مقالات الرأي

الثورة السورية في عامها التاسع: مراجعة نقدية أولية (2/ 2)

مع تأسيس المجلس الوطني السوري، في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 2011، في نسخته الثانية، بجهود حثيثة من جانب أكاديميين معارضين مستقلين؛ تشكّلت هيئة وطنية سورية، تصدّت لمهمة قيادة الثورة، خاصة بعد التظاهرات الحاشدة التي خرجت في مختلف أنحاء البلاد، وهي ترفع شعار: “المجلس الوطني يمثلني”. وعلى الرغم من الدور اللافت الذي قام به المجلس في بدايات تأسيسه، على صعيد التحرك الدبلوماسي والظهور الإعلامي، فإنه كان منذ البداية أسير القراءة الخاطئة لمواقف المجتمع الدولي من القضية السورية. فقد كان الاعتقاد السائد هو أن التغيير سيتم بسرعة، كما حصل في كل من مصر وتونس وليبيا، وأن المسألة هي مسألة وقت، وكانت الحسابات مبنية على هذا الأساس. ولم ننتبه، ونحن جميعًا نتحمّل المسؤولية في هذا المجال، إلى ما يميز الوضع السوري من أوضاع الدول العربية الأخرى. وذلك من جهة طبيعة النظام ودور الجيش، والموقع المحوري لسورية، وأهمية سورية الحيوية، بالنسبة إلى القوى الدولية والإقليمية المتصارعة عليها.

ونتيجة للقراءة الخاطئة المعنية، تم التغاضي عن الأخطاء التي كانت تتراكم تدريجيًا، حتى أدت في نهاية المطاف إلى تحولات نوعية باتجاه الأسوأ، تمثلت في أزمات بنيوية ليس من السهل معالجتها. كما أن العسكرة العشوائية، والتدخلات الإقليمة والدولية في التمويل والتسليح، بعيدًا من إرادة المجلس الوطني السوري كمؤسسة، بل بعيدًا من معرفته، ألحقت ضررا كبيرًا بالثورة، من جميع النواحي.

من ناحية أخرى، دخلت القوى الدولية والإقليمية، بأساليب وطرق مختلفة، ومن خلال منظمات عدة على خط مجالس الإدارة المحلية، وخصصت لذلك مبالغ ضخمة، استُخدم قسم كبير منها في استقطاب الشباب من نشطاء الثورة الذين استغلوا -سياسيًا- لمصلحة أجندات لم تكن تتقاطع مع توجهات المجلس الوطني، وإنما كانت تؤدي إلى إضعافه، والحد من تأثيره. وقد تناغمت مجموعات من داخل المجلس مع تلك الجهود، لتستفيد بدورها من الامتيازات التي كانت تُعرض.

وهكذا خضع المجلس لجملة ضغوط داخلية، من جانب بعض المعارضين السوريين الذين ظلوا لأسباب عدة خارج المجلس، أو كانوا قد خرجوا منه لأسباب. كما عانى المجلس آثارَ الخلافات الداخلية ضمن صفوفه، نتيجة تباين المواقف حول كيفية التعامل مع المحاولات التي كانت تستهدف المجلس ككل، وذلك لتعبيد الطريق أمام جسم جديد، يكون بالنسبة إلى المجتمع الدولي أكثر مرونة، وأكثر استجابة لتوجيهات المتحكمين.

مع الانتقال إلى الائتلاف، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، دخلت المعارضة السورية مرحلة جديدة، اتسمت بتعاظم التدخل الإقليمي- الدولي في شؤونها الداخلية، وتحولت تدريجيًا إلى مجرد واجهة للتغطية على الجهود الدولية، والتوافقات الجزئية المتعارضة في بعض الأحيان، بين مختلف القوى الدولية والإقليمية، خاصة بعد عملية التوسعة الشهيرة التي تمت بضغط دولي محكم من جانب النواة الأساسية ضمن مجموعة دول أصدقاء الشعب السوري.

وهكذا فقدت المعارضة القدرة على اتخاذ القرارات بحكم عدم وجود مرجعية شعبية قوية، تمكّن المتصدرين للعمل السياسي من اتخاذ القرارات الصعبة، إذا ما لزم الأمر. كما أن العمل العسكري كان بعيدًا كل البعد من دائرة نفوذ المؤسسة السياسية وقرارتها، ولم تكن تحظى هذه الأخيرة بأي تمثيل قانوني دولي، يمكنها من إصدار الوثائق التي يحتاج إليها السوريون الذين كانوا يشكلون نحو نصف الشعب السوري، ويعانون الأمرين من النزوج واللجوء القسريين، سواء في الداخل الوطني أم في الجوار الإقليمي.

واستمرت الأمور هكذا، حتى بدأت مفاوضات جنيف الأولى التي استندت إلى بيان جنيف 1. ولم تتمكن المعارضة من توحيد موقفها مما كان يجري، ولم يتمكن الخطاب الشعبوي من إنجاز شيء على أرض الواقع.

استمرت الأزمة إلى حين تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات في الرياض، كانون الأول/ ديسمبر عام 2015، التي جاءت لتكون أكثر تمثيلًا لمختلف أطراف المعارضة. ولكن الخطأ الذي وقعت فيه هو أنها تجاوزت دورها. فعوضًا من أن تتصرف كهيئة تقينة وظيفية، مهمتها الدخول في المفاوضات وإدارتها، واعتماد الاستراتيجيات والدراسات الداعمة للوفد المفاوض، بغية تحقيق الحد الأدنى على الأقل من تطلعات السوريين، بما يتناسب مع التضحيات الكبرى التي قدمها الشعب السوري في مختلف الميادين، عوضًا مما تقدم، باتت توحي بأنها تمثل القيادة الفعلية للمعارضة.

وجاءت الهيئة العليا في نسختها الجديدة (تشرين الثاني/ نوفمبر 2017) التي مثلت في واقع الحال انقلابًا على الأولى بجهود سورية، ومباركة إقليمية ودولية، لتبعد الأعضاء الذين وصفهم وزير الحارجية الروسي لافروف بالمتشددين، وتضم ممثلين من جهات عدة، قيل إنها تمثل المعارضة، ولكنها في واقع الحال كانت تسير بموجب أجندات دولية إقليمية تصل إلى مواضع التعارض بينها إلى حد التناقض. وتكررت الأخطاء ذاتها من جهة التصرف، وكأن الهيئة تمثل قيادة المعارضة، بل باتت مرجعية لذاتها، الأمر الذي شتت الجهد المعارض بين جملة من الفعاليات الهشة، حتى أصبحت المعارضة الرسمية غير قادرة على اتخاذ موقف مشترك مما كان يُعرض عليها من قبل القوى الإقليمية والدولية. وهكذا شارك بعضهم في مسار أستانا، ومن ثم سوتشي. هذا في حين ظل بعضهم متمسكًا بمسار جنيف. وكان التعاون بين المشاركين في المسار، وفق الحسابات الدولية لا وفق حسابات السوريين، وكل ذلك أضعف موقف الثائرين على النظام.

وجاءت اتفاقيات خفض التصعيد، والصفقات التي كانت في مناطق عدة، بتغطية من واجهة سورية، أُعلن عنها في بعض الأحيان، أو ظلت في الغرف المغلقة بعيدة من الأعين في معظم الأحايين، حتى وصلنا إلى الوضعية الراهنة المسدودة الآفاق، بالنسبة إلى النظام والمعارضة في الوقت ذاته، هذا إذا استمرت الأمور هكذا.

فالنظام محكوم بتناقضاته الداخلية، وحالة عدم الوئام بين أجنحته المختلفة، والتنافس المعلن وغير المعلن بين الروس والإيرانيين، حول الاستئثار بالحصة الأكبر من الميراث السوري. والمعارضة الرسمية في صيغتها الحالية، عبر مؤسساتها، غير قادرة على أداء أي دور فاعل خارج نطاق ما يُسمح لها إقليميًا ودوليًا.

ولكن ما يعزز الأمل هو وجود حركة دؤوب ونقاشات بينية، بين مختلف المعارضين والقوى الشبابية على وجه التخصيص، تستهدف الوصول إلى حل لهذه الوضعية غير السوية، يُعيد توجيه البوصلة في الاتجاه الصحيح، ويضع حدًا لكل هذا العبث الكارثي الذي أنهك شعبنا على مختلف المستويات، وفي سائر الجهات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق