تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل هُزم داعش؟ ماذا عن رأسه في دمشق؟

لا شك في أن الانتصار على الإرهاب هو هدف كل سوري، وكل إنسان اكتوى بنار وجرائم الإرهاب، لكن الإعلان عن هزيمة تنظيم (داعش) الإرهابي في سورية لا يعني الانتصار عليه ونهايته إلى غير رجعة. إعلان هزيمة التنظيم الذي حاول كسر إرادة السوريين وثورتهم، مرتبط بمصلحة القوى المحلية والإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي ربطت وجودها الاحتلالي في سورية بمحاربة التنظيم، وكذلك جميع القوى والميليشيات المصطفة خلف شعارات النظام السوري بذريعة محاربة الإرهاب، وكذا أجهزة الاستخبارات الغربية وغيرها الموجودة على الأراضي السورية بتلك الذريعة.

لقد كان طبيعيًا أن تنعكس مقاومة السوريين للإرهاب الذي جاء به تنظيم (داعش) الإرهابي، والتصدي لنظام الأسد الراعي الأساس للإرهاب، وهذا ما دفع (داعش) وأخواتها إلى التأثير في مسار الثورة السورية، وفي أحلام وتطلعات الشعب السوري، طوال الأعوام الماضية التي تلت قيام الثورة، وقد بدا ذلك واضحًا من خلال تعثر مسيرة حرية السوريين عمومًا. ونرى أن تنظيم (داعش) مكّن الأسد من إعادة السيطرة، وأعطى نصرًا مزعومًا للقوى المحتلة، وبات للسوريين “مناطق آمنة” لا وجود لإرهاب (داعش) فيها، إنما الوجود لرأس (داعش) وأذرعها ممثلة بالنظام وأتباعه، وبإمكان السوريين العودة لبيئته، وهذا هدف إعلان “النصر”.

قبل أيام، أعلنت (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) المدعومة من الولايات المتحدة هزيمة تنظيم (داعش) في قرية الباغوز على نهر الفرات، ومن ثم توالت التصريحات المحذرة من الإفراط بالتفاؤل بالنصر، إذ تبرز الحقائق التي كشفتها الحرب على تنظيم (داعش) الإرهابي، وهي تتجاوز في حجمها وطبيعتها الجرائم التي خلفها التنظيم الذي زرع أرض السوريين المحررة خرائب ودمارًا، ومهّد للأسد وللقوى المحتلة التقدم على حسابها، ولم يعرف له مواجهة أو معركة كبرى إلا مع السوريين، لقتل إصرارهم على الحياة والتحرر، وتلك عقيدة تقاسمها (داعش) مع النظام، ومع أجندة الأطراف المحتلة للأراضي السورية.

معركة هزيمة الإرهاب لم تبدأ بعد، ولن تكون دون أخذ قرار التخلص من رأسه في قصر المهاجرين بدمشق، وقطع أذرعه ودحر ميليشياته، حيث أفرزت الحرب على تنظيم (داعش) حقائق جديدة، وما زال السوريون يعيشون مرحلة صراع الأطراف على إعطاء هذه الحقائق الشكل الأكثر ملائمة للإرادة السياسية للأطراف، والإقرار بأن رأس الإرهاب يبدأ بهرم النظام، وينتهي بقاعدته الأمنية وبتحالفاته المحلية المتشعبة شرقًا وغربًا.

استمرار تجاهل المجتمع الدولي لإرهاب النظام حيال المجتمع السوري، حتى في أوج الإعلان عن هزيمة (داعش)، وارتكاب طائراته وطائرات المحتل الروسي عدة مجازر في الشمال السوري، في أرياف إدلب وحماة، وتجاهل المجازر المرتكبة في شمال وشرق سورية من قبل التحالف الدولي، يقود كل ذلك إلى الإقرار بالأشكال المتعددة لقبول خلق “مناطق آمنة وخاضعة” للنظام ولقوى الاحتلال، أي متجانسة سياسيًا وشعاراتيًا. في موضوع التخلص من الإرهاب (من دون تناقض) يفترض أن تُوجه كل السهام نحو محاربة إرهاب قائم منذ ثمانية أعوام، ضحاياه ملايين السوريين.

لم تكن استراتيجية الولايات المتحدة -كزعيمة لمحاربة تنظيم داعش- تختلف عن استراتيجية النظام وحلفائه، فهي اجتهدت مع المحتل الروسي – الإيراني، لإقامة حقل سياسي وأمني “متجانس” فيما بينهم، ينزوي الجميع تحته، ويُحكم بنزاع ظاهري فيما بينهم، لكنهم متفقون على استمرار إرهاب الأسد لتطويع السوريين إلى الأبد. وهزيمة التنظيم الإرهابي ممكنة، لكن الإرهاب قائم ومستمر، حيث تخفي معتقلات الأسد عشرات آلاف السوريين، وآلة الدمار الروسية الإيرانية الأسدية مستمرة، لإكمال مهام إرهاب السوريين في الشمال.

هذا الحقل السياسي “المتجانس”، في محاربة الإرهاب من تركيا إلى طهران ثم واشنطن وموسكو وتل أبيب، وصولًا إلى عرينه في دمشق، هو وحدة مترابطة من عدة أجزاء، ولكل جزء دور وظيفي محدد في ممارسة الثورة المضادة على السوريين، فلم تعد النظرة إلى محاربة الإرهاب وهزيمة (داعش) من خلال طقوس محددة الأهداف منذ البداية، فقد كان المحور هزيمة الشعب السوري بالإرهاب، وتسليطه على رقابهم.

انفضح كل شيء، لم تعد حكايات هدم آمال السوريين، تمرر بخزعبلات يجري فضحها كل يوم على مدار ثمانية أعوام. الإرهاب كامن في نظام قائم على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سورية، فهل بعد الإعلان عن هزيمة (داعش) ستُهزم الأسدية، أم سيجري تلميع عرين الإرهاب بدمشق، بمسحة مهترئة يعرفها ملايين السوريين؟

من دون هزيمة الأسدية؛ لا هزيمة للإرهاب ولا لـ (داعش) وأخواتها ولا للاحتلال، ولا هزيمة لكل مفردة من مفردات قهر الإنسان في سورية والمنطقة، لسبب بسيط هو أن مصلحة النظام مع الإرهاب ستبقى أقوى وأكبر، لأنها حققت له مكاسب يعتقد أنها ستدوم للأبد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق