سلايدرقضايا المجتمع

أطفال سورية والعالم الذي تحكمه السياسة

تجمعت حشود شعبية ورسمية، تنعي الأطفال السبعة الذين قضوا في الحريق في ولاية هاليفاكس الكندية الأسبوع الماضي، كما شهدت وسائل التواصل الاجتماعي تفاعلًا واسعًا مع الحدث المؤلم، بدءًا من رئيس الوزراء جستين ترودو، وانتهاءً بالمواطنين الكنديين العاديين.

إنها صورة من صور الإنسانية، أن ترى كل هذا التفاعل مع أمر جلل “إنسانيًا”، حيث إن فقد سبعة أطفال من عائلة واحدة هو أمرٌ محزن جدًا، لكن ماذا عن عشرات الآلاف من الأطفال الذين قضوا من جراء قصف البراميل والكيمياوي في سورية؟!

أليس لهؤلاء الأطفال من بواك؟ ألم تؤلم وتُحزن تلك الصور التي كان يزفّها لنا الإعلام كل يوم، طوال ثماني سنوات؟ ألم تكلم قلوب تلك العوائل وهي تُقدّم فلذات أكبادها لمذابح التخاذل الإنساني؟!

نبأ مقتل الأطفال السبعة يستدعي صورة أطفال سبعة آخرين، قضوا في إدلب العام المنصرم، من جراء قصف المدنيين بالبراميل، ولا يُذكر أن التفاعل مع الخبر تجاوز عدة مشاركات على (فيسبوك) والترحّم على أرواح الأطفال والدعاء لأهلهم بالصبر.

الأطفال الذين قضوا في الحريق في كندا سوريون، والأطفال الذين قضوا في إدلب سوريون أيضًا، لكن الفرق بين الحادثين هو المكان فقط؛ ففي البلد الذي يكون فيه للإنسان قيمة، وللروح قيمة، وللطفل قيمة، لا بد من أن يكون لحادث أليم كهذا ردّة فعل تفوق بوقعها الحادث نفسه.

يرد إلى الذهن تساؤل: هل القرب يجعل الشعور بالألم أقوى؟ لماذا لم تحزن دول العالم، ومن ضمنها الدول التي ترعى حقوق الإنسان وحقوق الطفل، كل هذا الحزن، على كل الأطفال الذين عرفنا أنهم حُرقوا أو خُنقوا بالسلاح الكيمياوي، أو تمزقت أجسادههم خلال القصف؟! ولماذا لم يحتشد العالم ليوقف مشهد موت الأطفال الذي ما برح يتكرر كل يوم، حتى بات خبرًا مألوفًا لا جديد فيه خلال كل السنوات التي مرت؟

إن كان هناك جواب لسؤال كهذا؛ فلعله يكون أننا في عالم يقطن فيه بشرٌ، لكن تحكمه السياسة، يمكن أن نحزن متى شئنا ونبكي ونتألم، لكن لا يمكن أن نسوس بالعواطف.

قد يكون لكثير من الساسة، ومن يعملون في مجال السياسة، موقفهم الإنساني على الصعيد الشخصي، ولكن يجب أن يقوموا بعملهم وفق ما تمليه عليهم الخطوط السياسية التي ترسم مصالح دولهم أو بلادهم، هذا هو عالم الأقوى، وهذا هو العالم الذي نعيش فيه، ويمكن وصفه، من دون خجل -مع الأسف- بأنه عالم الغاب، القاعدة فيه هي السعي للبقاء، والبقاء للأقوى.

يمكننا أن نحزن متى شئنا على الأطفال، أينما كانوا، ويمكننا أن ننعي ونشجب ونُندد متى شئنا ومتى شاء العالم، لكن لا يمكن أن نتجاوز قانون الغاب الذي يحكمنا، ولا بد من أن نجمِّله لنقول إنه السياسة ومصالح الدول وتوازن القوى، وإنْ كان الثمن آلاف أرواح الأطفال الذين لا يجدون من يحزن عليهم ويحتشد لنعيهم، وقد لا يجدون حتى قبرًا لائقًا يضم البراءة والطهر.

عذرًا أطفال الرقة، فأنتم أيضًا أطفال، وأرواحكم الطاهرة البريئة تستحق أن نحزن عليها، ولكن القضاء على (داعش) هدفٌ لا يمكن الوقوف دونه عند حفنة من أرواح أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في زمان ومكان خطأ، حيث لم تستطع العائلة أن تخرج بهم بعيدًا من “المسرح”.

وبما أنه لا بد من خسائر دائمًا، من أجل الوصول إلى غايات أكبر؛ فإن لم تموتوا على هامش القضاء على (داعش)، فقد يموت أطفال كثر إن بقيت (داعش) وكبرت وتمددت لتستهدف دول الغرب بعملياتها، ولعل هذا ديدن الحياة والوجود، فلكم قُدِّم، على مر العصور، أطفال وفتيات حسناوات قرابين للآلهة لكي يحيا البقية.

عذرًا، أطفال إدلب الذين ما زالوا يموتون إلى الآن، عذرًا، أطفال سورية كلها الذين قضوا حرقًا وغرقًا وخنقًا وجوعًا وبردًا، فللحرية قرابين لا بد أن تُقدّم، ولا بدّ من أن يُدفع ثمن التمسك بالحكم والملك وثمن الاستبداد والظلم. لم يستطع العالم أن ينعيكم بحشود، فلا بد من أن تموتوا إلى أن تنتهي المفاوضات والصفقات.

إن لم تبكِ عليكم البواكي في العلن، فلكم حقٌّ على الإنسانية أن تبكيكم في سرّها، ما دام هناك بقية من إنسانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق