مقالات الرأي

الثورة السورية في عامها التاسع: مراجعة نقدية أولية (1/ 2)

هل بدأت الثورة السورية في الخامس عشر من آذار/ مارس، بتظاهرة الحميدية؟ أم أنها بدأت في الثامن عشر من آذار/ مارس، في درعا، نتيجة تراكمات حالة الغضب، على إثر اعتقال الأطفال، وتعذيبهم، واقتلاع أظفارهم، وتغييب بعضهم؟

هل كانت الثورة السورية استمرارية، وحصيلة لأحداث الثمانينيات، كما سمعنا من بعض قيادات الإخوان المسلمين؟ أم أنها كانت تطويرًا للانتفاضة الكردية التي كانت في الثاني عشر من آذار/ مارس عام 2004، لتصبح ثورة على المستوى الوطني؟ وذلك كما سمعنا وقرأنا في تحليلات بعض الكرد من القائلين بالبعد الوطني للقضية الكردية في سورية.

أسئلة تُطرح مع غيرها من قبل السوريين، وهي أسئلة تبدو متعارضة متنافرة، بالنسبة إلى صاحب النظرة المحدودة التي لا تتجاوز تخوم ديار القبيلة بأسمائها المختلفة. لكن الأمور، بالنسبة إلى صاحب النظرة الوطنية الواسعة التي تشمل كل المكونات السورية وسائر أنحاء الوطن السوري، هي متداخلة ومتشابكة، شكلت بتفاعلها مقدمات لثورة مستمرة منذ ثمانية أعوام قاسية، كابد خلالها السوريون ظروفًا كارثية في سائر الميادين، وتعرضوا لحملات من القتل والتهجير والتدمير، من قبل نظام يريد أن يبقى بأيّ ثمن، نظام استقدم ميليشيات تحمل شارات وشعارات تبدو متناقضة، بينما أكدت الأحداث تكامل أدوارها واشتراكها جميعًا في مواجهة ثورة السوريين على الاستبداد والفساد، التي شارك فيها السوريون، من مختلف الأجيال والتوجهات والانتماءات الفرعية، وكانت الأهداف واضحة جلية: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

لسنا هنا في وارد تأييد هذا الفريق أو ذاك من المتمسكين بأحقيتهم بشرف البدء بالثورة، أو التمهيد لها؛ لأننا نرى أن مقدمات كثيرة قد تضافرت في ما بينها، وتفاعلت تراكماتها حتى وصلنا إلى مرحلة كان الشعب ينتظر فيها الشرارة الأولى التي قد نختلف حول مكانها وزمانها، ولكنها -سواء أحدثت هنا أم هناك- كانت حصيلة منطقية لمقدمات أفرزتها سياسات نظام الاستبداد والفساد والإفساد، على مدى عقود.

لقد قيل الكثير حول العوامل التي أدت إلى الإخفاقات التي كانت في إطار الثورة السورية، وأسباب عدم تمكّن السوريين من بلوغ الأهداف التي ثاروا من أجلها. وهي عوامل كثيرة، بعضها داخلي سوري، وبعضها دولي إقليمي.

وسنتوقف هنا عند العوامل الداخلية تحديدًا، سواء أكانت على صعيد النظام أم على صعيد المعارضة. أما العوامل الأخرى الخارجية، فسنتركها، على أهميتها، إلى مناسبة أخرى.

لم يكن النظام مستعدًا للتنازل عن شيء من السلطات المطلقة التي سلبها من السوريين، بقوة السلاح وأحابيل أجهزة المخابرات. ولذلك كانت ردات أفعاله، منذ اليوم الأول على مطالبات السوريين بالإصلاحات، هي التهديد والوعيد، بل إنه لجأ إلى الاعتقالات، ومارس القتل، ولا سيّما في درعا، وزج الجيشَ في عمليات المواجهة مع المدنيين من السوريين الذين خرجوا بصورة غير مسبوقة، في معظم المدن والبلدات السورية، حتى بات الجيش -بحكم تركيبته السلطوية الطائفية- أداةً قمعية استُخدمت لضرب السوريين. ولعل هذا ما يميّز الوضع السوري من أوضاع الدول العربية الآخرى. ففي تونس ومصر، لم يتدخل الجيش بصورة مباشرة، واكتفى بممارسة القيادة من الخلف، إذا صح التعبير، لذلك وجدنا التغيير السريع الذي حدث في موقع رأس النظام. بينما في اليمن، انقسم الجيش عموديًا وأفقيًا، وأصبح من الصعوبة بمكان استخدامه بصورة مباشرة لقمع المتظاهرين المحتجين على حكم علي عبد الله صالح. هذا في حين أن الوضع في ليبيا تقاطع، إلى حدٍ بعيد مع الوضع العراقي في 2003، إذ تم تفكيك الجيش، وإلغاء دوره.

واليوم، نلاحظ أن دور الجيش في كل من السودان والجزائر يشبه، بهذه الصيغة أو تلك، دور الجيش الذي كان في كل من مصر وتونس.

أما في سورية، فقد اعتمد النظام -منذ اليوم الأول- سياسة الاستماتة من أجل البقاء. ومن الواضح أنه كان قد تهيأ مع حليفه وراعيه الإيراني لذلك، فاعتمد لغة التحدي والتخوين والتهديد ضد الثائرين عليه، ولجأ إلى استراتيجية اتهام الثورة بالإرهاب في أيامها الأولى.

أما الحوارات الشكلية التي دعا إليها فاروق الشرع، أو الوعود الخلبية الإيهامية الخاصة بإصلاح زائف التي أطلقتها بثينة شعبان، فقد كانت للتعمية والتضليل، وإيهام المترددين من السوريين بوجود نية جادة لدى النظام بإحداث إصلاحات حقيقية تشمل إلغاء حالة الطوارئ، وإلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، إلى جانب سنّ قانون للأحزاب وآخر للإعلام. ثم تبيّن لاحقًا أن النظام كان قد اتخذ قرار المواجهة منذ اليوم الأول للثورة، بل ربما قبل اندلاعها. فقد كان يتلمّس إرهاصاتها عبر تملل الناس، وبحثهم عن المخرج.

وإذا عدنا اليوم إلى الخطاب الأخير لبشار الأسد، وذلك بعد مرور ثمانية سنوات على انطلاقة الثورة، وبعد كل الكوارث التي حلت على الشعب السوري نتيجة سياسات وممارسات النظام؛ رأينا أن توجهه لا يتقاطع -من قريب أو من بعيد- مع خطاب رجل دولة مسؤول، يعمل على توحيد السوريين، رغم كل ما حدث. بل هو خطاب تهديد ووعيد، وتشفّ مفعم بالاتهامات القدحية الحاقدة، الأمر الذي يؤكد أن النظام ما زال يتحرك -كما كان يفعل دائمًا- بعقلية عصابة تتحكم في البلد بقوة السلاح. ولا يهمه في هذا المجال، إذا كان هذا السلاح يمتلكه ويتحكم فيه الآخرون، ما دام المطلوب من جانبه هو الاستمرار، على الرغم من كل الإذلال الذي يتعرض له، من جهة روسيا وإيران.

أما من جانب المعارضة، فقد كانت تعاني، منذ اليوم الأول، صعوبات كبيرة تتمثل في عدم وجود أحزاب قوية ذات صدقية شعبية، كان من شأنها تحديد الإطار العام للثورة وقيادتها من موقع الفاعل المؤثر. فالأحزاب الموجودة كانت ضعيفة، حائرة، غير واثقة من نفسها، وتفتقر إلى الجرأة التي كان يوجبها الموقف لقيادة المتظاهرين الثائرين، ومواجهة النظام بصورة مفتوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق