ترجماتسلايدر

الصور التي أجبرت ظريف على الاستقالة تكشف عن مشكلات عميقة في النظام الإيراني

جاءت استقالة محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، بمنزلة صدمة، حيث إنه قدّم استقالته عبر (إنستغرام) متوجهًا إلى أنصاره بدلًا من القنوات الرسمية.

كان التوقيت مشكوكًا فيه أيضًا. قرر ظريف ترك منصبه في الوقت الذي قام فيه بشار الأسد بزيارة غير متوقعة إلى طهران، تمت من دون معرفة وزارة الخارجية، بحسب مصادر في طهران. وأجاب ظريف الصحافيين الذين سألوه عن الأخبار: “بعد صور الاجتماعات اليوم؛ لم يعد لدى جواد ظريف مصداقية في العالم كوزير للخارجية”.

كانت هناك مجموعتان من الصور التقطتا في 25 شباط/ فبراير. المجموعة الأولى توضح لقاء الأسد مع الرئيس حسن روحاني وقاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي. وتظهر المجموعة الثانية لقاء الأسد مع علي خامنئي، المرشد الأعلى، وعلي أكبر ولايتي، مستشاره للسياسة الخارجية، ومحمد محمدي غولبايجاني، رئيس مكتب المرشد، ووحيد هاغانيان، المستشار الإداري للشؤون الداخلية -الذي يُوصَف بأنه اليد اليمنى لخامنئي- وأصغر مير حجازي، مدير المخابرات.

بعد استقالة ظريف؛ اختفت الصور من موقعي خامنئي والرئيس الرسميين. إن إزالة الصور، خاصة من موقع المرشد الأعلى، يمكن أن تشير إلى أن روحاني وخامنئي، في خطوة منسقة، كانا يحاولان السيطرة على المشكلة وإقناع ظريف بالبقاء.

رفض روحاني قبول استقالة ظريف قائلًا إنها تتعارض مع مصالح البلاد. لكن بحسب المراقبين في طهران، فإن تصريحات سليماني القوية هي التي أوصلت الوضع المربك إلى نهايته. “السيد ظريف مسؤول عن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، وقد كان دومًا مدعومًا من كبار المسؤولين، وخاصة المرشد الأعلى”، كما أشار إلى ذلك في 27 شباط/ فبراير. وأضاف سليماني تشير الأدلة إلى أن غياب ظريف عن الاجتماع لم يكن مقصودًا، وإنما بسبب غياب التنسيق في الإدارة.

على الأرجح، أتت مشاركة سليماني بتلقي إشارة من خامنئي. والسؤال هو: إذا كان غياب ظريف عن لقاء روحاني بالأسد سببه عدم وجود تنسيق في الإدارة -وهو أمرٌ يصعب تصديقه- فكيف يمكن تبرير غيابه عن لقاء المرشد الأعلى مع الأسد، ولا سيما بالنظر إلى أن ولايتي، مستشار خامنئي للسياسة الخارجية، كان حاضرًا في ذلك الاجتماع؟

على أي حال، هناك عدد قليل من النقاط جديرة بالملاحظة.

ظريف نفسه هو جزء من المشكلة. باعترافه الخاص، فتأثيره ضئيل أو معدوم في القضايا السياسية وبأفضل الأحوال، فهو رسول. وفي مقابلة مع صحيفة الجمهورية الإسلامية، نُشرت في 26 شباط/ فبراير، ردّ ظريف على مزاعم المتشددين بأنه لم يلتزم بالمبادئ والأوامر الصادرة عن المرشد الأعلى خلال المفاوضات النووية الرئيسة، قائلًا: “بالنسبة إليّ شخصيًا، كانت أهم المعايير الالتزام بأوامر المرشد … خلال المفاوضات [النووية]، ركزت معظم وقتي على الخطوط الحمراء التي رسمها المرشد الأعلى… بالطبع، لا يعني ذلك أننا قادرون على أن نلبّي جميع الأمور التي أرادها المرشد الأعلى… ما لم نتمكن من تحقيقه سنقوله، وسوف نحصل على تعليمات جديدة، وسنتصرف بناء عليها”.

بكلمات أخرى: يضع ظريف طاعة المرشد الأعلى أولويةً على المصالح الوطنية. هذه التراتبية تجعل الحرج الذي واجهه أمرًا شبه محتم. إذا كان ظريف أو أي وزير آخر ينظر إلى مهمة أحد المسؤولين على أنها تنفيذ لأوامر المرشد الأعلى؛ فعلى ذلك الشخص أن يقبل بتجاهله، إذا كان هذا هو ما يريده خامنئي.

على صعيد آخر، استخدم خامنئي باستمرار المعتدلين -مثل روحاني- والإصلاحيين -مثل محمد خاتمي- للهروب من الفخاخ التي أوجدها بنفسه للبلاد. في وقت لاحق، سيندد بالتنازل/ التسوية بكونه استسلامًا. هذا هو بالضبط ما حدث في ما يتعلق بالاتفاق النووي. استخدم خامنئي ظريف وفريقه التفاوضي، لإبرام خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA) التي رفعت العقوبات الاقتصادية، في الوقت الذي كانت البلاد فيه على وشك الانفجار بسبب الأسعار المرتفعة. بعدئذ، قبل بضعة أشهر، قال: “كانت المفاوضات حول خطة العمل الشاملة المشتركة خاطئة. كنتُ مخطئًا في ترك السادة، نتيجة لإصرارهم، أن يجربوا. وبالطبع، تجاوزوا الخطوط الحمراء المرسومة [مني]. لاقى المتشددون الإيرانيون هذه التصريحات بترحيب مدوٍ.

يمتلك خامنئي مندوبين في كل المؤسسات الإيرانية تقريبًا، في الوزارات والجامعات والقوات المسلحة وما إلى ذلك. ويعيّن شخصيات رئيسة في القوات المسلحة وفي مجلس صيانة الدستور القوي، وكذلك في رئاسة السلطة القضائية، كما يعيّن جميع أئمة صلاة الجمعة في المدن الكبيرة والصغيرة. وأخيرًا، ولكن بالتأكيد ليس آخرًا، يعيّن مدير الإذاعة والتلفزيون الرسمي، الذي يروّج ويرعى وجهات نظر خامنئي الكونية، ويهاجم باستمرار المعتدلين (لا توجد شبكة إعلامية خاصة في إيران). وينحدر هؤلاء المندوبون والمعيّنون، من دون استثناء، من أكثر الفصائل تطرفًا في معسكر المحافظين المتدينين.

إن هيمنة التطرف الديني هذا، الذي قاده وفرضه خامنئي، أسفر عن خيبة أمل كبيرة منه لدى الطبقة المتوسطة الحضرية، وتحديًا له، وهذا ما راكم الغضب تجاه النظام. لقد نجح هذا المزيج في تجريد المجتمع من أي استقرار حقيقي، كما تدل على ذلك سلسلة الإضرابات المستمرة والاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد. وفي ظل هذا المناخ المتوتر القائم، لم تسنح الفرصة لظهور نظام إدارة اقتصادي كلي مستقر وفعال، أو لتخطيط عملي طويل الأجل، أو نظام مؤسسي لمحاربة المصاعب الاقتصادية والفساد السائد. في النهاية، يُلقي خامنئي وحلفاؤه المتشددون اللوم بشكل روتيني على الإدارة المعتدلة عن كل هذه النواقص والعيوب.

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، فإن وجهة نظرة خامنئي التي يفرضها، ضررها على الاقتصاد ليس أقل مما هو على سياساته المحلية. بعد مدة وجيزة من ذروة الاتفاقية النووية بين إيران والقوى العالمية الرئيسة الأخرى؛ منع خامنئي أي مفاوضات أخرى مع الولايات المتحدة. ما دامت إيران تواصل موقفها العدائي تجاه الولايات المتحدة، ولا تتحرك باتجاه الانفراج، وتغلق الأبواب على أي مفاوضات، فمن الواضح أن الولايات المتحدة سترد بقسوة. حتى في حالة إدارة أوباما، بمقاربتها المخففة وروحها التنازلية، فقد كانت مسألة وقت، قبل أن يضطر الرئيس باراك أوباما إلى الرد على معاداة إيران. ظريف ليس ساذجًا لدرجة أن يتجاهل حقيقة أن إيران ستشعر بعبء أكبر من العقوبات الأميركية، طالما أن سياسة خامنئي المتمثلة في “لا محادثات، ولا انفراج” مستمرة.

في إيران، يُعتقد على نطاق واسع أن لمكتب المرشد الأعلى دورًا كبيرًا في شؤون البلد على أعلى مستوى. إن وجود محمدي غولبايغاني، مدير المكتب منذ تولي خامنئي منصب الزعامة عام 1989، وهاغانيان، كبير مساعدي خامنئي، ومير حجازي، يؤكد مدى ثقة الزعيم في هؤلاء الرجال الثلاثة. من المعروف على نطاق واسع أنهم يملكون نفوذًا قويًا على خامنئي في معظم قراراته.

أحد التساؤلات المحيرة هو أن روحاني تخلى عن وزير الخارجية الذي أضاف الكثير إلى حظوظه السياسية. عندما يتعلق الأمر بالسياسات في سورية والعراق ولبنان، فإن ظريف خارج الدائرة تمامًا. حتى روحاني لا يلعب دورًا فعالًا في هذا الصدد، حيث يتعامل الأسد مع سليماني. في الواقع، من المؤكد افتراض أن وجود روحاني في الاجتماع مع الأسد كان بسبب بروتوكولات دبلوماسية.

يجب التعامل مع ملاحظات سليماني المتعلقة بدور ظريف في السياسة الخارجية الإيرانية بعدم الثقة وبشيء من الشك. أكبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس الإيراني الراحل، قال ذات مرة في مقابلة نُشرت ضمن السيرة الذاتية: “لدينا الآن مشكلة حقيقية [مع قوات القدس]. المشكلة هي أن هذه القوى حرمت وزارة الخارجية من القيام بمسؤولياتها في أكثر البلدان حساسية. لا يمكن لأحد أن يعين سفيرًا في العراق وسورية ولبنان وأفغانستان واليمن، من دون موافقة قوات القدس”.

صورة الغلاف: بشار الأسد في لقاء مع المرشد الأعلى ومسؤولين حكوميين إيرانيين آخرين رفيعي المستوى (إيرنا)
اسم المقال الأصليThe Pictures Which Forced Zarif to Resign Reveal Deep Problems in the Iranian System
الكاتبشاهر شهيدساليس،SHAHIR SHAHIDSALESS
مكان النشر وتاريخهالمجلس الأطلسي،Atlantic Council، 27/2
رابط المقالhttps://www.atlanticcouncil.org/blogs/iransource/the-pictures-which-forced-zarif-to-resign-reveal-deep-problems-in-the-iranian-system
عدد الكلمات1082
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق