قضايا المجتمع

من عمق القهر… صبري وعلاء صبري الشويتي

لم يعد أربعاء تلك المدينة، عند صبري الشويتي، عيدًا أسبوعيًا، ذاك الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالطرفة وخفة الدم، وإيميسا التي سميت مدينته على اسمها لم تشفع له، وتلك العدية لم تعد الطيبة الخيرة، بل كانت لديه بمعنًى واحد، أم الحجارة السود، حيث لم تعد الحجارة السود دليلًا على الخلود والنبل والقوة، بل غدت بلون قتامة المشهد في عينيه وعيني زوجته وأولاده، فقد جمعت غربان تلك المدينة بمناقيرها كلّ الحجارة السود في قلبه، لتعلن شهادته قبل أن يموت بكثير، مذ هاجمت تلك الوجوه الكالحة تاريخًا اسمه ديك الجن الحمصي، ولم يردّ ابن الوليد عنه الهجوم المغولي على ياسمينة بيته التي أنعشت كل المارة من تحتها، وهم يمرون من جانبها مترنحين بعطرها، ولم يقوَ عاشق تائه على منع نفسه من قطف ياسمينها هدية لحبيبته.

يومها بكت الياسمينة واستفاقت على صرخةٍ دوّت في أرجاء المدينة بأكملها، كان صوت زوجته المعلمة صرخة معجونة بكل قهر الكون، في وجه تلك الدبابة ووجه ذلك الطاغي المعربش على كرسي من دم، وخفافيشه تتوارى خجلًا من أمّ ردد الحجر الأسود، في كل أسوار المدينة وأبوابها وأزقتها وسقوف أسواقها القديمة صدى صوتها: “ولدي الغالي، لينتقم الله من ذاك الطاغية الذي أخذك عنوة من قلبي، عسى الله ينتقم منك…”.

اعتُقل علاء بحجج واهية، غيبوه مدة ثم أعادوه، وبعد مدة وجيزة أعادوا اعتقاله بذريعة أخرى أتفه من الأولى، هنا غاب وجه علاء كاملًا، وبقي الأب صبري الشويتي ينتظر، سبع سنين متتالية، عله وزوجته وأولاده يهنؤون بنظرة واحدة من وجه ذاك الشاب الجميل، الذي لم ينهل بعدُ من ماء الحياة. غصة وحرقة كانتا في حلق أبيه، كلما شرب الماء، تقيّأ لوعة واشتياقًا، وكلما تذوق الزاد، غصّ قهرًا على ولد غاب، لا يعرف أهو يأكل ويشرب أم لا، وكلما تجوّل في المدينة كانت أسنان أحفاد المغول تنتهك حرمة وعيه الفذ ونزاهته المعهودة.

مذ وُلد، لم تستطع جحافل الفوضى، لا قبل الثورة ولا بعدها، أن تطال منه قيد أنملة، كان في عمله ذاك العصامي الذي ما زاود يومًا، ولا رضي لنفسه مهانة مقابل خدمة ما، بل كان يدًا تمتد لكل ذي حاجة دون منة، وإذا سألتَه سؤالًا ما، في تاريخ سوريته، رأيته ذاكرة أمينة لتاريخها بحفظه أسماء كل من صنعوا فعلًا، وطنيًا كان أو مواربًا.

لم يكن يدوّن بعصبيات المثقفين المتبجحين، بل بموضوعية العاقلين الذين يرون المشهد واضحًا بكل قتامة ألوانه، حتى إن البعض كان ينظر إليه نظرة المتعالي، لأنه كان السيف اللاذع لكل من أراد أن يكون بوقًا، كان ضد كل الاحتيالات التي تلبس حينًا وجه العلمانية، بعمامة طائفية مخبأة في جيوب المنافقين، وحينًا بادعاءات لحراس مشاهد على أنهم الصواب الأكيد ببدلات أنيقة يرتدونها، ويخبؤون فيها كل ازدواجية المواقف غير المعلنة.

لم يرَ المشهد القاتم يوم اعتقلوا ابنه فحسب بل منذ أربعين عامًا مضت.. لكن الضريبة كانت غالية، دفعها يوم اضطر إلى دفع مبلغ ليعرف خبرًا عن ابنه، بعد غياب دام سبع سنين، وكان الجواب أن الابن قد انتهت صفحة حياته، وليس على الأب إلا الصبر. والصدفة المرة أن روحه كان لها النصيب الأكبر من اسمه، حيث تجرّع بصبره كؤوسًا من علقم شربها صمتًا مدة عام كامل، وهو يتوارى ويتخفى بجدران بيته من عيون زوجته وأولاده، فلم يشأ أن يخبرهم بما علمه عن مصير فلذة كبده، كان رجلًا غاية في الشهامة، حيث سمح للحلم والأمل أن يمتد سنة أخرى، لتسعد بها أمٌّ لفحتها نار الانتظار.

كان يقطر دمًا بصمت شامخ، بينما كان يراقب زوجته وهي تكتب أسماء المحبين لهم، وترسم لوحات بأسماء من ستخبر أولًا وثانيًا وثالثًا ووووووو، بخبر عودة علاء المفاجئة، لتطلق زغرودة فرح بلقيا ابن قلبها، ولكن الفاجعة كانت أكبر، يوم فتحت المتصفح لتقرأ خبرًا طائشًا، يزف لها بشرى استشهاد ابنها؛ فصرخت صرخة، لا تشبه تلك الأولى يوم اعتقلوا ابنها، كانت هذه المرة صرخة لم تجب أرجاء حمص فحسب، بل جابت العالم بأكمله، لتنشق كل السموات معلنة ألمَ أمّ وأب وإخوة. ويا ليت المشهد وقف هنا وحسب… بل استمر القهر في قلب الأب صبري الشويتي، وهو يمسح دموع زوجته، ليكون لها ولأولاده كسور الصين العظيم.

بعد شهر من فجيعة موت ابنٍ من دون شاهدة مرّ بالكَون، وغادره من دون وداع يليق به، لم يقوَ ذاك السور، الذي نالت منه تصدعات القهر الأفقية والعمودية، على الصمود؛ فاستشهد هو أيضًا، لكن على سريره وليس في المعتقلات التي أبادت ابنه.. حيث كان السرير معتقلًا يوميًا شيدته قوى المغول، وزرعته في ذاك القلب الجميل ليدوي بصرخةٍ، من دون صوت، صرخة مهيبة بصمت كل الكون أمام هذا كل هذا القهر… الموت وحده كان رحيمًا بأبي علاء، فلم يشأ أن يعذبه أكثر، فقد استرق وردة ووضعها على أنفه، فاستنشق صبري الوردة، وغط في نوم أبدي.. لروحه ولروح علاء، ولأرواح كل من يشبهونهم، كل السلام وكل وقفات الصمت الأبدية إجلالًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق