ترجماتسلايدر

سلاح بوتين الأوحد: “دولة المخابرات”

أعاد الزعيم الروسي الدور الذي لعبته وكالات الاستخبارات في الحقبة السوفيتية: إبقاء المواطنين تحت الرقابة والسيطرة، وزعزعة استقرار الخصوم الأجانب

الصورة: ماكس لوفللر

وفقًا لتقييم الاستخبارات الوطنية، حول التهديد العالمي وشهادة كبار مسؤولي الاستخبارات أمام مجلس الشيوخ هذا العام، فإن الأميركيين يتوقعون أن تواصل روسيا فلاديمير بوتين جهدها لتفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية والعرقية في الولايات المتحدة وبين حلفائها.

لذا، من أجل استعداد أفضل لمواجهة الاعتداءات الروسية في المستقبل، يجب أن ننظر إلى الماضي، وندرس عقلية إدارة أمن الدولة (K.G.B) أيام الحرب الباردة، وهي جهاز المخابرات الذي قضى فيه الرئيس بوتين سنوات تكوّنه. يكشف تاريخ أجهزة الأمن السوفيتية الوحشية جذور الاستخدام الروسي الحالي للاعتقالات السياسية، والتخريب، والتضليل، والاغتيال، والتجسس، والتسلح بالأكاذيب، فكل هذه الأساليب ليست جديدة على الكرملين.

في الواقع، جعلت هذه الأساليب من روسيا السوفيتية “دولة المخابرات الأولى” في العالم، كما ميزتها من الدول التسلطية التي يحكمها العسكر. لقد أصبحت روسيا اليوم أكثر من دولة استخباراتية، بعد مدة حكم السيد بوتين، التي استمرت قرابة 20 عامًا، بوصفه رجلها القوي. في الاتحاد السوفيتي، حكم الحزب. بعد صعود  يوري أندروبوف في الثمانينيات -نموذج حكم بوتين ومعلمه- أصبحت إدارة أمن الدولة  (K.G.B) أهم مؤسسة في الدولة. ثم بعد مرور عشر سنوات على سقوط الاتحاد السوفيتي، ارتقى السيد بوتين السلطة وقام بتجنيد العديد من زملاء المخابرات السابقين للمساعدة في إعادة بناء الدولة. والنتيجة هي نظام تحكمه سياسات وفلسفة إرادات الشرطة السرية المرعبة، إنه نظام يعتمد العمليات الاستخباراتية للتعامل مع تحديات السياسة الخارجية والحفاظ على السيطرة في الداخل.

ترعرع السيد بوتين ورفاقه في إمبراطورية كانت فيها إدارة أمن الدولة سيف الدولة وترسها، لذا عادوا بانتظام إلى أسلحتهم الحربية الحقيقية والمجرّبة عند التعامل مع مشكلات القرن الحادي والعشرين. حتى إن أجهزة المخابرات استُخدمت سرًا في تقديم المنشطات للرياضيين في الألعاب الأولمبية وأولمبياد المعاقين في روسيا، وهي العلامة على “دولة استخبارات” مطلقة.

كيف بدأ هذا؟ بعد الثورة البلشفية عام 1917، أنشأ فلاديمير لينين وكالة شرطة سرية تسمى (تشيكا) لتكون سلاحه الرئيس للقمع والإرهاب. تحت قيادة فيلكس دزيرجينسكي، وهو ثوري عديم الرحمة، كُلّفت تشيكا بالحفاظ على القيادة في السلطة بأي ثمن، حيث لعبت دور القاضي والمحلفين والجلاد [المنفذ] في الدولة، وذلك باستخدام التخريب والرقابة والقمع والقتل لإبقاء السكان تحت السيطرة والأعداء الخارجيين بعيدًا من السلطة.

فيليكس دزيرجينسكي (في الوسط) الذي قاد التشيكا، الشرطة السرية البلشفية، مع مجموعة من رجالاتها عام 1923. مجموعة لاسكي/ صور جيتي

وكما لاحظ دزيرجينسكي: “نحن نواجه إرهابًا منظمًا، و”التشيكا ملزمة بالدفاع عن الثورة وقهر العدو، حتى لو طال سيفها بالصدفة رؤوس الأبرياء”.

خلال عهد دزيرجينسكي، تآمر كل من الملكيين والاشتراكيين والروس البيض والأجانب على إطاحة لينين والحكومة البلشفية. كانت المقاومة الرئيسة السرية التي تجمع بين هذه القوى هي الاتحاد الملكي لروسيا الوسطى، الذي كان يعمل سرًا في جميع أنحاء أوروبا وداخل الاتحاد السوفيتي.

لكن عدم معرفة أولئك في تلك المنظمة، كان فخًا، مصيدة مكتملة أنشأتها التشيكا لجذب أعداء الاتحاد السوفيتي حتى يتم التعرف عليهم وتحييدهم وقتلهم. خدعت هذه الشرطة الوليدة أجهزة المخابرات الراسخة في أوروبا، وأظهرت بذلك دهاءها ومثابرتها وقسوتها. سيدني رايلي، الذي أصبح نموذج إيان فليمينغ في تأليف روايات جيمس بوند، كان أكثر الشخصيات التي استُدرجت إلى الاتحاد السوفيتي واستُجوب وأُعدم. أصبحت الثقة المفقودة نموذجًا لقرنٍ من الجهود السوفيتية والروسية الهدامة، وظلّت التشيكا مصدر فخر لعناصر المخابرات الروسية المستقبلية. في الواقع، ما يزال ضباط المخابرات الروسية -بمن فيهم بوتين- يحتفلون بيومٍ للمخبر في يوم 20 كانون الأول/ ديسمبر.

على مر العقود، طورت أجهزة المخابرات السوفيتية والروسية أدوات وعادات تستند إلى تجربتها في الشرطة السرية التي تميزها عن نظيراتها في الغرب. وبدلًا من التركيز على جمع وتحليل المعلومات الاستخبارية، فقد طوروا الخبرة في الدعاية والإثارة والتخريب والقمع والخداع والقتل.

في الواقع، هرب بوريس باجانوف، وهو أول منشق بارز من الدولة البلشفية الجديدة، إلى الهند البريطانية في عام 1928، ثم تبعه قاتل مأجور. وقد ذكر باجانوف، السكرتير الشخصي لستالين، أن السياسة الخارجية الرئيسة للكرملين هي استخدام وسائل سرية، لإضعاف أعدائه من الداخل، حتى إذا جاءت الحرب؛ سهل تحقيق الفوز.

زرعت الشرطة السرية وأتباعها الفوضى في الخارج، بالدعاية والتضليل والتخريب، في أثناء إدارة الاعتقالات الجماعية ومعسكرات الاعتقال في الداخل. وأضاف باجانوف أن المؤسسات الثقافية والدبلوماسية السوفيتية تغطي ببساطة الآليات التي تهدف إلى خداع المثقفين الغربيين، وإثارة الاضطرابات السياسية والتجارية وتقويض الأنظمة الديمقراطية من الداخل. بعبارة أخرى: كان غرضهم هو ذرّ الرماد في عيون المثقفين في الغرب. على مر السنين، غادر منشق تلو الآخر إلى الغرب مع نفس القصة.

في الواقع، نشر الكرملين جيشًا من الجواسيس، وجنّد مخبرين في جميع أنحاء العالم لسرقة الأسرار، ونشر المعلومات المضللة، ودعم الإرهابيين والأنظمة المارقة. قامت الأجهزة الأمنية ببناء حربها الهجينة على شكل من أشكال الخداع يسمى “السيطرة غير الإرادية”، وهي محاولة لإدارة تصورات الخصوم، من حيث يتم خداعهم للعمل ضد مصالحهم الخاصة. شملت الطريقة تشتيت الخصوم وإرهاقهم وإرباكهم، من أجل السيطرة النهائية على سردياتهم الحيّة. كانت “عملية التخدير” واحدة من مجهودات التضليل على مستوى العالم. وكان هدفها هو نشر قصة أن الفيروس الذي يسبب الإيدز هو سلاحٌ صممه البنتاغون لتدمير البلدان النامية. والعملية الروسية للتأثير في الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016 هي أحدث مثال.

استجابة عمال الطوارئ البريطانيين لمحاولة اغتيال سيرغي سكريبال وابنته. بن ستانسول/ وكالة الصحافة الفرنسية -صور جيتي

الاغتيال، أيضًا، ليس جديدًا. عندما وصل إلى الغرب، أوضح باجانوف أن القيادة السوفيتية سترسل قتلةً لقتل أي شخص يعرف الطبيعة الحقيقية لأعمال الكرملين. واستمرت هذه الممارسة. إن محاولة روسيا عام 2018 غير الناجحة لقتل سيرغي سكريبال في بريطانيا لا يمكن تمييزها تقريبًا من اغتيال المخابرات أيام الحرب الباردة للمواطن الأوكراني ستيبان بانديرا عام 1959. قام الحراس بتتبع بانديرا بشكل خفي في ميونيخ، واستخدموا مسدسًا من صنع تلك المخابرات (K.G.B)، حيث يرشّ السم لجعل موت بانديرا يبدو وكأنه ناتج عن نوبة قلبية. لم يكن هذا سوى قاتل من المخابرات، انشق بعد سنوات لاحقة وكشف الحقيقة.

في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لإشراك روسيا، يجب عليها أن تدرك أن “نمر الكرملين” [بوتين] لن يغيّر طبعه. إن الجهود التي تبذلها روسيا للدفاع عن نفسها بالقوة ناجمة من شعور عميق بعدم الأمان، نشأت من قرون من الغزوات وانهيارات الدولة. عانى عدد قليل من البلدان أكثر من ذلك. لذلك كان العنصر المركزي في فن الحكم في روسيا -منذ أيام القياصرة- هو الخداع وإضعاف الأعداء من الداخل. وبهذا المعنى، فإن أدوات روسيا السياسية المهيأة جيدًا قابلة للتفسير والفهم، على الرغم من أنها مدانة.

الوحدة الغربية هي دفاعنا الأفضل. يبدو أن السيد بوتين يعرف أنه لا يستطيع التنافس مع الغرب بنفس الشروط والمستوى المتاحين للجميع. يستخدم آلته البوليسية في التعمية، ليحيّر ويُربك أعداءه، لأن هذا هو كل ما لديه. وطالما كانت سياساتنا قَبَلية [من القبيلة]، ويرى الأميركيون أن الخصوم السياسيين المحليين هم العدو الحقيقي، فإن جهود الكرملين لاستغلال نقاط ضعفنا واستغلالها ستستمر.

يجب أن نتجنب تهديد سيادة روسيا، وأن نعمل بدلًا من ذلك مع حلفائنا للدفاع عن أنفسنا، بقوة وبانسجام، من الهجمات الإلكترونية والمادية والهجينة، وإجباره على التراجع عندما تهددنا. وفي هذه الحالة، فإن مشاعر الرئيس ترامب المعادية لأوروبا هي بالتأكيد أعظم هدية منه للرئيس بوتين.

اسم المقالة الأصليPutin’s One Weapon: The ‘Intelligence State’
الكاتبجون سيفر،John Sipher
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز،The New York Times، 24/2
رابط المقالةhttps://www.nytimes.com/2019/02/24/opinion/putin-russia-security-services.html?em_pos=small&emc=edit_ty_20190225&nl=opinion-today&nl_art=9&nlid=77714386emc%3Dedit_ty_20190225&ref=headline&te=1
عدد الكلمات1089
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق