مقالات الرأي

من جمهورية أفلاطون إلى “سوريا الأسد”

عن السلطة والأخلاق

لم تقم أيّ سلطة في التاريخ إلا وهي حاملة صندوق أخلاقها معها، تضع فيه التبريرات الأخلاقية التي تساعدها في فرض سلطتها على من تريد السيطرة عليهم. حتى إن أعتى السفاحين في التاريخ كانوا حملة لرسائل أخلاقية ومعايير أخلاقية، يبررون بها سلطتهم.

قام الوعي السياسي لدى غالبية السوريين، سلطة ومعارضة، نخبًا وعامّة، على فهم أفلاطوني للسلطة! والفهم الأفلاطوني -كما عرضه أفلاطون في جمهوريته “الفاضلة”- هو فهم أخلاقي يقوم أساسًا على التقسيم الهرمي للسلطة، قياسًا على الجسد الإنساني، حيث هناك الرأس (الذي توجد فيه النفس العاقلة) وتمثله الطبقة الحاكمة، ويمثله الحاكم على نحو خاص. وهناك الصدر (الذي تقبع فيه النفس الغضبية) وتمثله طبقة الجنود “حرّاس المدينة”. وأسفل البطن (الذي تقبع فيه النفس الشهوانية) وتمثله طبقة العامّة.

وعند أفلاطون، لا يعمل الجسد بشكل جيد وسليم إلا عندما تقود النفس العاقلة كلًا من النفس الغضبية والنفس الشهوانية، وقس على ذلك في نظام الحكم. من هنا يقترح أفلاطون صفات معينة للحاكم، هي أقرب إلى صفات الفيلسوف/ الحكيم. ثم جاء الفارابي ليحدّد تلك الصفات في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” باثنتي عشرة صفة، جعلت صفات الحاكم أقرب إلى صفات الفيلسوف/ النبي، لما تتطلبه من ذكاء ومعرفة وكرم وشجاعة وحب الخير، وغير ذلك من الصفات التي تقوم جوهريًا على الأخلاق.

أعادت الثقافة العربية العالِمة، الحديثة والمعاصرة، إنتاجَ فكرة أفلاطون والفارابي الأخلاقية عن السلطة وصاحب السلطة، والدفاع عنها عبر فكرة “المستبد العادل”، فليست مشكلة أن يكون الحاكم مستبدًا، طالما أنه خلوق وعادل ويحب وطنه ولا يتنازل عن المبادئ ولا عن الأرض! وقد مثّل عبد الناصر النموذج الأسطع لتلك الفكرة، دون أن ننسى أن هذا الأخير كان هو نفسه نموذجًا مُلهِمًا للعدد الأكبر من القادة العرب، وعلى رأسهم حافظ الأسد وصدام حسين والقذافي وغيرهم.

صورة السلطة إذًا بقيت مرتبطة بالحاكم، وصورة الحاكم بقيت محددة بالأخلاق التي رسمها أفلاطون والفارابي. فإذا كان الحاكم خيّرًا وأخلاقيًا؛ قاد البلاد إلى الازدهار، وإذا كان شريرًا وبلا أخلاق؛ قاد البلاد إلى الخراب.

هذا الفهم نجده اليوم أيضًا، على نحو واسع، عند المعارضة السورية، فنسمع مثلًا:  معارض شريف، معارض وطني، معارض لا يخدم بلده طمعًا بالسلطة أو بالمال، بل حبًا بالناس وبالبلد والقضية.. وهلمّ جرًا من تلك “الكليشيهات” الأخلاقية المؤسِسة لجميع أنواع التهم المقابلة بالخيانة والعمالة وبيع الذات والتفريط بالقضية.. إلخ.

من خلال الفهم الأفلاطوني للسلطة؛ ينتج مفعولان:

الأول هو أنه فهم يزيّف مشكلة السلطة ويحيد عن أساسها. فإضافة إلى أنه يُخفي عكس ما يُظهر تمامًا، عبر إظهار الزهد في السلطة وإخفاء الرغبة في تحصيلها، نجد أن مشكلة السلطة لا تكمن في أن يكون الحاكم جيدًا أو سيئًا، خيّرًا أو شريرًا، إنما في صلاحيات الحاكم، حدود سلطته، ملكيته، وقابلية تغييره وخلعه سلميًا وببساطة، من دون عنف ودون حاجة إلى قتله أو انتظار موته، فحتى لو كان الحاكم نبيًا فإنه سيتحول إلى فاسد وإلى دكتاتور، عندما تكون سلطته مطلقة وغير مقيدة، وعندما يسيطر فعليًا على كل السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية، بينما في المقابل حتى لو كان الحاكم معتوهًا أو مجنونًا أو عنصريًا شعبويًا، مثل ترامب، فإنه لن يتمكن من تدمير البلد مثلما فعل الأسد؛ لأن سلطته ستكون مقيدة بألف قيد دستوري، وموزعة على مجموعة كبرى من السلطات المستقلة عن سيطرته، وغير المتمركزة تحت إمرته وقيادته “الحكيمة”.

والثاني أنه فهم يقع في مثالية لا يمكن تحقيقها في الواقع، ولا تخدم في المحصّلة إلا تأبيد الاستبداد، فالمثالية تقلب الحقائق وتجعل النزاع السياسي على السلطة يبدو وكأنه نزاعًا ثقافيًا، بين أصحاب النوايا الحسنة والرؤى الأخلاقية، التي تفتح بدورها باب المزاودات الوطنية الفارغة وابتزاز الشعب باسم القضايا الكبرى، مُخفية الطبيعة الحقيقية للنزاع السياسي، باعتباره نزاعًا لتحصيل القوة والسيطرة. والمثالية أيضًا تجعل صراع المختلفين سياسيًا يبدو وكأنه صراع بين الخير والشر، الحق والباطل، بدلًا من كونه صراعًا بين البرامج السياسية المتنوعة، وتجعل النموذج المرشد “الباراديغم” للفاعل السياسي هو نموذج المُخلّص أو المُنقذ أو “المهدي المنتظر”.

يقول ميلان كونديرا، تعبيرًا عن هذه الفكرة: “هؤلاء الذين يعتقدون أن الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية هي فقط من اختراع مجرمين، يُغفلون حقيقة أساسية: الأنظمة المجرمة لم ينشئها أناس مجرمون، وإنما أناس متحمسون ومقتنعون بأنهم وجدوا الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الجنة. فأخذوا يدافعون ببسالة عن هذا الطريق، ومن أجل هذا قاموا بإعدام الكثيرين. ثم فيما بعد، أصبح جليًا وواضحًا أكثر من النهار، أن الجنة ليست موجودة، وأن المتحمسين كانوا إذًا مجرّد سفّاحين”. (كائن لا تحتمل خفته، ص152)

لا يمكن تجاوز مرحلة الأسد وجمهوريته “المتجانسة” عبر طروحات أفلاطونية معكوسة، لا تطرح سوى المثالي على الرغم من ظاهرها الواقعي. ولا يمكن تجاوز مرحلة الأسد عبر بديل سياسي وأخلاقي ذي بنية أفلاطونية خلاصية شبيهة ببنية نظامه، تبحث عن التجانس مثله، وتنفي الوطنية عن المختلفين مثله، وتتعامل مع قضايا الاحتلال والتدخل الخارجي والأرض والشعب والسيادة الوطنية والعلاقة مع العالم الخارجي، مثلما يتعامل.

الأفلاطونية السياسية ليست سوى الأب الروحي لجميع أنواع الطائفية السياسية، علوية كانت أم سنيّة أم شيعية أم كردية أم غيرها، وعلى الرغم من الوحدة والتوحيد الذي قد تبدو عليه أو تبديه الأفلاطونية السياسية، فإنها الطريق المضمون نحو التفكك الوطني والحرب “الوطنية” المستدامة، أو ما يسمى في القاموس السياسي الحالي “حربًا أهلية”، حيث إن الحروب الأهلية المعاصرة، بعد أن رُسمت حدود الدولة/ الوطن، لم تعد تتحدد ضمن السياق الأهلي، بقدر ما باتت صراعًا دوليًا، “يندمج فيه الداخل والخارج/ المحلي والدولي معًا، ويعملان معًا على احتكار الدولة/ الوطن، والسيطرة على مجمل سكانه وموارده وتمثيله السياسي.

ليست الأفلاطونية السياسية سوى الإبستيم اللاوعي، والنموذج الثقافي/ السياسي الذي يُبنى عليه الاستبداد، ولا يمكن أن يولد من هذا النموذج حاكمٌ -أيًا كان نوعه- إلا على هيئة طاغية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق