سلايدرقضايا المجتمع

“الإسلاموفوبيا” مولّد للإرهاب ضد الإسلام

تُسهم الأيديولوجيا التي تتبناها الأحزاب اليمينية المتطرفة في الغرب، وهي تعادي المسلمين واللاجئين، في تعزيز الكراهية ضد المسلمين بين مؤيديها، وقد أصبحت هذه الأيديولوجيات منطلقًا للسلوك العدائي الإجرامي و”الإرهابي”، ضد مسلمي أوروبا وأميركا، عبر قتل أبرياء واستهداف مساجد ومحجبات، حتى باتت الدول الغربية مكانًا غير آمن تمامًا، للمسلمين واللاجئين الذين باتوا يعانون أحيانًا آثارًا عنصرية وتمييزًا ضدهم.

الجريمة التي قُتل فيها 50 مصليًا، وأصيب 50 آخرون من الأبرياء، في أثناء صلاة الجمعة في مسجدين في مدينة “كرايست تشرتش” النيوزيلاندية، لا ذنب لهم سوى أنهم ضحايا حرب العداء للإسلام. مجرم إرهابي يميني متطرف يدخل بيتًا من بيوت العبادة، فيقتل أشخاصًا يقومون بأداء عبادتهم بسلام، على الرغم من أنه استُقبل، هو وسلاحه، بعبارة “مرحبًا أخي”.

لأول مرة، يتم تناول حدث كهذا بردّات فعل دولية واسعة، تستنكر ذلك العمل الإجرامي، على مستوى رسمي عال وواسع، لكن اللافت للنظر هو الجديد في وصف هذا العمل الإجرامي الدموي بأنه “عمل إرهابي”، وقد اعتاد المُتلقي والمتابع للإعلام الغربي أن توصف أعمال إجرامية كهذه بأنها “نتيجة خلل نفسي أو عقلي عند الجاني”، وكان من اللافت للنظر أيضًا ظهور جرأة دولية في استخدام كلمة “إرهابي” بوصف الجريمة، إذ كانت توصف هذه الجرائم على أنها “جرائم كراهية وجرائم عنصرية”.

توالت الإدانات الرسمية والشعبية، حيث وصف مجلس الأمن الدولي الجريمة بـ “العمل الجبان”، ودانتها الملكة إليزابيث، والرئاسة الفرنسية، والمستشارة الألمانية، مرورًا بنواب البرلمان البريطاني وعدد من البرلمانات الأوروبية، وحلف شمال الأطلسي، وغيرها من المؤسسات الرسمية والمسؤولين رفيعي المستوى، مع أن الاستنكار والاستهجان لا يصلان إلى الحد الذي نراه، عندما تكون الجريمة ضد غربيين على يد مسلم.

كان بعض المسؤولين الغربيين غاية في الجرأة، بالمطالبة بوصف هذه الجريمة المروعة بالعمل الإرهابي، والمطالبة باعتبار أن اليمين المتطرف في الغرب ذو فكر إرهابي، ويجب وصفه بالإرهاب، فقد بدأ الغرب يستشعر بالفعل الخطر المحدق بمجتمعاتهم، من انتشار واستشراء وتغذية فكر العداء ضد المسلمين.

بعد هذه الحادثة؛ طالبت بعض المنظمات الحقوقية بمواجهة اليمين المتطرف في الغرب، لكونه أحد الأسباب المباشرة لنشر فكر العداء ضد الإسلام، لكن لم يتجرأ الحكام العرب على استخدام كلمة “الإرهاب” وهم يدينون جريمة المسجدَين، بل استخدموا عبارات تقليدية وإدانات خجولة.

لا يكفي أن يكون الحل عبر وضع قوانين تمنع حمل السلاح، بل يجب أن يتطرق الحل إلى تغيير النظرة والفكر والأيديولوجيا والحكم المسبق، وإيقاف نشر الصور النمطية الخاطئة عن المسلمين، تلك الصور التي بتنا نراها حتى في ألعاب الفيديو وأفلام الأطفال، حيث يُصوّر فيها القاتل بزي عربي؛ ذلك أنها توصل صورة نمطية خاطئة عن الإسلام والعرب، وتُحرّض على العنف وعلى محاكاة الواقع الافتراضي الإجرامي.

من الضروري أن يتصدى العالم ويناهض العداء ضد المسلمين، حتى يحلّ السلام بين البشر، على اختلاف أديانهم وأعراقهم وبلدانهم وانتماءاتهم وأيديولوجياتهم، ويجب السعي لإيضاح وإيصال حقيقة الإسلام، كمبادئ وقيم، إلى من بنى معتقداته وقناعاته الخاطئة المتطرفة عنه.

بعد كل عملية لـ (داعش) أو لأي تنظيم متطرف، يتم التضييق على الجماعات الإسلامية، فهل سيتم التضييق على جماعات اليمين المتطرف المناهضة للمهاجرين واللاجئين والإسلام، بعد هذه العملية والاعتراف الدولي بأنها إرهاب أو شبه إرهاب وخطر على الأمن والسلام الدولي؟

ربما آن الأوان ليتم فصل الدين عن السياسية، وعدم لصق كل ما هو مُخرّب وفاشل وإجرامي بالإسلام، بصفته دينًا، لأغراض جلّها سياسية، مع عدم النكران طبعًا بأن هناك أفكارًا وأيديولوجيات مريضة خاطئة تتستر بثوب الإسلام أو الأديان الأخرى، لتبرر أمراضًا اجتماعية منبتها الحقد والعنصرية، لا التعصب الديني أو الغيرة للدين.

ولا بدّ من أن يتوقف ربط “الإرهاب” و”التطرف” بالإسلام، ذلك الربط الذي أسهم كثيرًا في أذية المجتمعات، وتعزيز مفاهيم لا تمتّ إلى الإنسانية بأي صلة، وتدعو إلى الذعر والخوف من الآخر المختلف، ولا بد أيضًا من الاعتراف بأن الإرهاب لا دين له، وبأن هناك أيديولوجيات توجهه، ليس منطلقها الأديان التي وُجِدَت أساسًا لإحلال السلام بين البشر، وجميعها تبدأ بالسلام وتنتهي بالسلام.

وللخطاب الإعلامي دورٌ مهمٌ جدًا في هذه الحالة، وعلى مرّ العقود الماضية قدّم الإعلام الغربي، على وجه الخصوص، الصورة النمطية للإرهابي بأنه المسلم المتشدد، الذي ينادي “الله أكبر” وهو ينفذ الأعمال الإرهابية التي يستهدف فيها أصحاب الأديان الأخرى، ويُصوّر الإرهاب والقتل والجريمة والعنف على أنه “عمل يدعو إليه الإسلام”، وأنه “جزء من جوهره”، وقد ساهمت هذه الصورة في الإعلام في تعزيز تلك الصورة النمطية الخاطئة عن الإسلام كدين، وعن المسلمين أينما وجدوا.

أدى إلصاق كلمتي “الإرهاب والتطرف” بالإسلام، إلى جعل مصطلحات كـ “الإرهاب الإسلامي” و”التطرف الإسلامي” مألوفةً لا يستنكرها المسلمون، ومن هنا شاع استخدام اصطلاح “الإسلاموفوبيا”، وتحديدًا انتشر استخدامه، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر في الولايات المتحدة، وتتألف الكلمة من كلمة الإسلام وكلمة (فوبيا) التي تعني الخوف، فالخوف من الإسلام أصبح المصطلح الذي يُستخدم لتبرير العنصرية والعداء تجاه المسلمين، وتبرير الأعمال العدائية والإرهابية تجاههم.

لم يراعِ الإعلام المنطق والحيادية، إذ استخدم قرائن غير صحيحة لربط الإرهاب بالإسلام، فمثلًا تلك الصورة التي تستخدم في أي خبر عن (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) التي يظهر فيها مقاتلو التنظيم الإرهابي وخلفهم راية سوداء مكتوب عليها “لا إله إلا الله” هي واحدة من أسوأ الصور التي عززت وربطت الإرهاب بالإسلام. في الوقت الذي كان عليه أن يُراعي التفاصيل، على نحو جاد ومهني وأخلاقي وحيادي، لمنع تعزيز “الإسلاموفوبيا” لدى الغربيين، واليمين المتطرف على وجه الخصوص، ولا بد له من الانتباه إلى اللغة المستخدمة، عند وصف التطرف والتشدد والإرهاب والجرائم ضد الأبرياء، وهي في الحقيقة لا تمتّ إلى الإسلام، ولا إلى أي دين آخر بصلة.

لا بد من وضع حد للاعتداءات التي تجاوزت حد المضايقات، وأصبحت جرائم وأعمالًا إرهابية، ولا بد من تشغيل الإعلام ليعمل على توضيح مصطلح “الإسلاموفوبيا” وعكس تأثيره، كما لا بد من قوانين حماية دولية للمسلمين المتهمين زورًا بالإرهاب، ووضع حلول شاملة تحدّ من الكراهية للمسلمين.

ولا بد من أن يكون هناك تضامن اجتماعي من المجتمعات الحاضنة للأقليات المسلمة، فالتضامن الذي أبداه غير المسلمين في نيوزيلاندا، في الجمعة التالية لجريمة المسجدين، بارتداء النساء الحجاب الإسلامي حتى الشرطيات ورئيسة الوزراء، والاحتشاد وقت صلاة الجمعة لتأبين الضحايا، كان من أفضل ما يمكن أن يقوم به مجتمع، استنكارًا لفعل عدائي للإسلام ومظاهره التي أبرزها الحجاب.

لابد من الإشادة هنا بالموقف الرسمي والإنساني الذي يحتذى لرئيسة الوزراء النيوزيلاندية جاسيندا أرديرن، التي قدمت مثالًا متكاملًا عن حسن قيادة المواقف الحساسة والصعبة بأفضل شكل، من خلال الإجراءات الرسمية والمعنوية التي قامت بها، بدءًا من ارتدائها الحجاب في أثناء زيارة أهالي الضحايا لتعزيتهم والوقوف بجانبهم، مرورًا باستشهادها بحديث نبوي في خطابها في تأبين الضحايا، وصولًا إلى أخذ الحدث على محمل كبير من الجدية، بوصفه إرهابًا خطرًا على المجتمع الذي تقوده، والعمل على إجراءات رسمية جدية عاجلة، لضمان عدم تكرار أعمال إرهابية عنصرية عدائية كهذه، وضبط الآثار الناتجة عنها من انتشار العنف والعداء أكثر.

كان رفع الأذان في أنحاء نيوزيلاندا، وخروج المواطنين للتضامن مع أبناء بلدهم الذين استُهدفوا من دون سبب سوى معتقدهم، أحد الوسائل لحثّ غير المسلمين على الاطلاع على دينٍ طالما كانت الصورة النمطية الخاطئة هي ما يُقدَّم لهم، وما من شكّ في أن ردّات الأفعال هذه قد قدّمت الكثير من الشعور بالأمن للجالية المسلمة في نيوزيلاندا، بعد ذلك الحادث الإرهابي، وسيكون لها دور أيضًا في التقليل من العداء للآخر الذي ينتجه عمل إرهابي كهذا لدى المسلمين أيضًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق