ترجماتسلايدر

يجب ألا يكون صمتنا غطاءً للجرائم التي ارتُكبت في إدلب

لمَ استسلم العالم؟.. لمَ كل هذا الصمت من العالم؟.. لمَ لا يهتم بنا أحد؟.. لماذا لا يتضامن أحد معنا؟.. ألا قيمة لنا عندهم؟.. أنحن مجرد أرقام؟.. ماذا حدث للعالم؟!”.

أصغوا إلى رسالة (فريد) من محافظة إدلب. لقد سمعنا الرسالة نفسها، منذ بداية حرب الإبادة التي قام بها بشار الأسد ضد سكان بلده. هناك خط أحمر غير مرئي يفصل بيننا نحن الذين يهتمون بالأعداء ويحتجون ضدهم ويسمونهم ويخجلون منهم، والذين قد تقع جرائمهم ضد الإنسانية، في ما أسمته حنة أرنت “ثقوب النسيان”.

المأساة، مرة أخرى

تحدثت وسائل الإعلام الغربية بكثافة عن سقوط داعش في الباغوز، لكنها غضت الطرف عن مأساة إدلب، والمذابح التي لا تنتهي في الأجزاء التي يسيطر عليها الأسد من سورية. إنهم يعتبرون فوز نظام الأسد إنجازًا حتميًا. وكما لاحظ سفير فرنسي سابق في سورية: “لقد كانت المعركة ضد تنظيم البغدادي الإرهابي الأولوية القصوى، بالنسبة إلى الحكومات الغربية، على حساب التورط الحقيقي في القضية السورية على الصعيد العالمي”.

منذ آذار/ مارس 2011، خلّف التقاعس وصمةَ عار دائمة على جبين ما يسمى “الدول الحرة”. على مدى الشهر الماضي، شهدنا قصف المدنيين القاسي من قبل النظام وروسيا على محافظة إدلب. وتجاوز عدد الضحايا مئة شخص، منهم الكثير من الأطفال. مرة أخرى استُهدف رجال الإنقاذ من (الخوذ البيضاء) والمرافق الطبية، وارتُكبت جرائم الحرب، ويبدو أن القوى الغربية تعدّ هذا السياق العادي الجديد.

كان تصاعد الصراع متوقعًا. لم تخفِ موسكو نيتها مساعدة النظام السوري في استعادة سورية بأكملها، كما أعلن سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، علانية. السؤال ليس إذا، ولكن متى وكيف. على المدى القريب، ستحدد المفاوضات بين تركيا وروسيا مصير محافظة إدلب، لكن رغبة أنقرة في أن تكون حاميًا لإدلب ما تزال غير مؤكدة.

في ظل الموت/ قريبًا من الموت

نعرف أن منطقة إدلب، حيث وصل مليونا لاجئ بشكل جماعي من مناطق أخرى من سورية، ستكون ملاذًا محفوفًا بالمخاطر. عانى سكانها آثار عمليات التطهير التي قامت بها هيئة تحرير الشام، التي تسيطر على جزء كبير من المنطقة. إنها توفر للنظام وروسيا ذريعة للتدخل باسم “محاربة الإرهاب” التي كانت منذ مدة طويلة تقدّم غطاءً خطابيًا لجرائم النظام. في الخريف الماضي، خرج المتظاهرون في إدلب إلى الشوارع ضد كل من الأسد وهيئة تحرير الشام. غالبًا ما يُشتبه في أن الجماعة تقف وراء مقتل رائد الفارس وحمود جنيد.

يمكننا أن نتخيل تأثير القصف المتواصل على منطقةٍ يسكنها أكثر من 3 ملايين شخص، من بينهم مليون طفل، ولا مكان لهم للهرب. قد يُنذر بأسوأ مأساة للمدنيين في هذه الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات. 80 في المئة من هؤلاء المدنيين مدرجون على قوائم المطلوبين من دمشق، ومحكوم عليهم بالتعذيب والقتل على أيدي النظام. وما الذي سيكون عليه مصير المدنيين المفرج عنهم بعد سقوط الباغوز؟ لقد فروا من جهنم الخلافة ليقعوا في قبضة الأسد.

على الغرب أن ينقذ سكان إدلب وجميع السوريين من قبضة الأسد. إن إيقاف النظام وروسيا في إدلب هو فرصتنا الأخيرة، وإن الفشل في التصرف سيمثل فشلًا ذريعًا للعالم الحر. على مدار الأعوام الثمانية الماضية، لم نظهر أي إرادة لحماية المدنيين ووضع حد لمقتل أكثر من 500 ألف شخص. لقد قررنا منح موافقة ضمنية على الجرائم التي لا نهاية لها ضد الإنسانية. نخفي جبننا وراء كلمات فارغة مثل “العجز” أو بوقاحة أكثر، “الواقعية” و”التعقيد”. هل سنستمر في منح القاتل تفويضًا كاملًا؟ هل نتركه حرًا لارتكاب مزيد من جرائم الحرب؟ هل سنقوي روسيا بوتين مرة أخرى، العدو اللدود للقانون الدولي والعازم على تدمير نظام عالمي قائم على العدالة والحرية؟ هل سنخفي إلى الأبد ضحالتنا الأخلاقية وراء ما يسمى الدبلوماسية والقرارات الفارغة والإدانات غير الفعالة؟ هل سنسمح بانتصار الخيانة والأكاذيب؟

إذا كان الأمر كذلك؛ فما هي شرعية أوروبا في الادعاء بالدفاع عن الحرية وسيادة القانون؟ من الواضح أن اتخاذ الإجراءات الآن سيكون أكثر تحديًا مما كانت عليه الحال بين أعوام 2013 و2016. إن انسحاب القوات الأميركية من سورية، مع أنه غير كامل، لن يجعل الأمور أسهل. إنه يسلط الضوء على افتقار إدارة ترامب إلى العزم على تحقيق انتقال سياسي. كانت وزارة الخارجية على حق في إدانة الهجمات، لكن الإدانة وحدها لا تبشر بالرغبة في التصرف. والانقسام الأوروبي حول/ على سورية عائق آخر.

إن عدم القدرة على التنبؤ بدور تركيا، وميل بعض دول الخليج إلى تبييض جرائم الأسد، من خلال إعادة فتح سفاراتها في دمشق، قد قوضا التحالفات المحتملة.

ما يزال بوسعنا اتخاذ إجراء، وبالتالي يجب علينا

لا يزال لدى فرنسا والاتحاد الأوروبي القدرة على التحرك. إنه جزء من جهودنا الرامية إلى إنفاذ القانون الدولي، ولا سيّما القانون الإنساني، وكذلك مسؤولية الحماية. إن ضخامة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب تستدعي أكثر من مجرد إدانة. لا يمكن لأوروبا والدول المتحالفة معها أن تفصل موقفها من سورية عن جهود النظام الروسي المتعددة الجوانب لزعزعة الاستقرار. سورية وأوكرانيا هما رافعتان تستخدمهما موسكو لتدمير النظام الدولي. لا يمكننا فصل سياستنا تجاه إدلب عن تمسكنا بالعدالة الدولية، والسعي لتحقيق انتقال سياسي، والوصول الإنساني والإفراج غير المشروط عن جميع السجناء السياسيين.

يجب على فرنسا والاتحاد الأوروبي أن يضعا ثقلهما في تكوين اللجنة الدستورية المسؤولة عن الانتقال السياسي، وألا يُسمح لمجموعة أستانا (التي يبدو أنها تتصدع) أن تقودها. على الرغم من أن ذلك ممكن فقط في المستقبل البعيد، فإن الانتخابات الحرة في سورية تحت إشراف دولي يجب أن تشمل الجميع، ولا سيّما اللاجئين والمشردين داخليًا. فشل ستيفان دي ميستورا، المبعوث الخاص السابق للأمم المتحدة، ولا يزال غير بيدرسون، المبعوث الحالي، غير مدركًا تمامًا للحيل الروسية، ولم يطالب بالإفراج عن السجناء السياسيين. وهذا يجعل مشاركة فرنسا والاتحاد الأوروبي أكثر ضرورة، على الرغم من أن الدبلوماسية لن تكون كافية.

يجب أن يكونوا حازمين في المطالبة بأن لا يكون الأسد جزءًا من عملية الانتقال السياسي. إذا بقيت عائلته في السلطة، فإن المذابح في سجون النظام ستستمر. يجب استبعاد أي مساعدة لإعادة الإعمار، طالما بقي الأسد حاكمًا لسورية.

لا يستطيع 5,6 مليون لاجئ ولا 6,2 مليون نازح داخلي العودة بأمان إلى الوطن. إن قانون الملكية الجديد الذي أصدرته دمشق، والذي يضفي الشرعية على مصادرة ممتلكاتهم، يجعل هذا الأمر مستحيلًا. هذا الكلام الواضح هو سبب مقنع لأوروبا ودول الشرق الأوسط لتطبيق سياسة لجوء فعالة. يجب أن يواصلوا السعي لتحقيق العدالة في سورية، والعثور على جميع الوسائل القانونية لمحاكمة المجرمين، واشتراط أي عملية انتقالية بإطلاق سراح السجناء السياسيين.

لم ينتصر الأسد في الحرب

يجب أن يُعزز موقفنا عبر سردية واضحة من الزعماء الأوروبيين لمواجهة دعاية النظام. من المضلل أن نُصرح بأن الأسد قد فاز في الحرب. ما يقرب من 30 في المئة من البلاد ليست تحت سيطرته. حتى في المناطق التي يسيطر عليها النظام، يواصل بعض السوريين، الذين يواجهون الخطر بشجاعة ويتظاهرون. دعونا نتخلص من جديد وإلى الأبد من الفكرة الخاطئة بأن الأنظمة الاستبدادية مستقرة إلى حد ما، بل على العكس من ذلك، فهم يحملون بذور ثورات الغد.

  • يجب ألا نعترف أبدًا بالنظام، وأن نضغط على الدول العربية لتجنب هذا الفخ.
  • يجب ألا نخدع أنفسنا بتحالفات الأسد: الحكومة وروسيا وإيران تشكل كتلة. على الرغم من بعض وجهات النظر المتباينة، سيكون من الخطأ الاستراتيجي السعي لتقسيم الكتلة ووضعها ضد بعضها البعض، كما حاول رئيس وزراء إسرائيل. لا يزال الأسد يحتفظ بحكمه فقط لأن أنصاره الأجانب لن يتركوه يسقط.
  • من وجهة نظر عملية، وبغض النظر عن انتقاداتنا للممالك الخليجية، يجب علينا إعادة بناء التحالفات بشأن القضية السورية. إنها المهمة الأكثر صعوبة وخطورة، لكن ليس لدينا خيار.
  • أخيرًا، يجب أن نبذل قصارى جهدنا لجعل إنشاء منطقة آمنة حول محافظة إدلب أولوية. سيقدم الاستسلام للنظام وروسيا انتصارًا أيديولوجيًا واستراتيجيًا له عواقب بعيدة المدى على الأمن العالمي. إذا لم نتمكن من فرض هذه المنطقة الآمنة، فكيف يمكننا تنظيم انتخابات حرة في سورية تحت المراقبة الدولية؟

بعيدًا من نظرة المنظمات الإخبارية الدولية

يعتمد الكثير على قدرة المعارضة السورية الديمقراطية على إنتاج جيل جديد من القادة المتحدين، من بين أولئك الذين تعرضوا لمخاطر كبيرة، من خلال المشاركة في الاحتجاجات المناهضة للنظام. لا يمكن أن تكون الدول الغربية هي القوة الدافعة في هذا، ولكن يمكن أن تساعد في تنظيم اللاعبين الرئيسين في أي عملية انتقال في المستقبل.

لا يزال التعتيم يخيم على سورية. خلف الأسوار المغلقة، يعتقل الأسد ويقتل. ولا يجرؤ سوى القليل من المواطنين، الصحافيين الشجعان على رفع الصوت عاليًا، ولكن نادرًا ما تُسمع أصواتهم من قبل القادة والزعماء السياسيين. لقد أطلق الأسد سراح إرهابيي داعش الذين ساعدوه في القضاء على المعارضين غير الإسلاميين، والذين لم يقاتلوا ضده أبدًا.

قريبًا لن يكون هناك صوت قادم من سورية، وسيغطي الصمت صراخ الضحايا تدريجيًا. قد يتم إسكات ضميرنا الجبان، وقد يتبدد الإحراج الناتج عن خيانتنا، لكن العالم سيبقى أقلّ أمانًا. وسيكون هذا ما يتبقى لنا.

اسم المقالة الأصليSilence must not obscure the crimes committed in Syria’s Idlib province
الكاتب*نيكولا تينزيه،Nicolas Tenzer
مكان النشر وتاريخهكونفيرسيشن،THE CONVERSATION، 31/3
رابط المقالةhttps://theconversation.com/debate-silence-must-not-obscure-the-crimes-committed-in-syrias-idlib-province-114386
عدد الكلمات1358
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

*- رئيس مركز الدراسات والأفكار للعمل السياسي، وهو مركز أبحاث فرنسي محايد سياسيًا ومستقل عن جميع الأحزاب ومجموعات المصالح.

* صورة الغلاف: خان شيخون، محافظة إدلب، في 26 شباط/ فبراير 2019: رجل يحمل جثة ابنته التي قُتلت في قصف للقوات الموالية للأسد. أنس الدياب/ وكالة الصحافة الفرنسية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق