تحقيقات وتقارير سياسية

بوتين والمحرقة السورية

تعاضد على صناعة الاندفاعة الروسية الحالية في سورية، وقبلها في إقليم القرم، عوامل عدة، يرأسها أربعة، بحسب تقديري: الانكفاء الأميركي عن المنطقة، والأزمة الاقتصادية في روسيا، وامتلاك روسيا لفائض القوة العسكرية، وشخصية بوتين الاستثنائية.

نترك الاندفاعة الروسية في القرم وأوكرانيا؛ لأنها تتوافر على عوامل إضافية مختلفة، تضفي عليها بعض المشروعية، وتجعلها قابلة للتفهم، فهناك تتداخل مسألة السيادة على الإقليم، مع مسألة التركيبة السكانية 58 بالمئة من أصل روسي، مع مسألة الأمن القومي الروسي، وما يشكله انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي من مخاطر.

أما في سورية، حيث لا جغرافيا تربطها بروسيا، ولا ديموغرافيا ولا مسألة سيادة، وحيث لا مواطنين روس، ولا صواريخ أطلسية. فلا يُفهم تدخل الروس العسكري المباشر والسافر، بهذا الحجم وهذه الصلافة، إلا في إطار صراعها المفتوح مع الغرب على ملفات عديدة، لعل المصالح الروسية في سورية هي أصغرها، وأقلها أهمية، على الرغم من أن سورية هي الملعب.

استغلت روسيا استراتيجية أوباما القائمة على عدم الاهتمام بالمنطقة، والرغبة في عدم التورط، فاندفعت بقوة للإمساك بالملف السوري، عبر الدعم المطلق لحليفها نظام الأسد، حيث قدمت له كل أسباب النجاة والاستمرار، سياسيًا وعسكريًا، ثم قررت التدخل العسكري المباشر منذ أكثر من سنة لحسم المعركة، فأرسلت طائراتها وأساطيلها وانخرطت في الحرب بكل قوة وشراسة.

كان التدخل العسكري في سورية مغريًا للروس على غير صعيد، وبدا أنه مكسب خالص لهم، يحققون عبره أهدافًا عدة بأقل التكاليف؛ فنظام الأسد، لضمان بقائه، وفي موقف وطني ضارب يسجّل له، سلّمهم سيادة البلاد وثرواتها، وأبرم معهم اتفاقيات إذعان اقتصادية وعسكرية مجحفة ومذلة، فمنحهم امتيازات حصرية في مجالي النفط الغاز، وامتيازات عسكرية واستراتيجية هائلة على قاعدة طرطوس وقواعد أخرى في الساحل، وربما وعدهم بامتيازات مستقبلية مغرية على صعيد إعادة الإعمار إذا استتبت له الأمور. أما على صعيد الملفات الأخرى، الأكثر أهمية لروسيا، فقد بدا للروس أن تدخلهم العسكري السافر هذا، وإحكام قبضتهم على الملف السوري، وحسم النزاع المسلح لصالح النظام، سيساعد في دفع الغرب إلى التسليم بموقعهم الجديد، كقوة عظمى لها مصالحها التي يجب أن تحترم، وسيدفعهم للتفاوض بشأن الملفات الساخنة، كملفات الأمن القومي والعقوبات الاقتصادية الموجعة.

تورطت روسيا أيما ورطة من تدخلها العسكري في سوريا، وورطتها لا تنحصر فيما سيكلفه هذا التدخل من خسائر اقتصادية وعسكرية وسياسية، بل أيضًا في عدم قدرتها، لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، على الاستمرار طويلًا بهذه الحرب التي لم تتمكن من حسمها كما كانت تتوقع. وأيضا في الكلفة الباهظة لخياراتها الأخرى في حال خسارة الحرب، سواء كانت بالانسحاب والتراجع، أو بالاستمرار وعدم التراجع.

من الناحية الاقتصادية، فإن روسيا تعاني أساسًا من أزمة اقتصادية خانقة، نجمت عن انهيار أسعار النفط، في بلد يعتمد في 50 بالمئة من وارداته على تصدير النفط والغاز، كما نجمت عن العقوبات الاقتصادية الغربية على خلفية التدخل الروسي في القرم، ثم جاء التدخل العسكري في سوريا ليضاعف من هذه الأزمة بسبب التكلفة اليومية الباهظة لهذا التدخل على خزينة الدولة، والتي هي أصلًا شبه خاوية، ويبدو أن هذه الأزمة ستستمر، وستصبح أكثر إيلامًا يومًا بعد يوم بسبب صعوبة الحسم في هذه الحرب.

لقد قوض انهيار أسعار النفط مع العقوبات مع تكلفة الحرب كل إنجازات بوتين الاقتصادية التي حققها منذ مجيئه إلى السلطة في العام 2000، وبدأ المواطن الروسي يشعر بهذه الأزمة، حيث انخفضت القوة الشرائية للأجور بمعدل 10 بالمئة في النصف الأول من عام 2016، وأخذت الخدمات العامة كالتعليم والصحة بالتراجع؛ بسبب تخفيض الانفاق العام بنسبة 8 بالمئة في العام 2016، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 30 بالمئة. وأسعار الروبل في انخفاض مضطرد، ومعدل النمو سلبي، والاستثمارات الخارجية والداخلية أصبحت شبه معدومة، وتشير تقارير البنك الدولي إلى عجز هائل في الميزانية الروسية للنصف الأول من هذا العام.

يحتاج إنقاذ روسيا من أزمتها الاقتصادية إلى أكثر من معجزة، فليس ثمة ما يؤشر إلى ارتفاع قريب مؤثر في أسعار النفط، وليس ثمة ما يشير إلى رغبة غربية في رفع العقوبات الاقتصادية، بل بالعكس، فالأصوات ترتفع لإيقاع مزيد من العقوبات. وليس ثمة ما يؤشر إلى قرب انتهاء الحرب وتوقف نزف الخزينة.

لقد استطاع الغرب تدمير الاتحاد السوفياتي من خلال خاصرته الضعيفة، الاقتصاد، ولن يعجز الآن عن فعل الشيء نفسه مع وريثه الروسي، الذي يحمل أمراض المُوَرِّث نفسه، ولديه الخاصرة الضعيفة نفسها، ويقوده رجل بعقلية فاشية مخابراتية مافيوية، لا يرى حلولًا لمشكلات بلاده الداخلية والخارجية، إلا عبر استخدام القوة العسكرية خارج الحدود. الأمر الذي يورطه بأزمات غير محسوبة، ولا قدرة له على حلها، ولا على تحملها، ويقدم لخصومه الفرص الثمينة لاصطياده. وها هو الآن يعيش مأزقًا خطرًا ومركبا من جراء مغامراته العسكرية، فهو لن يستطيع، على الرغم من جهده الجبار، حسم معركة حلب قبل رحيل إدارة أوباما الرخوة المتغاضية، بينما تدل المؤشرات على أن الإدارة المقبلة لن تتعامل مع بوتين بالتغاضي نفسه، وهو لن يستطع جر الغرب إلى التفاوض، على الرغم من استعراضات القوة التي يجريها هنا وهناك، فهذا الغرب غير مستعجل، وربما يكون سعيدًا باللعبة، فهو يستنزف بوتين في سورية وعلى حساب السوريين. والوضع الاقتصادي الروسي -كما ذكرنا- لا يسمح بمزيد من النزف في الخزينة.

إنها معركة عض أصابع بين الروس والغرب، ولا شك في أن الروس هم من سيصرخ أولًا، بسبب عدم قدرة اقتصادهم ومجتمعهم على الاحتمال، قياسًا على غريمهم الغربي الذي يفوقهم قوة وقدرة أضعافًا مضاعفة (على سبيل المثال، تعادل موازنة الدفاع الأميركية لعام 2017 ثمانية أضعاف نظيرتها الروسية، 697/78).

تضفي شخصية بوتين على المشهد بعدًا إضافيًا، بسبب ما تنطوي عليه من ذاتوية مفرطة، ونرجسية وجنون عظمة، وبسبب عقليته الفاشية المخابراتية، فهذه الشخصية تحكم وتتحكم منفردة ببلد غير ديمقراطي، يحتكم على ترسانة هائلة من الأسلحة النوعية، ويحن إلى الأمس القريب، حيث كانت بلاده قوة عظمى مهابة الجانب. وشخصية من هذا النوع يصعب عليها التراجع والإذعان للأمر الواقع، والقبول بموازين القوة واللعبة السياسية؛ لذلك من المرجح أن يذهب بوتين في القصة حتى نهايتها، متجاهلًا حقيقة أن الأنظمة التي تقوم على ساق واحدة (القوة العسكرية في حالتنا) هي أنظمة ضعيفة غير مستقرة مهما بلغت قوة هذه الساق، وأن قوتها العسكرية لن تحميها من السقوط في النهاية، طالما أن اقتصادها ضعيف ومواطنها بائس. والمثال أقرب ما يكون، الاتحاد السوفياتي نفسه.

يبدو أنه سيكون لنتائج حرب بوتين في سورية عمومًا، وفي حلب خصوصًا، أثر كبير عليه وعلى بلاده، فعدم قدرته على كسبها في المدى القريب، وقبل قدوم الإدارة الأميركية الجديدة، تعني أنه خسر الحرب، وأن طموحاته التي بناها على تلك الحرب قد تلاشت، وأنه أمام خيارين مؤلمين، فإما التراجع، وتقديم التنازلات للغرب، والقبول بشروطه، في سورية وفي أوكرانيا وغيرها؛ ما سينعكس سلبًا على صورة بوتين أمام شعبه وأمام العالم، أو الاستمرار والتورط أكثر فأكثر في الحرب، مع ما يعنيه ذلك من انهيار اقتصادي وعقوبات جديدة، وربما خسارة عسكرية مذلة إذا قرر الغرب دعم بعض الفصائل المحاربة بأسلحة نوعية، كمضادات الطيران مثلًا.

ومن يدري، فقد تكون معركة حلب بداية النهاية لهذه الطفرة الفاشية الهمجية الجديدة (البوتينية).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق