ترجماتسلايدر

هل ثمة ربيع عربي جديد قادم؟

ما تزال ظروف الاضطرابات قائمة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، لكن السياقات تختلف

في الأسابيع الأخيرة، انطلقت احتجاجات جماهيرية متواصلة، ضد اثنين من القادة المستبدين الذين حكموا مدة طويلة في جنوب البحر الأبيض المتوسط. في السودان، دفعت ثلاثة أشهر من التظاهرات الرئيسَ عمر البشير إلى إعلان حالة الطوارئ مدة عام كامل، وحلّ حكومات البلاد الاتحادية وحكومات الولايات، في محاولة لتعزيز حكمه.

لكن الاحتجاجات استمرت، وما زال موقفه ضعيفًا. يرى البعض أن نهاية عقوده الثلاثة في السلطة تلوح في الأفق. وكتب زملائي محمد عثمان وماكس بيراك: “ينظر كثيرون في شوارع السودان إلى قرار البشير، الأسبوع الماضي، كخطأ كلاسيكي يكرره الدكتاتوريون اليائسون في آواخر أيامهم، وهذا يثير آمالهم بأن أيامه باتت معدودة”.

في هذه الأثناء، في الجزائر، كبرت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، على مدى الأسبوعين الماضيين، داعية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى التخلي عن ترشحه لفترة خامسة في انتخابات نيسان/ أبريل. سيبلغ بوتفليقة من العمر 82 مع نهاية الأسبوع، وهو في السلطة منذ عام 1999. وأصيب بجلطة دماغية في عام 2013 تركته يستخدم كرسيًا متحركًا، ولم يتحدث إلى الناس منذ سبع سنوات.

تقدّم حالة بوتفليقة الصحية السيئة شيئًا من استعارة تُطلق على حكومة الشيخوخة القائمة في الجزائر. منذ فوزها بالاستقلال الدامي عن فرنسا في عام 1962، لم تتخلَّ جبهة التحرير الوطنية التي كانت يومًا ما ثورية، عن السلطة. والآن، بات بوتفليقة المريض على رأس ما ينظر إليه المنتقدون على أنه نظام بالٍ، يدعمه كبار ضباط الجيش، وأجهزة الاستخبارات، ومجموعة من رجال الأعمال الأثرياء.

في عام 2011، عندما هزت الاضطرابات السياسية العالم العربي، حافظت حكومة بوتفليقة على نفسها حتى في الوقت الذي جرفت فيه الدكتاتوريات في مصر وجاراتها تونس وليبيا، باستخدام إعانات سخية لتهدئة التوترات الاقتصادية، كما يفسر بوبي غوش من بلومبرغ. لكن الانخفاض في أسعار النفط العالمية أجبر الحكومة على تقليص إنفاقها الاجتماعي. وأضاف غوش: “على الرغم من ذلك، تتلاشى الذكريات، وتفقد المساعدات الحكومية قيمتها مع مرور الوقت. بعد ثمانية أعوام من الربيع العربي، قد يكون بعض الجزائريين مستعدين لثورة أخرى”.

يحذر المحللون من إعلان مجيئ ربيع عربي جديد، ليس أقله أن الاضطرابات في السودان والجزائر تجري في سياقات مختلفة. ولكن في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، لا تزال ظروف الاضطرابات الكبرى قائمة، بل قد تكون أسوأ.

“إن التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه كل نظام في الشرق الأوسط تقريبًا اليوم هي أسوأ، من حيث حجمُها، عما كانت عليه في عام 2011، وما تزال العوامل البنيوية التي تمكن العدوى الاحتجاجية قويةً”، كما أشار مارك لينش في مدونة مونكي كيج بوست The Post’s Monkey Cage.  وتابع: كانت الأحداث في الجزائر والسودان جزءًا من “سلسلة أوسع من حركات احتجاج شعبية، ضربت أكثر من ثلث دول المنطقة على مدار العامين الماضيين”، ومنها الاحتجاجات الرئيسة المناهضة للفساد وللحكومة، في الأردن والعراق وتونس وإيران.

في كل من الجزائر والسودان، تمتلك الحكومات تركات طويلة ووحشية من القمع، وكما ذكر زملائي من الخرطوم: “تقول جماعات حقوق الإنسان إن أكثر من 50 شخصًا قد قُتلوا على أيدي قوات الأمن [السودانية] منذ بدء الاحتجاجات في منتصف كانون الأول/ ديسمبر. واُحتجز آلاف غيرهم -منهم شخصيات بارزة في المعارضة ومحامون وأطباء وصحفيون- إلى أجل غير مسمى، في مجموعة من مراكز الاحتجاز التي تديرها أجهزة الاستخبارات السودانية”.

لقد صنفت الحكومة في الجزائر، على وجه الخصوص، نفسها لعقود من الزمن كمتراس ضد الجماعات الإسلامية المتشددة في شمال أفريقيا. وقد أدت صورتها -كدعامة أساسية للاستقرار الإقليمي وشراكتها في عمليات مكافحة الإرهاب مع الحكومات الأوروبية- إلى دفع كثيرين في الغرب إلى التغاضي عن قصورها الديمقراطي وخنقها للمعارضة.

منذ ثورات 2011، تحركت الملكيات في شبه الجزيرة العربية -خاصة في الرياض وأبو ظبي- لقمع الحركات الإسلامية أو المناصرة للديمقراطية، في أجزاء مختلفة من العالم العربي، بحجة أنهما بحاجة إلى استعادة النظام. وقدموا دعمًا مستمرًا إلى رجال أقوياء، مثل البشير، متجاهلين سجلاتهم المروعة.

وبغض النظر عن قدرات هذه الأنظمة الحقيقية جدًا على سحق المعارضة، فإن بقاءها لم يعد أمرًا واقعًا. حيث كتب لينش قائلًا: “مع تزايد التحديات الاقتصادية والديموغرافية، وتجريد المؤسسات السياسية من الشرعية، فإن الأنظمة التي تمارس الحدود القصوى من القمع الفعلي لا تملك سوى خيارات قليلة للتصعيد. حتى لو لم تنتشر الاحتجاجات بتلك السهولة التي حدثت بها عام 2011، فهناك دائمًا أحداث مثيرة محتملة -موت زعيم شائخ، وتغييرات دستورية مثيرة للجدل، وتخفيضات مالية لا يمكن تجنبها، حتى نهاية الحروب الأهلية- تكمن في الأفق”.

قد يأمل حلفاء بوتفليقة في شراء الوقت، بينما يستعدون لرحيله في نهاية المطاف. لكن شرعيتهم تواجه تحديًا من جيل شاب غاضب وخائب الآمال، وعلى دراية تامة بعجز بوتفليقة. مصطفى بوشاشي، وهو محام يدافع عن حقوق الإنسان في الجزائر العاصمة، قال لصحيفة نيويورك تايمز: “الرئيس غير قادر على إدارة الدولة وتعيين المسؤولين. لم يعد هذا الشخص قادرًا على القراءة أو الكتابة. لقد أُخذ رهينة من قبل عصابة مافيا”.

يوم الأحد، 3 آذار/ مارس، بدا أن الضغط الشعبي في الجزائر قد أكسب المحتجين نوعًا من الانتصار. في رسالة قرأها مدير حملته الانتخابية، أعلن بوتفليقة أنه في الواقع مرشح لولاية خامسة، من المرجح أن يفوز بها، في ظل النظام السياسي الجزائري الأقل ديمقراطية. لكنه أشار إلى أنه سيستخدم تفويضه لقيادة “حوار وطني” من شأنه أن يؤدي إلى انتخابات جديدة في العام المقبل، لن يشارك فيها.

“هذه الرسالة هي ردُّ بوتفليقة الأول على الاحتجاجات، وهي اعتراف واضح بأن أسبابها صحيحة”، على حد تعبير أندرو ليبوفيتش، وهو خبير في شؤون شمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. لكنه أضاف أن الرسالة “لا تترك مجالًا للمناورة، إذا استمرت الاحتجاجات”.

في السودان، يحذّر الخبراء من أن قرار البشير تسليم السلطة المؤقتة إلى وكلاء عسكريين سيكون مقدمة لسقوطه. وقال مجدي الجزولي المحلل السياسي السوداني، لصحيفة (واشنطن بوست): “الضباط الذين تثق بهم الحكومة الآن هم -إلى حد ما- الذين يُخشى أن يقوموا بانقلاب”.

إذا لم يكن كذلك، فإن المتظاهرين ما يزالون يتعهدون بالعودة إلى الشوارع. وقال صلاح شعيب، الناطق باسم المنظمة الرئيسة التي تقود الاحتجاجات: “إن الخطوة الأخيرة للبشير ليست سوى محاولة للبقاء في السلطة، لتجنب المحاكمة على الجرائم التي ارتكبها. سنستمر في الكفاح من أجل التخلص من النظام، وإعادة بناء البلاد بمؤسسات ديمقراطية جديدة”.

اسم المقال الأصليIs a new Arab Spring on the way?
الكاتبإسهان ثأرور، Ishaan Tharoor
مكان النشر وتاريخهواشنطن بوست،The Washington Post، 4/3
رابط المقالhttps://www.washingtonpost.com/world/2019/03/04/is-new-arab-spring-way/?utm_term=.ae0effa47269
عدد الكلمات944
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق