المحلية أو أمراء الحرب، وليس الولايات المتحدة. قد لا يشعر الحلفاء المحليون ببعض الراحة، لكن التركيز على الإرهاب الدولي يصبح أكثر صعوبة في هذه الظروف. هذه الصراعات الدنيوية المحلية المضجرة هي أيضًا أقل احتمالًا لإثارة خيال المتطوعين الأجانب المحتملين.

تتصارع إدارة ترامب، مثل إدارة أوباما قبلها، مع كيفية تحقيق التوازن بين اليقظة ونزعة الانتصار. يُخطئ ترامب، كونه ترامب، بانحيازه إلى نزعة الانتصار، وتباهيه بهزيمة الدولة الإسلامية، بدلًا من إدراكه مخاوف المجتمع الذي يكافح الإرهاب، الذي يريد البقاء في سورية للحفاظ على استمرار الضغط.

من المناسب انتقاد تباهي ترامب على أنه سابق لأوانه وطائش، ولكن من المهم أيضًا إدراك أن الدولة الإسلامية قد تضررت بشدة، وأن هزيمة الخلافة تمثل نقطة تحول محتملة. إن جفاف تدفق المقاتلين الأجانب، وفقدان الأراضي يجعل من الصعب للغاية تنظيم هجمات إرهابية دولية. إن الظروف غير العادية التي سمحت للخلافة بأن تزدهر مدة وجيزة قد لا تتكرر قريبًا، ومن غير المحتمل أن تستعيد الدولة الإسلامية نشاطها قريبًا، بذلك المستوى أو أن جبهة أخرى ستظهر بتلك الجاذبية الذي مثلتها سورية.

لا شيء من هذا، بالطبع، يعني نهاية الإرهاب الجهادي. تبقى جاذبية الدولة الإسلامية وأيديولوجية القاعدة قويتين، وستسعى أعداد صغيرة من الأتباع في الغرب لحمل السيوف (التجنيد). لكن التهديد اليوم أقل تهديدًا مما كان عليه في عام 2014، وينبغي أن يدرك صانعو السياسة أن نجاحًا جزئيًا قد يكون أفضل ما سيحصلون عليه.

اسم المقال الأصليWhat Comes After ISIS?
الكاتب*دانييل بايمان،DANIEL BYMAN
مكان النشر وتاريخهفورين بوليسي،FP، 22/2
رابط المقالةhttps://foreignpolicy.com/2019/02/22/isiss-success-was-also-its-undoing-syria-sdf-islamic-state/?fbclid=IwAR0t-yibM1HRZ8Qpc8bWx6FUr5akODySgKff5oVcAX76Kqmi4uQ8QrAIhVU
عدد الكلمات1289
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

  • دانيال بايمان أستاذ في كلية الدبلوماسية بجامعة جورجتاون، وكبير الباحثين في مركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكينغز.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق