تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الجولان: ترامب – هرتزل – الأسد

لم تكن الساحة الإسرائيلية تعيش أفضل حالاتها، في الفترة التي سبقت إعلان الرئيس الأميركي ترامب، عزم إدارته الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، فقد كان لها نشوة مماثلة، عند الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على القدس، ونقل السفارة الأميركية إليها، إذ حفلت العطايا الأميركية للمحتل الإسرائيلي في عهد ترامب، بما لم تكن تحلم به منذ خمسة عقود، خصوصًا بما بات يُعرف بـ “صفقة القرن” التي يجري التعبير عنها بخطوات إسرائيلية أميركية متبادلة على الأرض.

مع مجيء إدارة ترامب إلى البيت الأبيض؛ اندفعت السياسة الأميركية في انتهاج سياسة عدوانية واضحة، حيال القضايا المصيرية في المنطقة، والمتعلقة بالاعتراف بسيطرة الاحتلال الإسرائيلي على القدس والجولان والضفة الغربية، فضلًا عن تأييد الاستيطان، وإسقاط حق العودة للاجئين، وإعلان الحرب على وكالة الأمم المتحدة لشؤون للاجئين (أونروا) وقطع المساعدات المالية عنها.

الاندفاعة الأميركية نحو الاحتلال الإسرائيلي، بجرأة غير مسبوقة، وذرائعها مع إعلان ترامب منح “شرعية” للمحتل في الجولان، كان لها بيئة وأجواء، على الصعيد الإقليمي والمحلي، حيث إن جرائم وفظاعات النظام السوري ضد الشعب السوري تمثل المناخ المطلوب دوليًا، لتمرير جملة الإجراءات الأميركية والصهيونية في المنطقة.

قبل أيام قليلة، أعلن الاحتلال الروسي تجهيزه ست نقاط مراقبة في الجولان، كي ينعم المحتل الإسرائيلي بأمان مديد عقودًا قادمة، في هذا الوضع أسهم المحتل الروسي والإيراني في تهيئة الظروف المناسبة للاعتراف الأميركي بسيادة صهيونية على الجولان، طالما أنها لا تمس وظيفة ووجود الأسد، ففي الجعبة كثيرٌ من الثرثرة السياسية التي تكفي لتبرير وتمرير المواقف.

أمام ذلك كله، يدرك التحالفان: الأميركي الإسرائيلي، والروسي الإسرائيلي، أن استمرار حكم الأسد وسيطرته وبطشه بالمجتمع السوري هو من أعظم الخدمات والإنجازات التي يسهل من خلالها تمرير وقائع العدوان والسيطرة الصهيونية، في الجولان والقدس وبقية المناطق المحتلة، لذلك لم يكن في جعبة موسكو المقابلة للجرأة الأميركية سوى تقديم مزيد من أدوات القتل والإجرام للأسد، مقابل دعم أميركي غير محدود للمحتل، والاعتراف بكل إجراءاته وسياساته، والتعبير عن الحماية المطلقة التي توفرها الولايات المتحدة لـ “إسرائيل”.

منذ احتلال الجولان عام 1967، لم تكن هناك مواقف واضحة وجلية من موسكو، تواجه الاحتلال الإسرائيلي، لا في الحرب الباردة ولا الساخنة، فقد اقتصرت المواقف على رفع بعض الشعارات التي زادت من وتيرة الاستيطان في الهضبة، وبعدما منح الأسد الأب فترة هدوء وطمأنينة مديدة للاحتلال، مقابل سيطرته على الحكم؛ ساعدت موسكو في إرساء قواعد المحتل وهدوئه، من خلال إقرار فصل القوات الذي تتغنى به هذه الأيام، وإرسال رسائل للصهاينة تؤكد قدرة الأسد على حماية الحدود في الجولان، وقدرته على البطش بالسوريين، بينما ألحان ترامب تغرد على موجة مختلفة.

في عهد ترامب ونتنياهو، ينعم الأسد بسيطرة وحشية على السوريين، ويحلم بالإفلات من العقاب، وفي عهدهم لن يكون للجولان والجولانيين إفلات من المحتل ومن إجراءاته، وفق ما تلمسه السوريون، خلال الأعوام الماضية والعقود الخالية.

ما يحمله المستقبل المنظور أن المحتل يحاول تكريس فرح موازٍ لأفراح الأسد بالسيطرة، ومدة أطول للإفلات من العدالة، فالجولان وتحريره ليس واردًا في قاموس من باعَه، ووفر مناخ الطمأنينة للمحتل الروسي والإيراني والإسرائيلي والأميركي، وبقية الدوائر الغربية تعرف أن المعادل لبقاء الأسد هو الجولان.

معادلة الأسد الأب والابن كانت امتدادًا طبيعيًا لدور النظام التاريخي، في إطار قهر وظلم المجتمع السوري، وفي تقديم ضمانات لا تقلّ أهمية عن تلك التي قدّمها تيودور هرتزل للصهيونيين الأوائل.

الاتساق مع ممارسات الاحتلال أو “التفوق” عليها، في كثير من الحالات، يجعل قضيةَ الجولان أو القدس، أو المقاومة وتحرير الأرض، مفضوحةً أكثر من التخاذل والتواطؤ، من نظام يحلم بأبدية سلالته التي ستندثر مع محتلين وطغاة كثر في الأرض، وسيكون للجولانيين مع أشقائهم فجر جديد، يتجاوز الهرتزليين والبلافرة الجدد، من قصر المهاجرين إلى البيت الأبيض، مرورًا ببقية العواصم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق