تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

على أعتاب الذكرى الثامنة للثورة السورية

بعد ثماني سنوات على قيام الثورة في سورية، بات من الضروري إعادة النظر في أحداثها ومجرياتها، بهدف الاستفادة من تجربتها، باعتبارها حدثًا يعنينا مباشرة نحن -السوريين- الذين ما زلنا نطمح إلى بناء حياة حرة كريمة، أسوة ببقية الشعوب التي قطعت عدة مراحل في تطورها الإنساني.

هناك من يعتقد أن ما حدث كان “هبّة شعبية” انطلقت بتأثير ما حدث في تونس ومصر وليبيا، أو “حربًا” ضد النظام العربي “المقاوم” غذّتها بعض الأنظمة العربية، أو “ثورة أرياف” فقيرة مهمشة ضد أغنياء المدن المتحالفين مع سلطة فاسدة، أو ثورة شملت جميع المحرومين من حريتهم وكرامتهم على امتداد الجغرافية السورية، أو “ثورة سنيّة رجعية” انطلقت من الجوامع، ضد سلطةٍ تهيمن عليها أقليات طائفية يغلب عليها العلويون، وربّما تكون كل هذه الاحتمالات صحيحة، باختلاف مصلحة من يتبناها والأيديولوجيا التي يتبعها، لكن لا بدّ من توضيح جملة من القضايا التي تنفي ما سبق:

1- انطلقت التظاهرات من الجوامع؛ لأنها المكان الوحيد الذي يمكن للناس التجمع فيه، وتتحمل السلطة دورًا أساسيًا في التشجيع على بنائها والضخ المستمر لخطباء الجوامع الذين تبنوا وجهة نظر دينية تُلائم السلطة الحاكمة، ولم يكن المتظاهرون من أغلبية طائفية، بل شاركتهم فيها بقية الطوائف، وكانت التظاهرات ردة فعل شعبية ضد عقود من كم الأفواه والقمع، في وضع سيطر فيه البعض على مقدرات البلد واستغلوه لمصلحتهم، وضد ضخ إعلامي يتناقض بشدة مع معاناة الناس وما يلمسونه بملاحظاتهم البسيطة، عمّا يجري حولهم من تجاهل للحقائق وإسماعهم مقولات لم تعد تقنعهم.

2 – ما حدث في تونس ثم مصر وليبيا، من انطلاق تظاهرات شعبية عارمة أدت إلى إسقاط السلطات الحاكمة، هو المناسبة التي فجرّت غضبًا شعبيًا عارمًا، كان سببه المباشر ما حصل في درعا لأطفالها وأهاليهم، وقد غذّته ممارسات قمعية استهانت بكرامات الناس وأرواحهم، وحاولت تقديم وعود تمتص غضبهم مع استمرارها في قمعهم بوحشية، ومع استمرار القمع وتجاهل مطالب الناس، وتوفر السلاح الذي وجدوه بسهولة أمامهم، اضطروا إلى الدفاع عن أنفسهم والتصدي لقوات الأمن، وهكذا بدأت مرحلة جديدة سيطر فيها السلاح، بعدما دفعت إليها السلطة لأنها الأقوى فيها.

3 – كان اللجوء إلى السلاح هو الفرصة التي استغلتها بعض الأنظمة العربية لدعم المنتفضين بالمال والسلاح، وكان هدفها الأساس منع امتداد الثورة إلى بلدانها، وبذلك نما وسيطر على الثورة طابعٌ إسلامي يحمل أهدافًا تتناقض مع أهداف انطلاقتها، وقد رسّخه إعلام النظام بحديثه عن حركة رجعية ضد بلد علماني، وترسخ أكثر مع تعدد المجموعات المسلحة بقيادات منطقية مختلفة الرؤى والأهداف، وهذا ما أدى إلى انحراف الانتفاضة، بقياداتها الشابة عبر التنسيقيات، عن مطلبها الأساس في السعي لبناء دولة مدنية ديمقراطية، إلى مطالب حملت أهدافًا دينية تُعيد بناء “دولة الخلافة” والعودة لتكرار عصرها الذهبي، ومع استمرار القمع والعنف؛ تراجعت الثورة وبرزت قوى الثورة المضادة المتمثلة بالنظام القديم، وقوى المجموعات الإسلامية المختلفة المتصارعة معه، فتحوّل الصراع، مع ازدياد التدخل الإيراني لمصلحة النظام، إلى صراع سني – شيعي عنيف، دمّر البلد أرضًا وبشرًا، وفتح المجال لتدخل الروس والولايات المتحدة، كل لتحقيق مصالحه الخاصة، وأصبح مستقبل البلد ونظامه بيد هذه القوى.

4 – عدة أسئلة تطرح علينا حول انتفاضة هدفت إلى ثورة على الواقع السوري، ولماذا تم تحويلها إلى ثورة مضادة؟ هذه بعض النقاط التي علينا البحث فيها وبغيرها، ولا يتحمّل نتيجتها الآخرون فحسب بل السوريون أولًا:

* بالعودة إلى التاريخ، منذ عصر النهضة العربية في القرن 19، نجد أن أحد أهم أسباب فشل محاولات التغيير لمستقبل أفضل، كان تعدد الأهداف والرؤى، القومية، الإسلامية، اليسارية، المحلية، وقد أدى تشتت الأهداف إلى تشتت القوى وصراعها مع بعضها، بدلًا من التوحد على حد أدنى تتوافق عليه يتطلع للمستقبل اعتمادًا على العصر ومنجزاته.

* ما زالت نقطة ضعفنا هي انتماءاتنا الضيقة، إلى أديان وطوائف وعشائر وعائلات، التي استغلها الحكام عبر التاريخ، العثمانيون والفرنسيون وسلطات الحكم المحلية، لاستمرار سيطرتهم على مبدأ “فرّق تسُد. وقد أعاق تعدد الانتماءات ما قبل الوطنية بناءَ انتماء وطني أو هوية جامعة واحدة.

* هل تكفي انتفاضة عفوية، مهما كانت شاملة، للوصول إلى ثورة من دون أن تتولاها قيادة منظمة تتابع مسيرتها، حسب الظروف الموضوعية المحيطة بها؟ إن تجربة المعارضة التي رافقت الانتفاضة، خاصة بعد التدخلات الخارجية، تطرح العديد من الأسئلة: لماذا بقيت عفوية بردّات أفعال وخطوات تتماشى مع مخططات أعدائها.

* هل انتصرت الثورة المضادة؟ ما زال الواقع السوري والعربي مليئًا بالاحتمالات، وما يجري في السودان والجزائر من تظاهرات، تطالب بتغيير أنظمة الحكم وتوزيع الثروة، وما يجري في سورية من صراعات على حصاد نتائج ما حدث، لتحقيق مصالح القوى الخارجية، ومن فشل النظام في قدرته على إحكام سيطرته على البلد وجعلها مشاعًا لعدة قوى محتلة، كل ذلك يثبت أن آمال الشعوب في الحرية لن تنتهي، وإن هي تراجعت مرحليًا.

إن استعادة زخم الثورة مرهونة بكيفية الاستفادة من تجربتها، بالتخلص من نقاط الضعف ودعم نقاط القوة، خاصة الاتفاق على برنامج عمل يوحد كلّ مسعًى لبناء سورية، كدولة مدنية ديمقراطية تمثل وتخدم كل مواطنيها بالتساوي، بغض النظر عن اختلافهم وخلافاتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق