سلايدرقضايا المجتمع

رأس النظام السوري المتهم الوحيد باستخدام غاز الكلور في هجوم دوما

(الغارديان): دور أوروبا حيوي في تقديم الأسد ومن ساعده للعدالة

أكدت (منظمة حظر الأسلحة الكيميائية) التابعة للأمم المتحدة، يوم الجمعة الأول من الشهر الحالي، أنّ مفتشيها خلصوا إلى أنّ “مادة كيميائية سامة” تحتوي على الكلور، استُخدمت في هجوم دوما في نيسان/ أبريل الماضي. تزامن ذلك مع نشر صحيفة (الغارديان) البريطانية مقالًا للكاتبة ناتالي نوغيرد بعنوان (يمكن تقديم الأسد للعدالة ودور أوروبا حيوي)، حول تحقيق العدالة في جرائم رئيس النظام السوري بشار الأسد، دعت فيه إلى عدم التخلي عن الأمل بتقديم الأسد وأتباعه، ومن ساعدوا نظامه الإجرامي، إلى العدالة يومًا ما.

تأكيد المنظمة الدولية جاء بعد أيام قليلة من إصدار (معهد برلين الدولي للسياسات العامة) GPPI تحقيقًا قال فيه إنّ الهجمات الكيمياوية في سورية أكثر بكثير من الأرقام الرسمية المتداولة.

وأشار التحقيق، الذي نشرته صحيفة (دير شبيغل) الجمعة 15 من شباط/ فبراير الفائت، إلى وقوع 336 هجومًا كيمياويًا في سورية “بصورة مؤكدة”، منذ عام 2013 حتى عام 2019، وإلى أنّه تمّ استخدام غازات محرمة دوليًا خلالها، بما فيها الكلور والسارين.

وبحسب تحقيق الصحيفة الألمانية، الذي يعدّ أوّل تحقيق مستقل في ألمانيا، فإنّ نظام الأسد مسؤول عن (98 بالمئة) من هذه الهجمات، على الرغم من إعلانه تدمير مخزونه الكيمياوي بالكامل عام 2013.

بشار الأسد مع عدد من كبار ضباطه في الغوطة الشرقية
  • ترسانة النظام الكيمياوية تفتك بالسوريين

(منظمة حظر الأسلحة الكيميائية) قالت في بيانها: إنّ المعلومات التي جمعتها قدمت “أسسًا معقولة للقول إنّ مادة كيميائية سامة استُخدمت كسلاح في السابع من نيسان/ أبريل عام 2018”. مضيفة: “هذه المادة الكيميائية السامة كانت على الأرجح الكلور الجزيئي”. وكانت دوما في ذلك الوقت خاضعة لسيطرة المعارضة السورية، ومحاصرة من قوات موالية للنظام.

وأثار القصف الكيمياوي في دوما تنديدات دولية واسعة، وجاء الرد الأقوى من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يتردد، في تغريدة على حسابه في (تويتر)، يوم 8 أبريل/ نيسان 2018، في وصف رئيس النظام بشار الأسد بـ “الحيوان”.

كما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بتنفيذ ضربات جوية محدودة لأهداف تابعة للنظام، من ضمنها ضرب الميليشيات المعروفة باسم “قوات النمر” (قائدها العميد سهيل الحسن) التي تحظى بدعم روسي كبير.

وبيّن تقرير المعهد الألماني أنّ العديد من الهجمات اللاحقة استخدم فيها غاز الكلور، الذي يتحول إلى حمض الهيدروكلوريك عند استنشاقه، ويمكن أن يعرّض الجهاز التنفسي للتلف، ويؤدي إلى الوفاة في بعض الحالات.

طفل من ضحايا سلاح الكيمياوي الأسدي

وجاء في التقرير أنّ نظام الأسد، الذي عقد “صفقة” مع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، تقتضي تدمير ترسانته الكيمياوية لوقف هجوم أميركي كان على الأبواب بعد مجزرة الغوطة عام 2013، “لم يكن يرتدع عن اللجوء إلى تلك الأسلحة. ليس ذلك وحسب، بل تمكّن من استخدامها لأغراض استراتيجية”.

وبدأ تحليل معهد GPPI البحثي، في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2012، لكن الغالبية من الهجمات التي يشير إليها التقرير وقعت بعد إعلان الرئيس أوباما، عام 2012، أنّ استخدام الأسلحة الكيمياوية ضدّ المدنيين في سورية سيكون خطًا أحمر لإدارته.

وذكر الباحثون الذين أنجزوا هذا التقرير أنّهم توصّلوا إلى تلك النتائج، من خلال شهادات الشهود، وتحليل ما بعد الهجوم، بما يتضمن تقارير عن الآثار الناجمة عن استخدام مواد كيمياوية، وكيف تمّ نقل الأسلحة إلى مواقع الهجوم. مشيرين إلى وجود 162 تقريرًا إضافيًا عن استخدام السلاح الكيمياوي في سورية، إلا أنّ فريق المحققين لم يستطع إثباتها والتأكد من صحتها.

صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية التي تابعت التقرير الصادر عن المعهد الألماني، وصفته بأنّه “السجل الأكثر شمولية” حتى الآن، للانتهاكات الكيمياوية التي اقترفها نظام الأسد منذ عام 2011. مشيرة إلى أنّ هذا السجل يمكن أيضًا اعتباره جزءًا من قضايا “جرائم حرب” قد ترفع ضدّ نظام الأسد في المحافل الدولية مستقبلًا.

من وقفة احتجاجية بإدلب للمطالبة بمحاسبة بشار الأسد
  • الأسد.. سجل حافل بقتل السوريين بالكلور

(الشبكة السورية لحقوق الإنسان) ذكرت، الشهر الفائت، أنّ ما لا يقل عن 191 هجومًا كيمياويًا في سورية، تنتظر التحقيق. مشدّدة على وجوب أن تكون (الهجمات) على جدول أعمال (منظمة حظر الأسلحة الكيميائية)، بعد ولايتها الجديدة التي بدأت في شباط/ فبراير 2019. وكانت المنظمة الدولية قد تسلمت مهام جديدة، في حزيران/ يونيو الماضي، إذ أصبح من صلاحياتها تحديد المسؤولين عن الهجمات الكيمياوية، بعد أن اقتصرت مهامها سابقًا على تحديد استخدام السلاح الكيمياوي أوقع بالفعل أم لا.

وأكد تقرير سابق للشبكة السورية الحقوقية، صدر في نيسان/ أبريل الماضي، أنَّ نظام الأسد خرق الاتفاق الأميركي – الروسي، و”معاهدة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية”، وكلّ قرارات مجلس الأمن المختصة بالأسلحة الكيمياوية (2118، و2209، و2235)، وبالتالي يجب على (منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية) باعتبارها جهة متضررة وجزءًا من هيئات الأمم المتحدة، أن تُقدّم ادّعاء إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وأن تُطالب بمحاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيمياوية، نظرًا إلى مخالفتهم بنود الاتّفاق الموقَّع بين النظام والمنظمة، عبر إحالة أعضاء المنظمة، بعد موافقة ثلثي أعضائها الـ 41، الملف إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ليحيله بدوره إلى النائب العام للتحقيق وتحضير الملف للمحكمة الجنائية الدولية. غير أنّ شيئًا من هذا القبيل لم يحدث، على الرغم من مرور عشرة أشهر!

مراقبون ومحللون سياسيون عرب رأوا أنّه لم يعد مستغربًا لجوء النظام السوري المتكرر إلى استخدام الأسلحة الكيمياوية ضدّ المدنيين، في ظلّ غياب أيّ محاسبة له على ما يزيد عن 330 مرّة استُخدم فيها هذا السلاح، وسط حماية روسيا له وتعطيلها أيّ إمكانية لمعاقبته في مجلس الأمن الدولي، وفي ظلّ اكتفاء دول العالم بالتصريحات المنددة، باستثناء مرّتين: الأولى قامت فيها الولايات المتحدة بقصف قاعدة الشعيرات الجوية وسط سورية، في نيسان/ أبريل 2017 كرد على هجوم نظام الأسد الكيمياوي على مدينة خان شيخون، قبل أيام من ذلك التاريخ، ومقتل نحو (90) مدنيًا.

مئات الضحايا في مجزرة الكيمياوي بخان شيخون بينهم عشرات الأطفال

والثانية شنّت فيها واشنطن وباريس ولندن، فجر يوم السبت 14 نيسان/ أبريل 2018، هجومًا على أهداف تابعة للنظام، ردًا على الهجوم الكيمياوي الذي استهدف بلدة دوما في الغوطة الشرقية، وأدى إلى مقتل أكثر من 150 مدنيًا وإصابة ما يزيد عن الألف.

وكانت لجنة تحقيق مشتركة، انبثقت من قرار مجلس الأمن رقم 2235، قد اتّهمت في نهاية آب/ أغسطس 2016، مروحيات عسكرية سورية باستخدام غاز الكلور في بلدتين في محافظة إدلب، هما بلدة تلمنس في 21 نيسان/ أبريل 2014، وبلدة سرمين في 16 آذار/ مارس 2015.

وفي 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، صدر تقرير عن اللجنة المشتركة مفاده أنّ قوات النظام السوري شنّت هجومًا، بالسلاح الكيمياوي، مستخدمة مادة الكلور في بلدة قميناس في محافظة إدلب، في آذار/ مارس 2015. غير أنّ الهجوم الأبرز الذي سلّط الأضواء على هذه المجازر في بدايتها، هو الذي شنّته قوات النظام في 21 آب/ أغسطس 2013، على الغوطة الشرقية ومعضمية الشام قرب دمشق، وأكدت المعارضة حينذاك أنّ غاز السارين استُخدم فيه. لكن نظام الأسد، كما في كلّ مرّة، نفى ذلك.

وفي نهاية ذلك الشهر، أعلنت الولايات المتحدة بـ “قناعة راسخة” أنّ نظام الأسد مسؤول عن ذلك الهجوم الذي أوقع 1429 قتيلًا، بينهم 426 طفلًا. وفي 16 أيلول/ سبتمبر، نشرت الأمم المتحدة تقريرًا لخبرائها الذين حققوا في الهجوم، يتضمن “أدلة واضحة” على استخدام غاز السارين.

  • أطنان من الأدلة توثق مسؤولية النظام عن المذابح

الكاتبة الصحافية البريطانية ناتالي نوغايريد قالت في مقالها: إنّ مذكرات الاعتقال الصادرة مؤخرًا في ألمانيا وفرنسا، بحق ثلاثة من ضباط مخابرات الأسد، “تمنح بصيصًا من الأمل لضحاياهم ومستقبل تحقيق العدالة في البلد”.

مبرزة أنّه على الرغم من أنّ هذه الاعتقالات هي الأولى من نوعها، فإنّ مذكرات اعتقال أخرى قد تمّ إصدارها بحق مرتكبي جرائم الحرب في سورية، مثل مذكرة اعتقال جميل الحسن، رئيس فرع “المخابرات الجوية” سيئ الصيت، إضافة إلى عدد من القضايا المرفوعة في المحاكم الأوروبية، التي لا تزال في بداياتها، خاصّة في السويد والنمسا.

محققون دوليون في سورية لتوثيق جرائم الكيمياوي بحق السوريين

نوغايريد بيّنت أنّ “طريق العدالة طويل، ولكنه أكيد، خاصّة أن المحاكم الأوروبية تشهد نشاطًا محمومًا للاستفادة من الكم الهائل من الأدلّة المتوفرة لمقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب في سورية”.

ورأت، وهي المهتمة بالشأن السوري، أنّ وجود مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في أوروبا، يضعهم موضع مسؤولية خاصّة في ملاحقة الأسد وأعوانه، الذي تسبب -خلال السنوات الثماني الماضية- في تدمير البلد الذي يحكمه. موضحة أنّ وجود “مبدأ الولاية القضائية العالمية” يسمح للمحاكم في الدول الأوروبية بمقاضاة المتهمين بـ “جرائم الحرب”، إن حدثت خارجها، ضدّ أحد مواطنيها أو من قبل أحدهم.

أكدت نوغايريد أنّ الشعب السوري قد خذل، حيث إن الوضع الجيوسياسي الحالي يوفر الحماية للأسد بوجود الدعم الروسي – الإيراني، في مقابل التخاذل الدولي، خاصّة من قبل الإدارة الأميركية، والتركيز على محاربة تنظيم (داعش) الإرهابي، قائلة في السياق: إنّ “ما جرى في ألمانيا وفرنسا مجرد تذكير بأنّ العدالة تطال المجرمين مهما طال الزمن”.

وشدّدت ناتالي نوغايريد على أنّ “تطبيق العدالة ضروري لضمان نزاهتنا واستقامتنا. فالأجيال القادمة ستسأل يومًا ما عمّا فعلناه تجاه المذبحة، التي ذهبت بأرواح مئات الآلاف وشردت الملايين، وعما فعلناه لضمان عدم تكرار هذه المآسي، على الرغم من حدوثها مرارًا منذ الحرب العالمية الثانية”. مؤكدة “وجود فرق نشطة في الأمم المتحدة، تمتلك أطنانًا من الأدلة التي توثق مسؤولية قادة النظام، بمن فيهم الأسد، عن المذابح التي ارتكبوها، وقد تم تهريبها من الداخل السوري”، مذكرة بأنّ “الوضع السياسي الحالي سيتغير، وأنّ بشار الأسد ما يزال عمره 53 عامًا”.

أطفال ضحايا قصف قوات الأسد لبلدة دوما بالكيمياوي

وذكّرت نوغايريد، بأمثلة حصلت في دول أخرى، وعدّتها دليلًا على “ضرورة عدم تجاهل خروقات حقوق الإنسان مهما طال الزمن، لا لمجرد أنّها تخدم كرادع ضدّ المزيد من هذه الانتهاكات، بل لأهميتها أيضًا في تحقيق السلم بين الضحايا، ولضمان أن يتذكر التاريخ الرواية الحقيقية لما جرى، بدلًا من أن يكتبها المجرم ذاته”. ضاربة مثال محاكمات “الخمير الحمر” في كمبوديا، التي جرت بعد عقدين من المذبحة التي ارتكبوها، واعتقال أوغستو بينوشيه بعد ثماني سنوات من انتهاء دكتاتوريته في تشيلي، وسلوبودان ميلوسوفيتش الذي مات في السجن لا في قصر في صربيا.

في السياق، أوضحت الكاتبة البريطانية أنّ ميزان القوى مال إلى جهة الأسد، منذ التدخل الإيراني والروسي لمصلحته. والدور الذي لعبته روسيا لعرقلة محاولات الأمم المتحدة وقف نزيف الدم، وتحويل سورية إلى محكمة الجنايات الدولية.  فيما تخلت أميركا عن السوريين عندما لم تتحرك للرد على المذابح الجماعية. وفعلت أوروبا الأمر نفسه. وتقول إنّ معظم النقاش المتعلق بسورية يدور اليوم حول (داعش) وآخر معاقله الأخيرة وانسحاب القوات الأميركية من سورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق