ترجماتسلايدر

دولة الخلافة أمست بقايا من دخان ونار – لم يبق مكان لداعش تذهب إليه

هناك وميض من النور في البلدة المظلمة، ناتج عن غارة جوية ضربت مستودع أسلحة تابع للدولة الإسلامية (داعش). بعد ثوان قليلة، تغطي كرة من اللهب الحي بأكمله. يرسل دويّ الصوت موجات صادمة عبر الباغوز، ويهزّ الأرض لمسافة أميال، ولوهلة، يغرق الجميع (البشر والحجر) بالصمت. ثم تبدأ نيران المدفعية من جديد.

بعد مرور خمس سنوات على اجتياح تنظيم (داعش) لسورية والعراق، كلّ ما تبقى من “الخلافة” التي امتدت في ذروتها عبر بلدين، وسيطرت على 10 ملايين نسمة، هو بضعة شوارع في أحد منعطفات نهر الفرات الذي يخترق هذه المدينة الصحراوية، وستُستعاد في الأيام القليلة القادمة.

محاصرة من الشرق والغرب بين “قوات سوريا الديمقراطية” التي يقودها الأكراد، والنظام السوري وروسيا على الضفة الأخرى من النهر، لم يتبق ثمة مكان يذهبون إليه، دولة الخلافة أصبحت جحيمًا من نار ودخان.

يقاتل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، بكل إمكاناته، لطرد داعش من آخر معقل لها. بعد هدنة لمدة 10 أيام لإخلاء النساء والأطفال من المدينة، استؤنف الهجوم في نهاية هذا الأسبوع، بوتيرة لم تشهدها حتى المعارك الكبرى في مدينتي الموصل والرقة.

يمنع قناصو داعش والانتحاريون والصواريخ الحرارية، “قوات سوريا الديمقراطية” من تحقيق مكاسب على الأرض خلال النهار. ولكن عندما يحل الظلام، تشن الطائرات والمروحيات الأميركية هجماتها التي تعوق داعش، كونها لا تملك مناظير للرؤية الليلية. يتمركز ما لا يقل عن 160 رشاشًا، ضمن فواصل بطول 50 مترًا فيما بينها على طول الجبهة، حيث يتردد صدى نيرانها عبر المنطقة.

نساء وأطفال يجلسون في صندوق شاحنة في أثناء انتظارهم التفتيش من قبل قوات سوريا الديمقراطية في ضواحي باغوز. تصوير: فيليب دانا/ أسوشيتد برس

بعد أن خيم الظلام على أحد الأسطحة بالقرب من الجبهة، يوم السبت 2 آذار/ مارس، أضاءت طلقات خطاطة حمراء من قذائف الهاون ونيران المدفعية أشجار النخيل والأنقاض. غيوم كثيفة من الدخان حجبت رؤية السماء.

“النهار لهم. لكن الليل لنا”، قال ميمو وان، قائد قوات سوريا الديمقراطية، بينما كان رجاله يلهون ويهتفون عقب كل انفجار. قُتل أحد عناصر الوحدات بواسطة عبوة ناسفة زرعتها داعش منذ بضعة أسابيع.

في اليومين الماضيين، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من إغلاق الفجوة المتبقية بمسافة كيلومتر واحد، بين داعش ومواقعها الخاصة، وقال وان: إن المسلحين أصبحوا الآن محاصرين بالكامل تقريبًا، وقُطعت جميع خطوط الإمداد عدا واحد.

وقال: “لقد وجدنا أجهزة اتصال لاسلكية رماها مقاتلون منسحبون، واستمعنا لذعرهم وحديثهم حول كيفية الفرار. من اللهجات، كان كثير منهم عراقيون ومن جنسيات أجنبية أخرى”.

ويُعتقد أن ما بين 1000 و 1500 رجل لا يزالون داخل ذلك الجيب على ضفة النهر، إلى جانب عدد غير معروف من النساء والأطفال. تعتقد قوات سوريا الديمقراطية أن المقاتلين المهمين ربما كانوا يحاولون رشوة النظام للسماح لهم بالعبور إلى البوكمال على الضفة الأخرى من الفرات.

وقال القائد عدنان عفرين: “كنا نتوقع فقط أن يغادر 2000 شخص في أثناء عمليات الإجلاء، لكن غادر أكثر من 9000 امرأة وطفل في النهاية، لذلك ربما يكون هناك عدد أكبر مما نعتقد من المقاتلين المتبقيين. لقد كانت هذه المعركة صعبة للغاية، لأن كثيرين سيقاتلون حتى النهاية”.

وتشير المعلومات الاستخبارية الحالية إلى أن الرهائن البارزين لا يزالون محتجزين في باغوز كأوراقٍ للمساومة. كما يوجد في البلدة طفلان أميركيان محاصران هما يوسف وزهرة شيخدر، اللذان تُوفيت والدتهما في غارة جوية، في كانون الثاني/ يناير، ويُعتقد أنهما محتجزان الآن لدى عائلة بريطانية اختارت أن تموت في المعركة من أجل البلدة.

أولئك الذين كانوا قادرين وراغبين في مغادرة باغوز غادروها على مدار الأسبوعين الماضيين، حيث كانوا يسيرون ساعات أو يصلون إلى نقاط التفتيش التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، حيث يوضعون في سيارات تُستخدم عادة لنقل الأغنام، ويُنقلون إلى السجون أو مخيمات النازحين.

يوم الجمعة الماضي، ألقت قوات سوريا الديمقراطية القبض على مئات الأشخاص الذين هربوا من القتال العالق في وسط الصحراء. وكان من بين هؤلاء ثلاثة أولاد مراهقون أُجبروا على القتال: ضعفاء من الجوع، وارتموا على الخبز الذي قدمه آسروهم.

التصق الأطفال الصغار بأمهاتهم، وأنوفهم وأيديهم زرقاء من شدة برد الصحراء. لا تحمل وجوههم أي تعابير. ومعظمهم لم يبكوا.

عنصر من قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد يحمل طفلةً لدى تفتيشها ووالدتها بعد أن غادرا باغوز. تصوير: بولنت كيليج/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي

حاولت مجموعة من الرجال المرور كمدنيين. تجاهل مقاتل بوسني طويل القامة الأسئلة، مغمضًا عينيه ومبتسمًا بهدوء قبل أن يرتعش ويسقط، وقال المسعفون إنه لم يتناول طعامًا منذ أيام، وإن جرحًا قديمًا في جذعه قد انفتح من جديد.

على الرغم من أن بعضًا من آخر مقاتليها هم من الأطفال أو الجرحى، ترفض داعش الخروج بهدوء من آخر معقل لها. في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الحملة المتجددة، قُتل ثلاثة جنود من قوات سوريا الديمقراطية، وأصيب سبعة آخرين بجروح بنيران القناصة والعبوات الناسفة. وقال الجنود إنهم رأوا عبر المناظير أن من بين المقاتلين نساء، وأن مهاجمتين انتحاريتين نفذتا هجومًا في الشهر الماضي.

لقد تحول الجهاديون إلى انتحاريين يستخدمون السيارات والدراجات النارية والدراجات العادية، كما زرعوا الأنفاق التي يستخدمونها للتخفي بالعبوات الناسفة. ووفقًا لقادة العملية، تواصل الجماعة استخدام المدنيين كدروع بشرية من الضربات الجوية.

بينما ضيقت قوات سوريا الديمقراطية الخناق على الجهاديين في شرق البلاد، قُتل في الشمال الغربي قرب إدلب 21 من الجنود السوريين والميليشيات الحليفة من قبل مجموعة منفصلة مرتبطة بتنظيم القاعدة، في أحد أكثر الانتهاكات خرقًا لاتفاق هدنة الأشهر الستة. وقع الهجوم الذي شنه مقاتلو أنصار التوحيد يوم الأحد في قرية المصاصنة، شمال محافظة حماة، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وقد أكدت وزارة الخارجية السورية الهجوم.

في باغوز، وفي موقع على أحد أسطح المبانى بقيادة وان، تسمع أصوات أجهزة اللاسلكي التي تخبرهم بوفاة أحد مقاتليهم على الجبهة التي تبعد 400 متر.

في صباح يوم الأحد، في ضواحي باغوز، وفي موقع أعلى الهضبة في البلدة، يمكن رؤية الأضرار الواسعة الناتجة عن الغارات الجوية والقصف بوضوح. ارتطمت سيارة مفخخة عند بوابة أحد المساجد، فسقطت قبة المبنى.

غطت زهور الربيع الصفراء وأزهار جديدة على الأشجار غبار الركام الأبيض، وفي أحد المنازل هناك شجرة رمان متفحمة، لم تُقطف قط، تُركت لتتعفن على الأغصان.

أسكت دوي المدفعية ونيران الرشاشات تغريد العصافير في الربيع. الحريق الناتج من الغارة الجوية في الليلة السابقة على مستودع الأسلحة لا يزال مشتعلًا، مرسلًا أعمدة من الدخان الأسود نحو سماء الصحراء الزرقاء.

صورة الغلاف: تصاعد الدخان في السماء في إثر قصف الباغوز. تصوير: بولنت كيليج/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي

اسم المقالة الأصليThe caliphate is a hellscape of smoke and fire – Isis has nowhere left to go
الكاتببيثان ماكيرنان،Bethan McKernan
مكان النشر وتاريخهالغارديان،The guardian، 3/3
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/world/2019/mar/03/isis-nowhere-baghouz-last-stronghold-syrian-defence-forces
عدد الكلمات979
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق